عشر أعوام من التدوين

ها هو العاشر من فبراير يعود للإطلال على المدونة، وهذه المرة تختلف عن المرات السابقة، تلك التي لم ألق لها بالاً أبداً، والعاشر من فبراير من العام 2008 هو تاريخ أول تدوينة أكتبها هنا، والسبب في عدم احتفائي بالتاريخ هذا طوال الوقت الذي مرده في الأساس وإلى الآن هو أنني كنت أفكر في هذه المدونة كورشة للكتابة والانخراط التام في التفاعل مع الكلمات ومحاولة التعبير وبث أفكاري التي تتغير باستمرار تجاه كل ما أظنه مفيداً وجميلاً وذا قيمة، حتى ولو لدائرة ضيقة من البشر على رأسهم أنا الكاتب المدون، أكتب لذاتي ثم للبقية، وهذا تصور تبلور عبر الزمن. يمر العاشر من فبراير هذه المرة ليصبح علامة على بلوغ هذه المدونة عشر سنوات من العمر! شيء يستحق الاحتفاء في ظني، ورأيت كيف لعشر أعوام من التدوين المستمر أن تدع أثرها على قلم غض بسيط يجرب ويحاول ولا يزال، وجعلتني التجربة لا أنفك أبداً عن تقديم النصح لأي شخص يكتب في مدونة، وأقول له: أكتب على الأقل لعشر سنوات أو تزيد، لا لشيء محدد بل لتستكشف أغوار مهارة تحويل الكلمة إلى معنى، أن ترتحل من الرمز إلى المعنى، أن تنتشي بفرصة التعبير، وأن يكون زادك القراءة والكتابة، مثل وجهين لعملة واحدة والتي هي في الأصل ترك الأثر الطيب بأي وسيلة، عملة نادرة في زمن ممتلئ وطافح بكل شيء غير الجمال. فإذا لم تنضم لأصحاب الجمال فلمن عساك تنضم؟ لا أزعم أنني حققت ما أقول حتى آخر مداه، لكنني حاولت، وهذه السنوات العشر تتويج محاولاتي، نقلتني الكتابة وقبلها القراءة إلى عوالم جديدة تماماً، وصنعت في حياتي مساراً ثانوياً يكبر باستمرار، وأجد فيه ملاذي وراحتي وصومعتي الأثيرية، أنضغط في الدنيا، وتدفعني كل الأشياء إلى الزواية وتحشرني هناك فتمنحني الكتابة والقراءة أجنحة أطير بها من ذلك الشعور الموحش فأفر  إلى هنا للتعبير عن مكنون قلبي وعقلي، كتبت عن كل ما أحب، عن الشعر، عن القصص، عن السفر، عن رحلاتي في كل مكان، عن تجاربي الخاصة مع الأشياء، عن وجدانياتي، عن رسائلي إلى العالم، عن تحدياتي، حاولت الآن وأنا أكتب أن أقدم محتوىً دائم الاخضرار حسب التعبير الذي سمعته مؤخراً، محتوىً مفيداً لا يضيره مرور الزمن. حتى التدوين الشخصي الذاتي له فائدة في رصد أفكاري وتجاربي النفسية والوجدانية عبر الزمن، ولاشك أن هذه المدونة هي مرجع مهم أقرأه حيناً بعد حين لأرى أين كنت وإلى أين صرت، حاله حال كل الدفاتر والمذكرات التي كتبتها بخط يدي.
إن عشر أعوام من التدوين منحتني الكم الواسع من الجرأة لأترجم، ترجمت مقالات وقصائد وقطعاً أدبية، منحتني الجرأة لأتحدث وأسجل تدوينات صوتية وتدوينات فيديو، منحتني الجرأة في أن أنتقد ذاك الكتاب وتلك الفكرة، منحتني الجرأة لأجرب وأحاول نفسي في النشر بمجلات وصحف عريقة، منحتني فرصة اللقاء بكل شخص جديد، فخور بفكرة أنني مدون، كل هذه المنح تستوجب شكر الله أولاً أن هداني لكل هذا، وأسأله كما هداني أن يسددني ويهديني لأحسن من رشداً ثم الشكر لهذا المكان الأثيري الكريم الذي منحني ما لم يمنحنيه أحد، وبطبيعة الحال شكراً لكل من عبر هنا وترك كلمة بددت ظلمة الوحشة، أو شجعت بكلمة، أو تفاعلت بفكرة. شكراً لفرص الحياة التي لن ولم تنتهِ بعد، فما دام في النفس رمق فلابد أن هنالك أمل بالمزيد الجديد. شكراً لكل التجارب الممتعة، مثل تجربة التدوين الأسبوعي، والتدوين يوماً بعد يوم، وتسجيل الذكريات واستعراض الكتب وحتى تدوينات الطبخ العجائبية. كمدون أجد شعوراً بالرضا والسعادة والنجاح عندما أدون بشكل رئيسي كمحاولة للتعبير الإبداعي، يمنحني ذلك شعوراً بالغاية والتحقيق الهدف من حياتي ومن عملي ومن هواياتي ومن قراءاتي وكتبي وكتاباتي وعلاقاتي وحتى صحتي البدنية والنفسية، كانت الكتابة هنا ملاذاً في أصعب حالات أيامي وحتى في أسعدها، كانت تمدني بالطاقة والحيوية، تخبرني كم أن حي بالكثير من الأشياء وكم أنا حي لكثير منها، أنا أكتب يعني أنا أتطور بالنسبة لي، لأنني أستغل عقلي في ممارسة مفيدة، مما يعني تحييده عن العمل فيما يضر، وهذا أقل فائدة متحصلة قد أفكر فيها الآن، ناهيك عن الكثير والكثير من الأشياء الأخرى، التفاعل مع الآخرين، تلاقح الأفكار، أن يكون للمرء عنوان هنا في هذا العالم، يسمع منه العالم صوته، يقول ما يقول، يقول أن لي صوتاً فاسمعوه. أحد الأشياء الظريفة في التدوين هو اشتراكي بخدمة عرض الاعلانات، حدث ذلك منذ 2012 وأظنه العام الذي بدأت فيه هذه الخاصية في ووردبريس، ومنذ ذلك الحين يظهر رصد لزوار المدونة مقابل الإعلانات الظاهرة لهم وماقبلها قيمة أرباح الإعلانات كل شهر، وملحوظة تقول أعلى الصفحة بأن الحد الأدنى لحصولك على أرباح هو وصولك لرصيد 100 دولار من أرباح الإعلانات، وغني عن الذكر أنني لست بالقرب من ذلك الرقم! لكنني سعيد بالتجربة والفكرة، بوسع المرء أن يصنع فرصة للعمل عبر الانترنت، هذا شي حقيقي جداً، والمفتاح هو الحصول على زوار من حجم كبير جداً. هنا يجدر أن أذكر أرقاماً أخرى شيقة وعديدة في هذه المدونة، التي كان اسمها في أول الأمر: مدونة أنشودة المطر، ثم مدونتي الشخصية، ثم مدونة علي الشخصية، ثم مدونة علي، ففي المدونة 1375 تعليق، ونشرت فيها 335 تدوينة، وزارها عبر السنوات 223,573 زائر كريم وكل هذه كأنها أرقام ضئيلة إذا قورنت بآخرين، لكنها في مقاييسي ومقايس تجربتي وأثرها أجدها أرقاماً كبيرة كبيرة، وهنالك العديد العديد من الإحصائيات لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
والآن! ثم ماذا؟ الآن تزدحم حياتي باستمرار مؤخراً ويلح علي توجه إلى تركيز فعلي وفكري في أمكنة محددة، لاشك أن التجارب والمحاولات لا تنتهي، لكني التحول والتغير هو الشيء الذي لا يتجول ولا يتغير مستمر دوماً، وأنا هنا أستجيب له راغباً في التطور والتحول والانطلاق أكثر، قرأت مقولة منذ زمن بعيد جداً، زمن كانت المقولة هذه بالذات دافعاً في ظهوري وكتابتي بهذه المدونة حتى ولو باسم مستعار، تقول أظهر للجميع مهاراتك وإمكانياتك فهذا يساهم في تطويرها وصقلها وتنميتها، والآن ربما حان الوقت لعرض المهارات والمكتسبات على نطاق أوسع وفي قالب أجدد، ربما. الأكيد أنه حان وقت التركيز والانتقال إلى مستوى ثانٍ من التجربة والمحاولة. الآن أترك كلماتي هنا في هذه التدوينة شاهدة على الرحلة اللطيفة، رحلة عشر سنوات من التدوين، استمتعت وتفاعلت وكتبت وعلقت وقرأت والتزمت وأهملت. كلماتي أكتبها بنكهة تقول أن الغد أفضل وأن ما مضى فيه من الخير الكثير، هذا وأستغفر الله سبحانه وأحمده وأستودعكم وأستودع الله كلماتي القديمة والجديدة إنه هو الكريم الرحمن الرحيم.
Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. شجرة كتب:

    “عملة نادرة في زمن ممتلئ وطافح بكل شيء غير الجمال” صدقت فكم تبدو الكتابة جميلة، رقيقة، عذبة ولذيذة.
    مباركٌ لك علي صديق الكتابة والقراءة.. حُقَّ لك أن تفتخر، وأن تكتب بنشوة في ظلّ هذا الإنجاز الكبير.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      بارك الله بك أيتها الشجرة المباركة، العُقبى في كل خير لكم، شكراً.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s