علي الرمادي

على غير الظن، فإن هذه التدوينة بدأت وشعوري كان من الخفة التي أعرفها بمكان. أعني أنني لم أكن في حالة من الثقل والملل والتشتت والغفلة والبطء والجمود وفقدان التركيز والارتباك التي تعبر بي وأعبر بها في أحيان كحال كل البشر، أي أني أحب أن أقول في هذه التدوينة بأن الرمادي ليس لون هذه الأشياء غير المريحة، وليس أيضا لون كل شيء يناقضها حتى، بل هو لون الدنيا، أو لون الحياة إذا أردنا الشمولية. أتذكر تماماً شعوري آخر الأسبوع الماضي، بالضبط بينما كنت أفكر في اقتراب الأشياء التي اقترب موعدها، وأراوغ كل شيء بمهارة تامة، أقوم بأشياء لمجرد أن أغلق ذاك الفم وأخرسه، وأختار فعل أشياء رغبة في التواصل وحباً في نشر الجمال ومشاركته، منعزلاً تقريباً عن ذاك العالم المُشَتت، عائداً لعادتي تلك (أسبوعبلا) ومتخذاً موعداً مسائياً لطيفاً مع كل لطيف طال الوقت منذ أن التقيت به آخر مرة، كان الالتفاف مرتين حول الأحاديث الجميلة والمشاريع المشتركة المختلفة والمؤتلفة، والضحك قليلاً، ثم الغوص في فلسفات، في ذكريات، في أحاديث نقولها فنسبر أغوار أنفسنا، فيكون الحديث ليس للشخص الماثل أمامي، ولا إلى فمه القديم بأسنانه المفلجة المتباعدة ودهشته الغامرة، بل إلى روحي وذاتي، أنا علي، كأنني أسمع أفكاري بصوتٍ عالٍ فأهدأ أو أطمئن. ويعبر الوقت في ذاك الأسبوع علىالنحوالذيذكرتهمرة، وأجلس إلى أحدهم الآخر، طال مِطال وعدي إياه، ولست عارفاً قبلها لم كان ذاك المِطال؟ ثم تكشف الأمر لي كما أظن بعد لقاءنا في الأربعاء، الخميس المصغر، اخترنا أيضا اللقاء حول فنجان قهوة، اختار هو الاسبرسو المركزة، واخترت الكورتادو، وفي كل مرة يدخل النادل فيسألنا كأنه يختبرنا، أنت تعرف الكورتادو صح؟ أقول نعم، حليب أكثر من القهوة … (وأسمع صوتاً: طغغغغغغغغغغغغغغييييييييييييييييييط) خطأ! الكورتادو: نصف قهوة نصف حليب بالضبط، ففتي ففتي، ثم يقول له ضيفي في الجلسة: معايرين من الاسبرسو فضلا يا رامي، اسمك رامي؟ صحيح، يجيب بصوت خافت (نععععههحححم)، ويجيبه معلماً إياه: نحن لا نصنعها إلا بمعيارين، كأنه يقرعه، طيب، ونجلس. في كلا الجلستين، تجري الأحاديث كالأنهار، وكأني أغرق في ذاك الجو المحموم من المداخلات، في الجلسة الأولى سيطرتي واسترخائي أكبر، ربما بحكم فارق السن إلى صالحي، على عكس الجلسة التالية تماماً، وهنا يتكشف ظني بأنني لا أشعر بالراحة التامة لتصدّر ذاك العملاق الأحاديث، في كلا الجلستين أنسى في خضم عاطفتي الجياشة تجاه مقابلي، وتجاه ضيق الوقت أن أضع حصة السكر في كوبي، وأضحك في سري من كلمتي القديمة: الأحاديث تجعل الشراب المر حلواً يا علي، والآن، هنا يداهمني شعور يقول: مالجدوى؟ ما جدوى أن تكتب؟ وأجاوب، حتى لو لم تمضِ كل الأمور على ما يُرام ويُراد في كل منحنى في حياتي، فلابد أن أقوم بشيء، حتى لو كان يومي باهتاً سخيفاً مهلهلاً كما يراه ظني القاصر، الكتابة تداوي وهي فرصة لمغازلة الحروف والكلمات، حروف متمنعة خجلة أحب العيش فيها وبها ومعها. الأسبوع الماضي كان ناعماً مرمرياً بالإجمال، صحيح أن نصفه بالكاد أبتلعه، لكن نصف الثاني جميل وشيق، وتأتي نهاية الأسبوع وتغسل ما تبقى من مرارات، وأنجح جداً في أن أخفي كل الأفكار المزعجة تحت سجادة عريضة حتى يحين يوم الأحد. أما عن هذا الأسبوع يجري ببطء، كنت أحاول اليوم حضور ندوة، لكن فاتني الوقت، وقررت ألا يفوت اليوم إلا وقد قدّمت ما قررت فعله غداً إلى أن أفعله اليوم، أعاقب نفسي؟ أكافئها؟ لست أدري، لكنني أعلم الآن أنني وأنا أكتب، أنني أشعر بشعور جيد، أشعر بأني أقوم بما يتوجب علي القيام به. نزرع الكلام عسى أن تنمو الثمار، ولو بعد حين، عندي وعند كل عابر، قريب أو بعيد. هذا الأسبوع يبدأ ويتفجر معه على نحو محدود قرار قررته ولا أعود به، وأراه انتقالاً من حال لحال، وهذا ديدن الدنيا، أتقمص روحي تلك من جديد مع أنها على شكل أخف، وأحزم أمري، وأنا ماضي في قراري، التجديد والتغيير هو الذي لن يتغير أبداً، وتأبى الأيام إلا أن أخوض كل التجارب، وأن أختار عزة نفسي ولو أودت بي إلى مستنقع متصوّر، فليس بعده إلا البحر، ويطوف ببالي الحديث حول أن تأتي الدنيا راغمة، ويجمع الله شملي وشعثي، بيده كل سبب، سبحانه. يقترب الموعد المضروب، وأخطط لقفلة ما، أحاول أن أستودع الله كل معنى يدور بذهني حتى آخر رمق، أن أعيد تشكيل أهدافي وغاياتي، أن تقول لي ذاتي ومن في مثل ذاتي: برافو، أَكمل الطريق، ركز، إبدأ بدايات جديدة، وأمضي مطمئناً مع هذه الفكرة. فاتتني الندوة، لا بأس، الأربعاء لن تفوتني أبداً، سأكون هناك وأقضي من الوقت أمتعه، لاسيما أن يكون كل شيء قد حُسم وطاب الخاطر، وانتقلت إلى ما أراه أصح وأنفع، قراري وأحمل مسؤوليته. أتضايق، وتحاصرني الأفكار الثقيلة، ماذا فعلت، ماذا ستفعل؟ وينبلج شعور مثل الفجر في روحي، حتى ولو خفت الضوء في ناحية ففي نواحٍ كثيرة تشرق الشمس وهّاجة دافئة، وفي ذاك الأمل والثقة والقدرة على النهوض والتجربة والبدء من جديد، أتذكر خلف بن هذال، يخاطبه: “وش أنت حيٍ له؟!” وأقول أن هذا السؤال لكل أحد، لماذا تحيا؟ لماذا تحب؟ لماذا تعمل؟ وتأتي الأجوبة محملة بالطمأنينة والبشرى بالقادم، أنا حي لاشياء كثيرة جدا تنمو بتوفيق الله، مع أن الصبر حار والحزم والعزم له ثمنه. أن يزدحم في بالي كل شيء، فأختار لا شيء، إلا أن أكتب بقلمي على الدفتر، كما اعتدت، ويتلاطم في صدري أفكار ومشاريع ورغبات وحاجات وتطلعات لا تنفد، تهدهدها كثيراً نظرتي إلى ما أملك مقابل ما لا أملك، فيرتد الطمع خاسئاً وهو حسير، لكن ما يلبث الطموح والتطلع لكل شيء إلا أن يطل برأسه، وهكذا. الرمادي لون الحياة، واخترت أن أختاره تلك اللحظة التي كنت أمشي فيها بعد صلاة العصر إلى المقهى منتظراً لقائي مع العملاق، ورأيته اللون ذاك الذي كنت أجادلهم بشأنه، أقول أن الحياة مليئة بالألوان، لم تختارون الصور باللون الأحادي؟ ولا زلت عند ذا الرأي، فالألوان والفن والأشياء أحلى بهذه الصفة الملونة، لكنني بعد سنوات تطحن وتعجن وتخبز، رأيت أن أرى رأياً آخر، الرمادي، صار خياري كثيراً، حياديته تصرخ باسمي، الرمادي يجابه الحياة والتلوث الذي فيها بشجاعة لا يضاهيها أي لون آخر شجاعة وإقداماً، يبقى لا يتغير ولا يحول ولا يزول لونه الرمادي المميز الثابت، الرمادي لون الظل، لون أن تتركوني وشأني، لون أن أُنسى قليلاً ولا آسى لذلك، الرمادي لون الألوان اذا خلطناها كلها بنسبة متساوية! فهو أبو الألوان ومصيرها الأزلي. الرمادي لون ثوبي المفضل في الشتاء، حينما تغدو الثياب أكثر رونقاً ويغدو الرجل فيها أوسم، لون حقيبة ظهري المعذّبة، تمزقت مرات، في اليونان، وفي الرياض، وفي جدة، وأرفوها لدى الرجل نفسه، مرة بعشرة ريالات وريالين، وبلا مقابل. وتصمد، أن أحشوها بكل حاجة أحتاجها، شاحن الآيفون، والمودم والكمبيوتر، واللابتوب، والماك بوك العتيق مؤخراً. الرمادي لون حذائي، في 2016، كان البيج لون المرحلة، وآثار لون التلطخ بالطين، وتلويث صفحة الأيام بالمحاولات المسكينة، في 2017 وما بعدها، صار الرمادي لون المرحلة. التغيير لونه رمادي، لأنه شيء جديد دوماً ما تحدد لونه بعد تماماً، مثل أن يمر العمر وأتخلص من ضرس في مؤخرة فمي ومع هذا أضحك من الألم الرمادي. الرمادي على وجه التحديد هو لون اليمام الحبيب الذي يدور ويحيني وأنا عائد إلى العش الحميم، يدور ويدور في جماعات كأنه يرقص فرحاً بعودة الرمادي إلى كراتهالبلوريةالملونة. لون نظارتي الشمسية الأولى الجديدة رمادي، بقع الشمس في عيني رمادية، سترتي الخفيفة أول الشتاء رمادية، رمادي رمادي رمادي، لون الأغنيات التي أحبها رمادي، لون الليل رمادي، لون حقيقي صادق مباشر، يختلف تماماً عن طريقتي هذه اللولبية في الكتابة، أرجوكم لا تنفروا منها، واحملوها كل محمل حسن تتوقعونه، فأنا أحبكم، والحب هو كل شيء في هذه الدنيا غير الكره، الحب يعني أن تتودد إلى مخلوقاته كلها بلا استثناء بقلب مفتوح حذر صادق، متسلحاً بتشاؤمك وابتلاعك الأشياء بسرعة ونسيان ما يؤذيك وأن تبقي على ما تحب لأنك تعيش بالحب ومن الحب وإلى الحب. على خلاف اللحن ذاك، الذي تملكني جداً واستحوذ علي ولا يزالي، لون الليلة رمادي وعادي، وأقول وأكتب هنا وهناك، كي أعبر عن إحساسي ذاك بالشوق الذي لا يبرد أبداً، وأن أسجل أن العشم لا حد له فيك، وليَخب ظن الليالي تلك التي تتعبنا وأتعبتنا. وأنا علي الرمادي، حتى لو ما تمكنت من أمر بكل طريقة، كنتُ ولا أزال وسأستمر أحاول، أرمي بسهامي بعيداً بعيداً، أصوب النجوم، حتى إذا لم تصب أهدافها اصطدت المعنى الرفيع الذي أريده وهذا غاية رجائي اليوم والآن من الكتابة هنا، منك ولك، أنت يا حبيبي الذي تقرأ كلاماتي التي يجب أن تعرف لونها من اليوم فصاعدا، لونها الحلو الصامت مثلك، رمادية، نعم، كلمات رمادية، بلون الحياة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s