الحوار عملية جراحية عاطفية

talking

أكتب الآن في معرض أن أقول كلاماً يصلح لأن يكون “شيئاً للحديث عنه”، أو كما يقول الأمريكان “سمثينغ تو تولك أباوت”، وبدقة وتوصيف أوضح موضوع شيّق يستحق أن أطرحه أو أعطيكم إياه -أنتم يا من تقرأون- ويكون مادة دسمة للحوار، لحظة، هنا لنتوقف، الحوار، هذا هو الموضوع اليوم، الحوار، نعم نعم، الحوار، الحوار يشبه عندي الخضوع لعملية جراحية، عملية جراحية عاطفية، المريضان اثنان، والطبيبان اثنان، وربما أكثر، لكن المثير أنهم يجرونها في بعضهما في نفس الوقت، نقف أمام بعضنا، بالقرب من بعضنا على وجه التحديد، وقد نستلقي، قد نمشي، وبيد كل منا أدوات جراحية، كلمات، ألا يقولون أن الكلمة تجرح؟ صح، وأدوية، لأن بعض الكلمات دواء أيضا.

الحوار هو غوص مشترك في كلينا، بحث عن علة ما، أو تجميل لقبح ما، أو إزالة لشوائب لا معنى لها. المثير في الحوار، أنه قد يسرق منك الوقت، ينتهبه فتفلس من كل ضيق وهم وثقل يتأرجح على كتفيك، تفلس نعم، من غم وهم، لأنك تعرف به أكثر، وتسأل به أكثر وأكثر، ينتهبك نعم لكنه يعيد لك ما انتهبه ويسدده على شكل أقساط مريحة لكليكما، يسدده تفاهماً وانفتاحاً على الآخر، واشتراكاً في طريق هو للجميع، ويعطيك أيضا مزية أخرى جربتها شخصياً وهي امتياز الاستيقاظ على مهل ودون مقاطعة، دون مقاطعة مثلا من فكرة تصرخ كأنها منبه الساعة السادسة يوم الأحد أو الاثنين، “أياً كان بداية أسبوع العمل لديكم”.

الحوار -هو بذات نفسه- بعد أن “يعمل عملته تلك”، يغطيك بغطاء فريد، غطاء النوم الطويل العميق الممتليء بكل حلم لزج ممكن، كل حلم متكثف من النوع الذي يسوغ أن تسوق كل تفاصيله وأحايين أخرى من النوع الذي لا يسوغ. أدري -معنوياً ومادياً- أن هذه الحياة لا يمكن أن تمنحك الحل المثالي الذي درسونا إياه في البرمجة الخطية، “ليينير بروغرامينغ”، الذي يقرر أنك عند هذه القيمة ستحصل على القيمة القصوى لدالة الهدف، لا يوجد شيء سخيف مثل ذلك في الحياة، الحياة أعقد من شويّة أرقام، يقولون لك تحاور، الحوار زين، ضروري ومهم، طيب أتفق معكم، لكن الأمر ليس بالسهولة، سيكبو الحصان مراراً، يكبو حتى تعيا ركبتاه، وليس لداء الركبتين طبيبُ، إلا مسامير الركب، فردات تمر خلاص المُلْحِمة، لا يهم أن تكون من الحسا أو القصيم أو الخرج أو حتى الزبير، المهم أن تغمسها ببعض الرهش، الرهش هو الطحينية السائلة، عصارة بذور السمسم، لا تذهب لقوقل كي تبحث، “ماهو الرهش؟”، أو يمكنك، انسخ السؤال، أرحتك من كتابته أصلا، كلمة مُلْحِمة تعني سمينة، ممتلئة باللحم وهذه التعابير تشعرني أن التمرة كائن حي، كأنها بطن عصفور حلو، وكأنها أشياء أخرى.

لنعد للموضوع، طيب، نعم، الحوار، هنا أسجل تذكيراً أن الحوار كما قلت “خوش فكرة” لكن توقع الأسوأ بعض الأحيان، لا يخالف، أقصد “مخالف” مثلما أحب أن أقول كثيراً أو قليلاً، فالحوار قد يمنحك امتيازات استثنائية لكن هذه المرة بالقيمة السالبة، فتراك تسبح في حزن معربد، من النوع البالغ الطغيان، أو هكذا يتهيأ لي، ولهواي، ولنفسي الأمارة بالسوء، التي لا يمكنني زن أبرئها دوماً، بل أعترف بتقصيرها، وأطلب رحمة الله تعالى لها، ثم تبرق من بعيد نجمة، ثم يلمع ضوء في الأفق، يقول أن كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون. في ذلك الحزن المعربد، الذي يغريك أول الأمر بعذوبته، من حيث أن تشعر بأنك نبيل وتستقبل المعاناة لأنك أهل لها، لكن هذا الشعور يتبخر بسرعة عندما يتحطم مزاجك الهش على أرض الواقع الرخامية المرمرية، وفمك يطفح بطعم مر لا تدري كيف تطرده.

وقبل أن يلتهمك ذلك الحزن المعربد، تشعر أنك شجرة مزروعة كبرت وكبرت، والآن حان الوقت لنمو، النمو حاد مجهد، النمو ليس نزهة في الحديقة، “نوت أ ووك إن ذا بارك”، والمصيبة أن الشجرة مزروعة في المكان، لا تتحرك ولا يمكنها ذلك، هذا قدرها، فتصرخ بدون أن تهرب، ثم تتذكر أنك إنسان، ولك قدمان، وتمشي، وتكتشف أن المشي، والمشي الطويل الطويل الفاخر المسترسل، هو دواء ذلك الحز المرير، ثم يعبر الحزن بعيداً عنك، ممسكاً بيد الغضب المجنون وعواصفه النارية التعيسة القميئة وهي تقهقه على حمق هذا الإنسان الظلوم الجهول والضعيف المجادل الهلوع، وعلى ذكر الغضب، تدرون أنه يجعل الإنسان مثل ثقب أسود، يمتص كل حيلة ممكنة تنبعث بها الأجسام النورانية، والعياذ بالواحد الأحد من شر ما خلق.

وقد يضيق الخناق، حتى أختار أن أنام، أن أعود للأصول، تلك البعيدة السحيقة، أن أنام في ظلمات ثلاث، وأتكور كأنني في رحم، وأغمض عيني وأغطي وجهي وأحصل على أكسجيني من فوهة صغيرة على فمي فقط، كما لو كانت حبلي السرَّي، ثم أمسك بيد الأحلام وأرتخي، فيأخذني اللاوعي إلى مجاهله المذهلة! فأرافقه إلى أي نهاية متوقعة ممكنة، وأنام وأستيقظ، وأستيقظ وأنام، وربما أجد نفسي تجددت، كبرت؟ تطورت، نموت، اخترت اختيارات أخرى، لعل نتائج أخرى أن تصادفني، وأظنني فهمت الرسالة، أن الحوار شيء صغير يكبر ونربيه، مثل ما تربي الناقة حوارها البريء، الحوار يأخذنا من حَوْر إلى حَوْر ومن كَوْر إلى كَوْر، ثم إن رحمة الله واسعة، وكما قال الإمام اليوم في آخر جملة من خطبة الجمعة، فاذكروا الله يذكركم، واشكُروه على نعمه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، فالله أكبر فالله أكبر ولله الحمد.

علي الراوي

rawe
وتدوينتي كذلك، تصدر كل سبت، وهي السنة الأولى، وهأنذا أروي، مثل الراوي، والأمر جاد وهزلي أيضاً

أستيقظ في يوم من أيام نهاية أسبوع وأجده ممتليء صباحه بسماء زرقاء صافية وبالشمس المشرقة التي لا تضاهيها حناناً وحرارة إلا حنان أم وحرارة مشتاق محب، وأجد الغرفة الباردة جداً -على الرغم من أننا في أعماق آب اللهاب- تذكرني بيوم كانوني اشتقت له جداً، وأجد أيضا في داخلي استشعاراً لثقل تلك الهموم التي أجرها خلفي كالقاطرة منذ زمن، أنساها وأتذكرها حسبما تقترحه الظروف والأحكام من حولي، والشيطان وهواي. هموم أنظر إليها نظرة إيجابية بمعنى أن الخلو من الهم هو خلو من حكمة وخلو من المعنى وخلو من العقل حتى، على رأي العم الضخم ذاك، المتنبي، فتهوّن نفسي الأمر أحيانا وتتهاوى أحياناً، وهكذا دواليك. أستيقظ هذه المرة وفي داخلي رغبة في أن أعود، للقراءة بنهم، قراءة تقيم صُلبي، وأن أكتب باندفاع وأن أغرف من بحر ومن نهر، ماء مالحاً وعذباً وكذلك مختلطاً، كي تلين الأشياء فيَّ ومن حولي، وأقرر أن أمسك بذاتي التي أحبها، بهدوء وآخذ بيدها بلطف، فأتمهل، أقضي حاجياتها بهدوء ودون مقاطعة مباغتة معتادة وإدمانية استهلاكية تضرها، فأتأخر عن النظر في هاتفي مثلاً، أختار ألا أشتغل بشيء سوى أن أتوضأ وأصلي ثم أعود للسرير وأستلقي في ذلك الهدوء الذي تغمره الشمس، وبجانبي كوب الماء الممتليء بماء له درجة حرارة الغرفة، وأرتشف منه بهدوء وأنا أفكر بشعوري الآن تلك اللحظة، وأتلو الأذكار على نحو ما انتحيته منذ زمن، وأستشعر البركة يملأ عبقها روحي، ثم أقوم الآن بهدوء للهاتف، وأصله إلى الانترنت بعد أن اعتدت أن أقطعه عنه كل ليلة كأني أريده أن يرتاح، فتهطل رسائل وتتحدث تطبيقات مثل ديم مطري منعش، أسمع صوتي الخادر البائت من أمس أولاً، وأقرأ تلك الرسالة الحانية، عن قصيدة بشار بن برد، وعليها تعليقات، فأتذكرها تماماً، وأتذكر كتاب النصوص الأبيض وعليه أبيات الشعر وأسفله جدول المعاني، وأتذكر الفصل بطاولاته البنية والحديدة، والسبورة البيضاء، وأنا متلفع بشماغي الأحمر القاني، وصوت الأستاذ مرزوقي يقطّع بأداءة القصيدة بشكل أحبه جداً، أتذكر إعجابي بشطر “ليل تهاوى كواكبه”، وشطر “وجيش جنح الليل”، والمطلع ذاك الذي يقول أننا كلنا معيوبون ناقصون كبشر فانٍ مليئ بالقصور “إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك”، وأسافر، أسافر إلى الماضي وأسمع صوت الأستاذ يقول كيف أن بشار مبدع في وصفه على الرغم أنه كفيف، ثم أجد في نفسي تفسيراً آخر يقول أنه ربما لم يكن كفيفاً إنما ذا بصر كالّ جداً، وكانت الرسالة من حبيبي، من أبي، وأحب ذلك جداً، وأسترسل في ذكرياتي وأكتب له أنني أتذكر حبي لحصص الأدب والتفسير، وأقول أنني كنت أستشعر أن حضوري لحصص التفسير والتوحيد أنني في درس علمي وليس في سور مدرسة أو حصة مدرسية وهذا فضل من ربي عظيم أرجوه أن يكتبه لي ويصلح لي نيتي فيه. وأسترسل أكثر فأذكر الفيزياء وحبي للمادة والتجارب، فالتجارب في دمي، أحب العبث بالأشياء على نحو إيجابي غير ضار، وعلى ذكر المحبوبات أمر بما يغايرها فأقول أنني كنت أشعر بالجمود والعجز مع الرياضيات وهذا يعني أنني لا أحب الدقة تلك والجفاف في الأرقام والصلافة التي تفرضها، مع أنني كبرت وصرت مهندساً لكن لا يزال في الروح شيء من ذلك لم تقبله إلى اليوم. فلا زلت لا أعد الباقي من البائع، ولا أدري على وجه التحديد كم يصل لحسابي في البنك بالهللات، وتطور الأمر لينتقل مقتي للبنوك، ولأناقة الموظفين هناك، وللمحاسبة والمالية كتخصصات، على أنني أعرف أهميتها لكني لا أريد أن أكون جزءاً منها أبداً، أنفر منها نفور الحمر المستنفرة، فرّت من قسورة. وفي أذني الآن صوت يتسائل بعذوبة عن كيفية الحصول على كلام له معان تصف دفء احساسي؟ أو حرارته أو برودته؟ وهأنذا أكتب ويكأني أصل لمعاني أو أقترب، وأتذكر كل التعابير الجميلة التي جمعتاه طوال الأسبوع المشحون بالمصالح الشخصية والتقاتل في سبيل المجد الزائف، أسبوح مشحون بمقابلة كل مستوى ممكن من الناس والأفكار، مملوء بكلمات فرنسية سريعة مثل طلقات رشاش لا تعنيني، وكلمات عربية تحوم وتدور بمكر، وكلام انجليزي جاف أستخدمه لأعبر عن ذاتي وأتخلص من كل القرود التي تتقافز من حولي، وأتذكر التعابير الجميلة من الكتاب الذي أقرأه هذه الأيام في مكتبي، فأشعر بالطراوة في روحي وأستمتع وأنا ممسك بقلم “البك” الجاف الأزرق العميق العريض والذي يكاد يزلق بي وأنا أكتب على الورق الخشن فأشعر بنشوة أكاد أغمض عيني منها، وأتذكر التعبير ذاك الذي جاء من حوار مضغوط مع صاحب لي، بيدي الآيسكريم الذائب لأنه كرميل مملّح مخلوط بتوت من محل تندرنا كثيراً من اسمه، صفعة الرخام، تخيلوا الصوت: “وتاح”، هربت أثناءه إلى هاتفي وسجلت أنه لايهمني ازدحام الطريق ما دمت معي، وتلك الأحاديث المعطرة حول كيف يتحول الناس، تختطف عقولهم، محتلون في عمق أرواحهم، يلهثون حول غاية ألا يكونوا مختلفين، في نفسي أنا شعرت بخوفهم ذاك لكنني أقاومه، قاومته أمس تحديداً، حيث انسحب على بقية الليلة، حيث وقفت وحدي في ذلك المشهد المهيب أنتظر كي أصافح وأدعو وأعزي، كنت وحدي، صحيح البقية مع بضعهم ومرتاحون، لكنني مرتاح حينها بعيداً عن ألا يفهمني أحد أو لا يتقبلني أحد، نفسي تكفيني، هناك بين الظل والضوء، لأني جربت، ووجدت أن الأفضل أن أكون في الشمس واضحاً كل الوضوح مع خالقي، ثم يأتي بقية البشر. البشر لا يريدون ذلك، يركضون متعبين في السوق، ولا يتعبون إلا في متحف؟ أو في حديقة أو في حوار، لأنهم يرون ذلك مضيعة وقت، لأنه حوار عن غوتييه وعن سجاة جلد دب متحف دولمه بهجة من أين جاء وكيف؟ أو سوق مسقوف مكسر، مر به البشر منذ آلاف السنين وأرى فيه قمّة المجد، يرون كل هذه الأحاديث حر وعرق و”قمته ” وخالية من الأكسجين، متحولون، مسوخ، فأتذكر أمل دنقل: “لا تصالح! فليس سوى أن تريد. أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد. وسواك.. المسوخ!”، والاحتلال ذاك احتلال فكري، غزو ماركات وعيادات تجميل وصوالين حلاقة وسيارات فارهة وأناقة مبالغ فيها تثير شفقتي أكثر بكثير من غيضي. وأنا أكتب الآن، أشعر أنني أقاوم شيطاناً ما، شيطاناً لا يريدني أن أرى نعمة الله عليَّ، أن يزهدني في كل خير من حولي، ذلك لأنه -أعوذ بالله منه- لا يسعى أن يأمرني بأن أترك صلاتي أو ألا أصوم أو طريق واضح المهوى هكذا، بل يلبسني لباس الحزن فيحرفني عن نور ربي سبحانه، فأنا أكتب لذلك كل أسبوع، ولو نسيت فما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. وأنا أكتب أيضاً، أستشعر ذلك الصوت في عقلي هنا في عقلي، أحس به، يقرأ الكلام فأكتبه، علي الراوي، “آلي ذا نارييتر”، وأتذكر على نحو ما رواية يوسف زيدان كيف يقول عن بطله هيبا وكيف يوسوس له شيء ما: أكتب، أكتب، وثق. هنا في هذه اللحظة التاريخية من التدوينة، أعود للعمل، وأتسائل وأنا أكتب عن عملي وحبي له، سواءً أحببته جداً أو أقل، أو ما أحببته، هو مكان أتعلم فيه وأعمل وأكون قريباً من الأخبار والحياة وتيارها الجارف، كل مافي الأمر أنني لا أريد أن يجرفني التيار بعيداً عن شيء أميل إليه أكثر، صحيح هو مصدر رزق، هو مكان أعمل فيه لنفسي وليس لأي أحد، لا يستطيع المرء بطبيعة الحال أن يعيش حياته مع الكتب والورق للأبد، يحتاج أن يعمل ويعلم ويعلّم غيره، ثم إن العمل عندي هو أنني جزء من قصة ما ستذكر يوما ما، إرث أحاول أن أركبّه فيه هو النية الصالحة ما أمكنني، حتى أحصد الخير. هنا في هذه اللحظة التاريخية من هذه التدوينة، وهي ليست تاريخية لسبب ما، بل هكذا كل لحظة هي لحظة تاريخية ألا ترون ذلك؟ أنا أراه هكذا على الأقل، أقول في هذه اللحظة التاريخية لا أود لهذه التدوينة إن تنتهي، سأكتب، سأكتب عن ذلك المفهوم الذي التقطته عيني في صفحة من الجزيرة قبل أسابيع ثم اختفى عن ناظري لا أدري إلى أين، أعياني البحث عن ذلك المعنى والمفهوم، لكني بحثت عنه في مصادر أخرى، كان عن العطاء الزائد، وهذا الموضوع مهم وضروري وحقيقي أن أكتب عنه، ربما ليس هنا، لكن في يوم تدوين لاحق، وملخص القول فيه أن العطاء الذي يجيء من فراغ، له طبيعة الزيادة عن الحد الذي ستنقلب عن المعطي، فالعطاء يأتي من عناية بالذات أولاً ثم بالآخرين، فكرة أن تكون شمعة تحترق لتنير للآخرين ليس سوى تعبير رومانسي ممحوق البركة، وفي أقصى حالاته صورة أدبية جميل فحسب، والمجنون الذي يحاول أن يكونه في الواقع، وللحديث بقية، أظن. أحب الأشياء لقلبي، أن أقتنص الأفكار، والتعابير كالعصافير، تقترب من عقلي فأوثقها بأي وسيلة وأعيد تدويرها هنا وهناك لعلها تطيب لعابر من هنا وهناك، وهذا مأمول، ليس أمنية ولا تمنيات، لا أحب الأماني والأمنيات والتمنيات، الأماني غرور، خداع، المأمول فيه طعم قرب التحقق، وأقرب منه الرجاء، وأن يتعلق الرجاء برب العالمين، فهو من أطيب ما يستطاب. الراوي في عقلي، يتماهى مع الصوت في أذني، ويدعو الله معه أن يجيء الله سبحانه بما نريد، وهو -الراوي- يريد أن ننهي هذه التدوينة بالقول بأنك يجب أن تكون مع أناس يهمك ما يقولون ويسعون لأمر تحبه وتريد أن تصل إلى مدى بعيد فيه ذلك لأنك سينتهي بك الأمر لتصبح في حال متوسطة من بين من تمضي معهم وقتك، وألا تنسى أنك مثل الناس لا تسأل عما تريد وتحتاج فأسأل عما تحتاج إليه، والأسئلة انعتاق، والأجوبة فخاخ، ويذكرك بنصيحة تقول أن تصعد السلالم دوما، وأن تحاول بين الفينة والأخرى أن تضع نفسك في مكان يشعرك بالتوتر حتى تكبر وتنمو مثل شجرة تكاد تتمزع عن لحاءها وهي تطاول عنان السماء، وأن أولوياتك تظهر تماماً في كيفية تقسيم وقتك، وأن الموارد كلها تجف إلا مورد تحكمك بذاتك تجاه الموارد الناضبة، وأضيف عليها أن تتحكم بمدخلاتك “الإنتبوت”، وأن تنتبه جداً لما تقوم به وحيداً، وهذا الأمر بالتحديد هو ما كنت عليه تماماً هذا الصباح وأنا أجهز روحي وعقلي لهذه التدوينة التي شَفَتني كثيراً وشَفَيتها، وعند الصباح يحمد القوم السُّرى، والحمد لله رب العالمين.

*مصدر الصورة في صدر الموضوع هنا

تدوينة لمكافحة الرومانسية

لنبدأ في هذه التدوينة بأمر هام جداً وذلك قبل الدخول في أي تفصيل، الأمر الهام هو التعريف، تعريف ماذا نعني بالرومانسية؟ ماهي الرومانسية؟ الرومانسية فكرة ولدت في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وتقول الفكرة بأن لكل إنسان في هذا الكون توأم روحي يكمله ويفهمه ويتقبله ويتفاعل معه بشكل حالم ومثالي ورهيب جداً، يفهمه حتى لو لم يتكلم! ويتقبل كل شذوذه وغرائبه ومصائبه، ويتفاعل معه بطريقة لم يعهدها من قبل لا مع أمه أو صديق أو أقرب قريب له، هناك شخص يكمله ويحبه، والحب عند الرومانسية يعني أن تكون على قلق حتى تكتمل بالعثور على نصفك الثاني الذي تشعر أنك منسجم ومعه طوال الوقت وفي كل مكان. كانت العلاقات قبل ذلك التاريخ – القرن الثامن عشر- تحكمها نظرة المجتمع وطلب الذرية ببساطة، لكن الحياة لا تنفك عن توليد أفكار كثيرة تغمرنا كل يوم. منذ ذلك التاريخ، كتبت الآلاف من الروايات والقصائد والأغنيات في تمجيد تلك الرؤية للعلاقات وللحياة، وأعتقد أن هذه الرؤية هي محاولة ساذجة ربما وتنطلق من تصور صحي أيضا للانفكاك من مرارة الحياة وواقعياتها، وذلك من حين لحين، كان عرّابو الرومانسية يعيشون حياة مترفة بمقاييسنا، لا يعملون، ويتمشون في الحدائق وعندهم الوقت الكافي لمتابعة طلوع الشمس في الغسق وهي تلون الغيوم بلون وردي، لا يحتاجون للعمل، ولا يعملون في وظيفة، ليس لديهم طرق مزدحمة، أو عائلات متطلبة، عاشوا ظروفاً لا أظنها تتكرر بسهولة. إن المصيبة هنا هي في صعوبة الإقلاع عن مثل هذا الإدمان نحو فكرة مثل الرومانسية، والمصيبة الثانية التي تهملها الرومانسية وتتناسها هي أننا نحن البشر خطرون جداً، ممتلؤن بالجنون والخبل المتستر تحت طبقات من التجارب والتمويه والمحاولات الجادة وغير الجادة في أن نبقى طبيعين وعاديين ومتصالحين مع هذه الحياة المعقدة التي تذهل الإنسان كل لحظة، والمأساة أن الحياة مستمرة بالتعقيد، لا تسهل مع تقدم الأيام، انظر للتقنيات وللعلاقات المتشابكة والتأثيرات الاجتماعية التي يقدمها تقدم زمننا. المصيبة الإضافية في الرومانسية هي أننا نكبر وتنمو فينا الفكرة بحيث تغشنا نحو تصورنا عن الحب، بحيث نعتقد أننا يجب أن نحب من يشبهنا، والواقع أننا نحب شيئاً يشبهنا، نحن نحب العقد والحماقات والجنون الذي يتمثل في الطرف الذي نعتقد يجب أن يُحب وأن يحبنا بهذه الصيغة الغير واقعية، وترى أننا ننفر من شخص ما لأنه عادي وطبيعي زيادة عن اللزوم، أو لأنه ممل، لا يناسب جنوني، أن تقول أنك لم تجد ذاك الشعور، الشعور بالمعاناة، أظن أننا قد تشوهت نظرتنا للفكرة الأساس من وراء الحب وهي الهدوء والسكون بحيث صرنا عوضا عن ذلك نبحث عن المعاناة، نحتاج في الرومانسية لحب يوقعنا بالمتاعب حتى نشعر بالراحة أو نتوهمه، أنت تبحث عن شخص مجنون لتحبه، ليشعر بالحياة وهو شعور مزيف لأن له سكرة تستيقظ منها وتبحث عن كشف لحساب مثل هذه العلاقة فترى أنك مدين بالكثير لكثير من الأشياء. أقول مرة ثانية أن البشر -وأحسب أنني منهم!- كلهم خطرون، ولهم نفسيات ديناميكية وغير مستقرة بشكل خارق! الشخص الآمن الوحيد هو الشخص الذي لم تتعرف عليه بعد، الشخص الذي تلقي عليه التحية وأنت تدخل من باب ما، أو لا تلقي عليه التحية حتى! هذا الشخص آمن لأنك لم تقترب منه كفاية. الرومانسية تقول شيئاً لا يمكن أن يكون! الرومانسية تقول أنك يجب أن تكون كما أنت، وهذا أمر لا يمكن أبداً أن يكون مع أي كان، لن تكون أنت أنت أنت إلا مع نفسك، لأنك مهما يكن لن تجد الشخص الذي يتقبل كل شيء من المرة الأولى وبسرعة وبدون نقاش وتعليم متبادل، الرومانسية تجمع بين الصدق والحب، وإذا انفصل المفهومان، فأنت مخل بالمحبة، إذا كنت تحب يجب أن تكون صادقاً مئة بالمئة، وهذا مستحيل! يجب أن نتثاقف نتعلم بالتجربة والخطأ، بالذات إذا اقتربنا، وإذا أقنعنا أنفسنا دوما أننا يجب ألا نلجأ للتعلم من بعضنا على أساس أن الرومانسية لا تقول بهذا الشيء وهذا يجعلنا نعيش في عالم تتضاعف فيه المعاناة، ومن يريد المعاناة؟ ثم إن الرومانسية أيضاً تقول أنك إذا أحببت شخصاً، يجب ألا تلجأ لتغييره أو تغير شيء فيه، لأن ذلك انتهاك لعلاقتك مع توأم روحك، ومستحيل جدا أن ترضى عن كل ما يمكن أن يكون في الطرف الآخر. كل هذه الأسباب تجعلني أقول أننا نحتاج لفهم هذه الفكرة الخطرة ونعرف كيف نتعامل معها بل ونطرح حلولاً جديدة ونسعى لترويج الحلول ونعيد إختراع حب يجعلنا نستمر بالعيش متصالحين هانئين مرتاحين، والبشر أذكياء من هذا الجانب لأنهم يفكرون ويحاولون مقاومة أي شيء يهدد وجودهم الهانيء. فلنفهم الرومانسية أكثر، ونكافحها بشكل أفضل، لنشرح فكرة أخرى أقدم منها، وهي فكرة الحب حسب ما يراه الإغريق القدماء، الحب عند هؤلاء القوم يعني أن تقدر كل كمال وكل إنجاز وكل فضيلة وكل شيء جميل، لا يعني ذلك بالطبع أن تكره الأشياء الناقصة، كل ما هنالك أنك تتقبلها فقط لا تحبها مثل ما تحب الأشياء الكاملة، نتقبلها ونضعها في سياقها، لكن الشعور بالحب يعني التقدير، الرومانسية تقول لا يجب أن تحب كل شيء، والإغريق يقولون لا، هناك أشياء كاملة وهناك أيضا مجال للإصلاح وللتعلم، الحب عند الإغريق هو دروس نتعلم منها نتعلم مع بعضنا، أنت تعلمني شيئاً ليس جيداً عندي وأنا أعلمك، ونرتقي، نصل إلى الكمال، الذي نظنه، التعليم المتبادل، المصيبة أين؟ التعليم المتبادل في الحب صار إلى حال مؤذية ذلك لأنه لا يشبه حالة المدرس مع التلميذ، فالاهتمام المبالغ فيه بشخص ما عندما نحبه يجعلنا نحاول تعليمه بشكل مأساوي، نذله أو نقلل من قدره بسبب غضبنا، وتضايقنا من فكرة أننا ربما ضيعنا حياتنا مع هذا الطرف، ومع هذه الحالة لن يكون هناك مجال أبداً للتعلم والتبادل الثقافي، الرومانسية تنظر للتعليم المتبادل أنه خطيئة، لذلك فإن الحل أن نحاول التعليم كأننا في مدرسة كالتلميذ والمعلم بدون حساسيات الرومانسية المفرطة. طيب، طيب دعوني أستعرض الحلول الجميلة التي تتحدث عن إعادة اختراع الحب، أول الأشياء المهمة هو أن نبتعد عن الحدس، تخيل طبيباً يجري عمليات بالحدس وحده! الحب الجديد الذي يبشرون به، هو أن نحاول التعامل مع الآخرين الطرف الآخر مثل ما نعامل الأطفال، كلنا أطفال نعم، ما رأيك بطفل يتصرف بحماقة؟ هل ستغضب وتتجادل معه أو تنهار عصبيا؟ لا ستتعامل معه بهدوء وتبحث عن أعذار له، لم لا نتعامل مع الآخرين بنفس الطريقة، كلنا أطفال، بعضهم يقول أننا بالغون صحيح، لكن تأمل معي هذه الفكرة اللذيذة أن تعتني بشخص آخر بطريقة رهيبة كما لو كنت تعامل طفلك، أن تطبطب على كتفيه وتهدئ من روعه إذا بكى، أو تململ أو غضب أو تصرف بطريقة لا تعجبك، ما ألطفها من طريقة. هذا هو الحب الكريم مهما كان أسلوب الطرف الثاني خاطئا، الحل الثاني هو أن نتعامل مع الآخر بطريقة كوميدية،  انظر للأشياء الحمقاء التي يفعلها الآخرون، من منظار كوميدي مضحك، يجب أن تأخذ الطرف الآخر بطريقة ما تشعر معها بأنه أحمق ظريف. الأمر الثاني، لا تعتقد أنك إذا أحببت يجب أن تفهم كل شيء ويجب أن يفهمك، أنت لا تفهم نفسك أصلا بالكامل!!! فارفق بمن يقابلك، وجود أشياء لا نعرفها تماماً عن بعضنا أمر طبيعي وصحي وحقيقي، لا يعني ذلك أنك إذا أحببت يعني ألا تشعر بالوحدة؟ الوحدة ستستمر معك كظلك، قدرك، وتفسيري الإضافي لهذه الفكرة أنك يجب أن تأنس بشيء أكبر من الحب البشري وأكبر من الحياة ومن الكرة الأرضية ومن كل شيء، أن تأنس بالله وتلجأ إليه في أعمق أعماق وحدتك، فهو الباقي وكل شيء إلى زوال. لا تظن أن يفهمك أحداً بالكامل، أنت لا تفهم نفسك بالكامل، لا تنس ذلك، لا يوجد أي أحد بإمكانه قراءة أفكارك من وراء جمجمتك. طيب متى ستكون جاهزاً لأن تحب بحق؟ أولا اعرف أنك مجنون والناس كلهم مجنونون بطريقة ما، لسنا ملائكة، اعرف أنك لا تفهم نفسك والطرف الاخر لا يفهم نفسه والتواصل بينكما يجب ألا يكون مبنياً على الحدس بل على المعرفة والتطبيب النفسي والقراءة والفهم المتبادل الممكن بالمعرفة الداخلية والخارجية، لنرتق بالفهم من كونه شيء غريزي متوقع إلى شيء أرفع وأعرف وأقوى إلى شيء عقلي أرسخ، إقتنع أن الحب هو تفاصيل عملية للحياة الحقيقة، ليس الوضع دوماً هو شلالات وأنهار وغيوم وردية وكلام جميل، الحياة مليئة بالأذى الذي يوجب علينا أن نتعلم كيف نتشاءم، التشاؤم أحياناً يجعلنا أكثر تقبلاً للواقع، تقليل ارتفاع سقف توقعاتنا وتفاءلنا يجعلنا نتقبل طعم الحياة بطريقة أفضل ويمنحنا الرضا إذا جربنا وتعلمناه مرة بعد مرة بعد مرة، أعلم أنها ربما كانت حقائق مُرة، لكننا نحتاج لتجرع بعض الدواء المر لنغدو أصحاء، لا أضمن أن الذي كتبته هو الدواء والعلاج النهائي لا أظنني عارفا بالداء والدواء، لكن محاولة الكتابة وفهم كل تلك الأفكار أظنها سبباً للعلاج، والبرء من عند الواحد القهار، الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، سبحانه وتعالى، والحديث يطول ويقصر وربما فيما كتب كفاية، ربما.

حوّم كفراشة إلسع كنحلة !

انتابني حلمٌ البارحة، جئتُ إلى أفريقيا مقعقعاً كالرعد!

كان عليَّ قهر طرزان لأستحوذ على لقب ملك الغابة!

ومن أجل تلك المعركة، كافحت التماسيح، وصارعت الحيتان

أنا الكُمَيت، أطلقت سراح البروق، وسجنت الرعود.

أنت تعلم أنني شرير، لقت جندلتُ صخرة، وأصبت حصاة بالأذى، وأدخلت لِبنةً إلى المستشفى!

أنا شرير جداً، لدرجة أنني أمرضت الدواء!

أنا سريع جداً يا رجل، لدرجة أنني أسابق إعصاراً ولا أتعرض للبلل.

وعندما يواجهني “جورج فريمان” سوف يسدد الدين الذي عليه.

أستطيع إغراق شربة ماء، وأقتل شجرة ميتة

إنتظر حتى تراني، أنا محمد علي!


على الهامش:

لماذا محمد علي؟ ليس فقط لكماته داخل الحلبة، اللكمات التي في الخارج هي (الجواب)

الصور أدناه هدية التدوينة :)

تدوينة صوتية: كيف تصبح إنساناً؟

استعراض كتاب

سباعية الحياة – جون وودن

3822907831_5feb73bf54_o

جون وودن (John Wooden) مدرب ولاعب كرة سلة، ولد في ١٩١٠ وعاش إلى عام ٢٠١٠م، مئة عام قضاها ملهماً ومعلماً وقيادياً بارزاً ومعلماً في فن الحياة، اشتهر جون بأن كان يرعى لاعبيه الذين يدربهم ويقدم نصائحة البسيطة والعملية ليس فقط ليساعد لاعبي فريقه في تحقيق بطولاتهم، إنما في تحقيق البطولات في حياتهم أيضا، قرأت عنه مؤخراً وما عرفت قبل ذلك عنه شيئاً، وعندما تجولت في الشبكة مستفسراً عنه، وجدته حديثه عن نماذج ونصائحة للحياة رأيتها ملفته ومؤثرة ورائعة، وتستحق القراءة والتداول والتمعن قبل كل ذلك، والتطبيق والممارسة بعد كل ذاك، استمع لأفكاره حول التمرين زيادة عن اللزوم (هنا) وعن علاقات الناس ببعضهم، صحيح أن حديثه كان من جانب الرياضة واللعبة، لعبة كرة السلة، لكن الحياة أيضا لعبة وقد ينطبق الكثير مما في ألعابنا على الحياة، وأفكاره  حول النجاح والفوز، حكمة وخبرة هذا المدرب تجعله يقول الكثير والكثير ويشدك لأن تسمع المزيد. ولربما يكون قد تحدث عن الكثير من النماذج والأفكار، وفي التدوينة سأقصر الحديث بشكل أساسي عن ما سماه (Seven Point Creed) أو عقيدة السباعية، وبعض النقاط المنتثورة ربما هنا في المقدمة عنه وعن أفكاره، في هذه العقيدة التي تلقاها جون وودن نفسه من أبيه في صباه وعاش عليها في شبابه وكهولته حتى مشيبه، يقول لك وودن أن تحاول أن تعيشها، أن تجعلها ديدنك وأسلوبك الذي تعيشه وتحياه، وبها تجد الاختصار الفذ والكلام الجامع السهل الممتنع، وقد يشعر المرء أنه يصعب عليه التوقف عند تلك النصائح أو الاستمرار على تطبيقها، لكن الأمر يستحق المحاولة، وفي الأمر سعة، والمقدر مكتوب، لكنك تفعل السبب.

يقول جون وودن، النقطة الأولى هي أن تكون صادقاً مع نفسك، صدقك مع نفسك سيجعلك صادقاً مع الآخرين، صدقك مع نفسك يتحقق بالعمل على تطوير وعيك بنفسك، بأن تعرف من أنت وماذا تريد وإلى أين تريد أن تصل، أن تعرف قيمك، القيم هي الأشياء التي من أحلها تتخذ قرارك تجاه قضية ما، هل المال قيمة؟ هل الأسرة قيمة؟ هل اللهو قيمة؟ كن أميناً في العمل على تلك الأمور وأعطها أهميه وأولوية لترتاح الراحة الحقيقة وليس الراحة المؤقتة. النقطة الثانية هي مساعدة الآخرين، ومعرفة أن هناك متعة وسروراً يمنحه هذا الأمر لا يضاهيه شيء. النقطة الثالثة هي تتعامل مع الصداقة صانعاً منها فناً رفيعاً، الصداقة بين الطرفين تحتاج لعناية وعمل واستدامة، وما دام الوصل بين أخوين إلا لفضلهما، أو فضل أحدهما، الصداقة قوامها الاحترام، الحماس المشترك والإعجاب والاستحسان والتفاني بين الطرفين، أن أفني نفسي فيك وأن تُفني نفسك فيّ، فناء يجعلنا ندوم. النقطة الرابعة هي أن تتعامل مع كل يوم على أنه تحفة فنية رائعة، يومك هو كل ما تملك اعتن به وأظهره بأجمل ما يكون، الأمس مضى، تعلم منه بطبيعة العالم، لكنك لا تستطيع تغييره، المستقبل يعتمد كثيراً على ما ستقرره اليوم حيال يومك، وتذكر أجمل ما في الحياة الراضية أن ترى التقدم التطور، البروقرس “Progress” كل يوم في الأشياء التي تعني لك الكثير. النقطة الخامسة، هي أن تشرب من معين الكتب الجيدة، أن تنهل من الأدب الرفيع والتراث الانساني المذهل الذي تحتويه الكتب، هناك كتب رهيبه ورائعة ومدهشة، لا تنس نصيبك منها. النقطة السادسة هي أن تبني باستمرار ملجأ لك من المطر، الكلمة هذه ليست حرفية، يعني وودن أن تستثمر فيمن حولك، أن تحمي نفسك من الحاجة، تحافظ عليها عاطفياً، عائليا، أن تبني ملجأ لك من المطر يعني أن تبني لك حياة، وأتذكر مقولة صينية، لكي تعمر الأرض: ازرع شجرة، أسس عائلة، واكتب كتاباً، وبالطبع يلحق بالمعنى هذا أن تصنع لنفسك ملجأ في يوم لا ملجأ فيه من الله إلا إليه، وهذه لا يجب بعاقل أن ينساها، فيفعل المأمور به ويترك المنهي عنه ما استطاع. النقطة السابعة إسال ربك العون في كل ملمة واشكره عند كل رحمه، كل يوم.

​وأسجل أخيراً مقولات يكررها وودن للاخرين وأعجبتني:

  • المرونة هي مفتاح الثبات
  • ابحث عن فرص لإظهار أنك تهتم
  • كن سريعاً، لكن لا تستعجل
  • أصغر الإيماءات غالباً تصنع الفروقات الكبيرة

ماذا يقول غازي القصيبي عن الكرم؟

6123598799_d2f0ac0be1_o

تداولنا على الغداء قبل أيام أحاديثاً مع أخي، أخي الذي انتهى من مرحلته الجامعية وهو في طور أن ينخرط في سلك الوظيفة، كانت الأحاديث حول أول راتب وحول ماذا سيفعل به، وتضاحكنا على فكرة أن يوزعه أو أن يتذكر ما فعلته أنا مثلاً، وتعالت الأصوات أنني لم أفعل شيئاً، كانت جلسة حميمية، ومليئة المرح الجميل والنقاش الجاد وغير الجاد، ومثلما تلتمع في ذهن المرء أفكار وذكريات حول موضوع النقاش، تذكرت قديماً جداً، أنني قرأت أو سمعت حديثاً حول هذه القضية تحديداً، وراتبط الحديث بنصائح نقلها سهيل القصيبي عن أبيه المرحوم غازي، وغازي في أحاديثه وكتبه مصدر إلهام حقيقي لي يتجدد طوال الوقت، من كتبه ومقالاته، رواياته وشعره، كلها تعرفت بها ومن خلالها على الكتب وحبها بشكل حقيقي حتى الآن.

المهم، أثناء الجلسة تلك على الغداء استتلت هاتفي وبدأت البحث عن الموضوع، أتذكر أن الموضوع، موضوع الكرم جاء بسياق أحاديث النصائح، لكنني بعد أن وجدت الموضوع لم أتمكن من الحصول على النصائح مكتوبة أو مسموعة، كان الرابط هناك، لكن المقطع الصوتي، لا يعمل، وكان الأمر مخيباً للأمل قليلاً، كنت قد شعرت بأهمية أن يطلع على النصائح أخي، وأنا شخصياً شعررت برغبة في الحصول عليها وتجديد الاستماع لها ومشاركتها أيضا، فانبعثت فيّ رغبة مراسلة سهيل أو أحد ما، وهذا ما تم راسلت المساعد الشخصي وفي ظرف يوم أو يومين أرسل لي المقطع وهنا فكرت في المدونة أن أسجل مناسبة الموضوع وكذلك أن أحاول تلخيص النقاط السبعة في مقابلة سهيل مع إذاعة البحرين حول تلك النصائح، وأضيف المقطع كذلك لحفظه ومشاركته لكونه قيما ومفيداً للجميع. المقطع هو دروس ذكرها سهيل في مقابلة مع إذاعة البحرين عقب وفاة القصيبي رحمه الله تعالى.

النصيحة الأولى: التواضع، على الرغم من أن الإنسان قد يصل إلى مكانه عالية أو ينجز الكثير في حياته، لكنه يصل في ذاته إلى أنه بسيط وأن ما أنجزه ورفع مكانته وأهميته، فإن أهمية أن نعرف أنفسنا وأن نكون متواضعين هو أمر يستحق حقاً أن نلتفت إليه ونربيه في أنفيسها، فالإنسان مهما علا فهو إنسان يخطيء ويصيب.

النصيحة الثانية: المعاملة الحسنة، مهما كانت علاقاتك مع الجميع، من المذهل أن تعاملهم بشكل متساوي، مهما علو أو انخفضوا، أن تكون على نفس الاحترام والتقدير مع الجميع، هو أمر مهم.

النصيحة الثالثة: الإلتزام الذاتي، ويعني أن يحرص على إنهاء ما يبدأ به، أو ينهي الشيء الذي لا يريده، يعني ألا يذر الأشياء معلقه، وألا يترك حياته خكذا دون تخطيط.

النصيحة الرابعة: حفظ الوقت، معروف عن القصيبي رحمه الله تعالى تنوع علاقاته، وكذلك إنجازه الأدبي، وكان الأمر مثار إعجاب الكثيرين، وتساؤلهم أيضا، فكان جوابه هو إلتزامه بالوقت، وهذه حقيقه، أن ينغمس الأمر وتضبيط الوقت في ذواتنا هو قيمة رهيبة ستساعدنا على إنجاز الكثير في حياتنا.

النصيحة الخامسة: الكرم، وفكرة الكرم لا ترتبط بمدى ما تملك من ثروة أو قلة مال، الحياة هي وقت مستقطع، وأن ما تملك من موارد كالوقت والمال وغيرها، هي أشياء مؤقتة، أشياء ستذهب مع ذهابك، أعني أن أهميتها لك لا قيمة لها بعد أن ترحل، لكن إذا استثمرتها في أثر مستديم أو مساعدة الآخرين، هو الغنى نفسه، وهو الكرم، فالكرم شيء نتدرب عليه، وتنظر للعطاء كالتزام تجاه المحتاج، ويذكر سهيل عن أبيه قصة أنه عندما بدأ وظيفته الأولى وكانوا في السيارة عائدين من مكان ما، قال له يا سهيل يجب أن تشتري لأمك هدية، ولأخيك كذا ولفلا ولفلان، قلت يا أبي إنهم غير محتاجين، قال له غازي، الكرم ليس أن تعطي محتاجاً فقط، الكرم هو حالة ذهنية تجعلك تشارك الآخرين بكل شيء تملكه، لأنك تعرفه أنه ليس ملكك، تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الشاة التي بقيت كلها إلا جزء منها، الكرم قيمة مهمة يجب أن نزرعها ونعتني بها.

النصيحة السادسة: التديّن، والإيمان، أن يقوي الإنسان علاقته بدينه هو أمر مهم وضروري، فالدين هو مغزى رحلتنا في الحياة، والدين فيه أمور تدعم مسيرتنا في الحياة، تقوينا وتساعدنا، أخلاق وأعمال وأيضا في أعمال الدين طاعة لرب العباد أيضا، فالتدين هو قيمة مهمة.

النصيحة السابعة: التعطش للعلم، قراءة الكتب والبحث عن المعلومة هو شيء مثير وقيمة يجب على كل انسان أن يسعى وراءها، أن تكون شخصاً بإمكانه الحديث عن مواضيع عديدة هو أمر لذيذ وغني ويساهم في تطور المرء ومن حوله، العطش الحقيقي للعلم جميل وملهم للغاية.

حاولت تلخيص النقاط بفهمي لهذا الكلام القيم في المقطع، وأرجو أن وفقت، بالطبع سيكون رابط المقابلة أدناه، لمشاركتها مع الجميع ونشر الفائدة.

بالتوفيق، هذه التدوينة الثامنة لهذه السنة، يعني أنني أكملت شهرين في هذا المشروع الشيق، بقي: 44 تدوينة، هذا أمر يثير الحماسة.

لتحميل المقابلة فضلا إضغط هنا