فلنزرع حديقتنا

رأيته هناك، وقد وضع حقائبه أمام قدميه، وأطرق برأسه وهو يخفي عينيه خلف نظارتيه. يدفن وجهه بوجنتيه المحمرتين في شاشة هاتفه المثلوم. تصورته أنا وكأنه يخفي شيئاً في عينيه، ولا يلقي بالاً لزفرات صدره، فالأمر أبعد عن شيء عن مجال السيطرة، وهو بالكاد يتمالك أعصابه الواهنة، فلقد أوهنها السهر، وازدحمت في صدره كل أعاصير الدنيا. يمضي إلى مقعده وعيناي ترقبه. جلس منهمكاً تماماً، وفي أذنه يجري صوته صوت عبدالولي الأركاني الشجي، يرتل سورة الصديق يوسف عليه السلام، صورة تتملك روحه الحزينة من أقصاه إلى أقصاه. يحدث نفسه وأسمعه، السورة تبدأ بذكر الكتاب العربي، وأنا عربي ويزيد شجني، والعرب قوم ذو شجن، وتسترسل الآيات، عبرة وسلاماً، ويقلع الطائر العملاق الحديدي الضخم غلى وجهته، ورنين الصوت في أذنه واضح تماماً، باقيا ظاهراً ذاك الهمس إياه، فتخضوضر كل الدروب، على تلك الذكرى، ولا يدري تماماً كيف يشعر وكيف سيشعر؟ الأكيد أنه الآن هنا هنا، يعيش اللحظات بحذافيرها، كما اعتاد ليومين، وروض نفسه على أن يرجئ أي شيء يتعلق بالغد إلى الغد، فهو سيأتي على أي حال، الآن وقت أن أحزن وأن يطفح شجني، أن تطفر الدمعات على ارتفاع 33 ألف قدم، من قصة يوسف الشجية، ومن قصته، ومما حدث ويحدث، ومن الترتيبات، ومن النعيم الذي طاف به وعبَّ من كؤوسه الطاهرة كالأبد، من امتنانه اللامنتهي، وللحفاوة النادرة، ومن زوايا المكان الذي قضى فيه جل يوميه، من الدش المطري الذي تعلم عليه هناك كيف أن يفصل به كل حالة عن الحالة التي تليها، يعيش اللحظات تلك من جديد، والصوت يهمس في أذنيه مختلطاً بأعاصير صدره. ويميل الطائر الحديدي العملاق إلى الأعلى شاقاً السحاب، فيغلق كل شيء، ويشد زمام سترته، ثم يرخي البرنس على عينيه ويرجع للوراء كأن ليس هناك غد، ويغمض عينيه جداً، ويتنفس بعمق، يعانقه النعاس ويتلبسه مثل ثوبه المكدود، ويصل يوسف إلى الجب، مع إخوته، ويفعلون فعلتهم، ويرتل القارئ ما يقوله يعقوب حفيد الخليل عليهم الصلاة والسلام، صبر جميل والله المستعان على ما يصفون، وتطفر خيوط دقيقة شفافة خفية، ويدعها كأنها لم تكن، وكأن لا أحد من حوله يكون. رأيه، وهو يحاول، أعرفه، ورأيته، يحاول، كل شيء ممكن، حتى غير الممكن كان يحوم حول حماه في محاولاته، ويبقى في القلب والعقل والروح والنفس من كل شيء بقية، من الصور الملتقطة، من المكان، من الكلمات، من الوجبات السريعة اللطيفة، من باقي المال الذي فات موعده ولم يعد مع مندوب التوصيل. يمر الوقت ويصلون، تتعانق أرواح الناس كلهم، بالأرض، فالأوبة هنا هي حالة العناق المريحة للأرض، فإليها نعود. وأعود أرمقه من جديد، يهيئ من هندامه بسرعة، يتأكد من كل شيء في مكانه، يتقوى على انهاكه، ويمشي وباله مشغول جداً، يمشي طويلاً، وينتظر مطولاً هناك، مع كل الكلمات العطرة التي تمر بعينيه، نعم لَعمري إنه وقت ضيق لكنه شاسع الأرجاء في معانيه ومقاصده، مثل كلمة وصلت إلى قلبه تقول: ألا تكسره الدنيا، ومثل أن يقرر في لحظتها أنه سيقول لربه بأنه قد حاول، يا ربي حاولت كل شيء، وسيستمر يحاول، ويطول الوقت، ويقرر أن يعبر إلى مكان قريب حيث يبيعون سيارات صغار، ولا يهتم لأي شيء يكون، لا لكلمات البائعة، ولا للرقم السري غير الموجود أصلا على بطاقة البنك، ولا يهمه سوى أن يزرع كل كلمة وكل شعور في أعمق أعماقه في تلك اللحظات العابرة، مثلما زرعه في الزمن الجميل البعيد، واثقاً من أنه سينبت كأحلى ما يكون في حينه وفي قابل أيامه، ثماره: وفاء وسرور وكرم وعفة وارتفاع وعلو ونبل وفروسية منقطعة النظير، فضائل حية تحييه ولا تنفد. يمشي، وهو منفصل عما حوله، يمشي طويلاً، ويقطع الطرقات كالهائم، ويتشبث باللحظة، يخاف ويرتعب من ألا يكون هنا، يخاف أن يكون “النفرهير” ولو لحظة، لا لا دعنا هنا، قال لي، وكنت متأكداً أنه وعى الدرس جيداً، تعلمه كأنجب تلميذ، صار يعيش اللحظات تماماً، وزاوج بين هذا الأسلوبه وأسلوبه في أن يحتفظ بكل ذكرى طيبة كريمة في متحف يزار كل يوم، ويرى فيه كل شيء جميل ممكن، ويعلم أنه لا يضيع أي أمر على صاحب الأمر كله سبحانه، والتفويض والتسلم له سبحانه مع بذل السبب الممكن والمتاح، فكان هو الحل الناقص لهذه الدنيا الناقصة. يقترب، من ذاك المكان، حيث تنتظره كل مخاوفه المتراكمة، التي خلعها وتركها ونبذها بعقله وروحه ووجدانه اختياراً وتسليماً واقتناعاً، متسلحاً بما قاله الشافعي المكي، وهو يعود إلى المكان، انتبه لكل شيء كان ينتظره، مخاوفه وخرعاته، واتفاقاته على ترتيباته، كما لو صار كل شيء في مكانه، هناك قرب المخرج عند المكان المختلط بين الظلال والشموس، والوقت تماماً كما مر على ابن رزيق، كان الوقت ضُحىً، وكم تشبثت كل الأشياء ببعضها، ومرت الكلمات سريعة جداً بسرعة مثل البرق لكن بصوت كالرعد مقعقع، بحزن بشجن لا مثيل له لكنه يطمئن أن كانت الخاتمة كالمسك وعلى رجاء وعلى أمل وعلى خير وعلى طيبة خاطر وتصافي، لكنه لم يفهم نفسه بعد! الأكيد أنه فهم أنه الآن وقبل يطلق عنانه كما لم يطلقها منذ آلاف السنين، منذ أن كانت مقاطع في “غريب”، تهزه من أقصى لأقصاه، فينتحب مثل طفل مفطوم، فصار لا يسمعها إلا لماماً، جلس، وهو يتابع كل الكلمات، ويلقي الالتفاته الأخيرة بعد أن ربط حزامه، وألقى الكلمة الأخير، “إلى اللقاء”، جاءت مع انتقال ناقل الحركة إلى وضعية الحركة، ومعها بالضبط انتقلت من أقصى رئتيه شهقة عجائبية ولا يدري أبداً حتى هذه اللحظة من أين جاءت، وانهمر المطر بعد البروق والرعود، وصار الشريط يعاد وينطوي حتى حان موعد الغد، وبداية الأسبوع، ويشعر بالثقل، ويقاومه بالاندفاع المستقبلي، الانطلاق كالنهر الجاري وهو يضحك ويتجاسر على كل شيء، يحاول، أوليست كل الحياة محاولة؟ وإلى اليوم يحاول أن يشارك كل جمال ممكن مع كل أحد ويشرع في مشاريعه لأن الحياة تستحق أن تعاش على نقص الدنيا ومادتها وشكلها ونوعها وخصائصها، والأمل واسع ورحمة الله أوسع. مضى اليوم الأول ومضى الوقت وهو يلقي النظر على أعداد النوافذ الملتقطة تلك، بابتسامة حزينة لكن متصالحة. وتمر الأيام ويقرأ، ورأسه على الوسادة، وتطفر الدمعات بعدد الكلمات، صحيح دمعات صامتة مثل الكلمات، لكنها حية وحارة بحرارة وحياة معانيها، وتفاصيلها ودقتها، ولا يضيع شيء، يختزن في جزيئات الجسد. وتعبر الأيام، ويستمر الشِعر في هزّه كل مرة، فأراك وتخضر كل الدروب، واستودع الله في بغداد لي قمراً، واخضرار المروج، فيكون في كل ذاك عزاءه، وتقوده روحه للكتابة الآن على غير ترتيب، بعد أن نفدت كل محاولات التشتيت، فلا يمنعها ويكتب في ليلة وحدة وحيدة اعتادها كاليوم، ذاك بعد أن شرب قهوته وصلى ومشى وأكل عشاءه وقرأ كتابه وترجم قصته، والآن يحاول يحاول أن يبث من شجنه بعض شجنه، لعل عابراً تواسيه كلمة، ومثل الوحي يتذكر مقولة كانديد، البطل في رواية كانديد لفولتير، “ما كان بالإمكان أحسن مما كان، فلنرزع حديقتنا ولتستمر الحياة”، لتنمو الورود وتنشر بالحب كل شي من حولنا وتنمو غابات الوفاء وتشتبك بالغابات المجاورة فيعم الحب كل هذا الكوكب المسكين، ويعود الوفاء كما عاد في كل مرة، وهذا أمله الذي لا ينقطع. ويقول لنفسه، حتى لو طال الوقت وتأخر التعبير فالمشاعر والتعابير ليست تحت الطلب، يظنها تحتاج لتستقر حتى تنبعث من جديد، وليس بوسعه كما قال لي على فنجان قهوة أن يُعبّر إلا بعد أن يمر الوقت وتهدأ العاصفة، ويحاول حينها أن يحصد كل جميل ممكن ويوثقه، فلعل هذه من تكنيكاته التي لم يدركها بعد لكنه يمارسها فطرةً، والحديث يطول، وربما أعود وأسأله عنه؟ ربما، حتى ذاك الحين، ليس لنا إلا كما تقول الحكمة الصينية: كيما نعمر الأرض، فلنزرع شجرة، ونكون أسرة ونؤلف كتاباً،ونحاول، ونستمر بالمحاولة، اللهم نعم.

Advertisements

One Comment اضافة لك

  1. ســارّه كتب:

    قام بإعادة تدوين هذه على .

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s