أسبوع بلا قهوة

قهوتي الصباحية الفاخرة

أجرب منذ سنوات أسلوباً في التغيير والتجارب، أسلوب شيق وممتع، سميته: (أسبوع بلا …). ولا أدري من أين جاءتني الفكرة؟! أعني أن أتوقف عن أمر ما بقصد تغيير شيء ما، بالذات عندما تستمر تأتي النتائج متشابهة فأقرر حينها أن حان وقت التغيير، ومن علامات الحاجة للتغيير هو جنوحي للمزاجية والعصبية والغصب وكذلك عدم الارتياح، عندها أعلم أنني أحتاج لتغيير شيء ما ولو كان صغيراً.

هنا وفي هذه التدوينة تحديداً سأحصر الحديث عن تجربة أسبوع بلا قهوة! وهو أمر جربته مراراً. لقد اعتدت منذ سنتين ربما على استهلاك القهوة بشكل احترافي إن صح القول، أعني أنني أشتري الحبوب الطازجة، وأنقعها بأدوات لترشيح المشروب العجيب ذاك. فما صارت القهوة المعتادة المصنعة سريعة التحضير تناسب. فصارت عادتي عجيبة في القهوة، لا تفارقني في السفر ولا في العمل ولا في البيت، صارت رفيقة الصباح، والأفكار الطازجة، والاستغراق في الأشياء، أتلذذ حقاً بشربها وأستمتع بأثرها وفعاليتها معي. لكن مع الوقت، وهذا ديدن الحياة، تفقد الأشياء لذتها، لكل جديد لذة في أوله وهذا أمر صحيح جربته، فمن هنا كنت أقرر بين فينة وفينة قطع القهوة لأسبوع فتعود أحاسيس البكارة تجاه القهوة وأعود للاستمتاع بتقبيل أكواب القهوة صباح مساء، عادتي أن أشرب كوبيْ قهوة صباحاً كل يوم، والثالث يعني أنني أعاني من الوحدة الشديدة، وهذا ما يكون في غالباً نهايات الأسبوع.

تؤنسني القهوة والكتب والكتابة والقراءة والترجمة، والذكريات، الذكريات الدافئة التي تنضم حلاوتها ودفئها لحلاوة ودفء القهوة. ولأعضد حجتي في ترك القهوة لوقت ما، جئت هنا في التدوينة لأتحرر من سطوة القهوة قليلاً، وأسجل فوائد هجر القهوة، نتهاجر حتى نشتاق، نتدلل على بعضنا، ليعرف كل منا قيمة الثاني عند فقده، أضحك كثيراً على زملائي، أن مكينتي لا تعمل إلا على الزيت الخام بالانجليزي: كرود أويل، وأشير إلى كوبي المترع بالسائل البني، الآن أتوقف هذا الأسبوع ومنذ نهاية الأسبوع الماضي عنها وأريد أن أشارككم فوائد التجربة كما قرأت وبحثت وأنا أعد للتدوينة.

أول الأسباب التي تدعوني لترك القهوة ولو قليلاً هو لكسر قاعدة الادمان، نعم القهوة مركب كيميائي يساعدك على اليقطة والتركيز، ومع استهلاكه المتكرر ستتعودها، وتدمنها، صحيح ألا ضير ظاهر في استهلاكها باعتدال، لكن أن تكون أسير عادة ما هو أمر لا يستوي مع العقل، لذا يجب أن تهجرها، تكسر قاعدة الإدمان، ويشبه هذا السلوك عندي عندما أتوقف عن القهوة في رمضان لشهر كامل.

سبب آخر يدعوك للتوقف عن القهوة ولو لأسبوع، حفظ المال، نعم، القهوة تكلف، يصل ربع الكيلو منها إلى 95 ريال! صحيح أن هناك أنواع اقتصادية ومناسبة لكن ولو، شربك لقوارير المياه التي لا تنتهي لن تكلفك إلا أقل القليل، فهو أسلوب لتخفيف الضغط على ميزانيتك، لن تضطر لشراء كوب من المقهى ب15 ريال أو كيس قهوة وفلاتر وأكواب ب60-70 ريال، خفف القهوة، خفف على جيبك. على أنني لست جداً مقتنعاً بالسبب، من حيث أن المرء يحتاج لتلبية طلب ذاته بالمعقول، والقهوة طلب معقول، لكنه شيء مشجع أن توفر بعض المال بهجران القهوة.

القهوة تجعل دمك مضغوطاً، وقلبك يدق بقوة وسرعة، وهذا ليس متطلباً لتعيش حياة يومية هادئة، توقف عن القهوة ولو قليلاً، أرح قلبك، دعه يلتفت للحب أكثر بدل القهوة، وينبض من الحب، ولدمك أن يجري بهدوء مثل نهر في قرية ريفية.

اقطع القهوة، سينقطع الكافيين، ستنام بشكل رائع! معادلة سهلة جداً.

مزاجك لن يغدو متأثراً بمركب كيميائي مثل القهوة، ستتحرر من المسألة وتصبح أكثر تحكماً بردود أفعالك، لن تنتظر أن يتحسن مزاجك مع كوب القهوة، أنت ذو مزاج رائق طوال الوقت، القهوة تلعب بمزاجك، دعها قليلاً، هذّب علاقتك بها.

القهوة تداعب الغدة الكظرية، تلك التي تفرز هرمون الهروب أو القتال، الأدرينالين، مع القهوة ستشعر بأنك على أهبة الاستعداد دوماً، لكن هذا لا يأتي بدون ثمن، ستكون منهكاً ومشدوداً طوال الوقت، الناس تبحث عن السكينة والراحة، اترك القهوة وستحصل على قدر وافر من هاتين الأخيرتين.

صداعك بدون القهوة سيكون أقل، صداع القهوة شيء غير محبذ، أعرفه وبالذات عند أول هجرانك لها. بمجرد أن تستبدل القهوة بالماء، ستعرف تماماً ما أقصد، عقلك سيكون رطباً أكثر، 70% من حجمه ماء، فلك أن تتخيل لو رويته بماء رقراق بدال السائل البني الأسود.

التخفف، تخيل وقتك الذي يضيع في العروج إلى مقهى، أو صنع قهوتك أو تجهيز كوبك، بدون القهوة أن توفر الوقت والجهد، أريح لعقلك ونفسك وروحك، تستحق هذه الراحة ولو مؤقتاً.

ستقل رحلاتك إلى دورات المياه، ذلك لأن الكافيين مدر، وكذلك يحرك الأمعاء، مع أن هذا الأمر صحي، لكن البديل الأكثر أمناً هو الماء الصافي الزلال. جرب التبديل وأظنك ستشعر بفروقات كثيرة.

القهوة تضر بالأسنان، وتؤدي إلى تصبغات، ريح أسنانك قليلاً.

القهوة، ومشروباتها المتنوعة لابد وأن تحمل سكراً ودهون بالذات مع الحليب، ألا ترى توقفك عنها يقلل فرص زيادة وزنك، بلى.

بتركك للقهوة، سيعود تأثير الكافيين الإيجابي، وهذا أجمل ما في مسألة التوقف مؤقتاً عنها، تعود إليها على شوق وتجد أثرها حقيقاً. كثرة الإمساس تذهب الإحساس كما يقولون.

رعشة الأيدي، الخفقان، يعززها تدفق الكافيين في جسدك، التخفيف سيجعلك أكثر ثباتاً في مواجهة العواصف.

أخيراً، لا أنادي بالقطيعة التامة، أسلوب التوقف لأسبوع لذيذ ويساعد على استكشاف أنفسنا أكثر وترويض نفوسنا على التحمل وعلى اختبار قدراتنا على التمهل واختيار خيارات أكثر هدوء وحكمة. جرب أن تنقطع أسبوعاً عن شيء ما أي شيء ولاحظ الفروقات.

Advertisements

4 Comments اضافة لك

  1. Yazeed كتب:

    هنامك مقولة مصرية شهيرة تقول ” أشرب بس في المناسبات ”
    هذا ما أفعله أنا ، ففي فترة الكتابة لكتابي كنت مدمناً للقهوة بشكل رهيب ، كل مساء أستهلك عدة أكواب من القهوه السوداء المرة !
    لم أتوقف عن شرب القهوه إلا بعد أنتهائي من الكتاب ..

    وأعيد الكلام ، هي في المناسبات فقط ! :)

    تحياتي لك أيها الجميل.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلابك يزيد! يسرني دوما تفاعلك الكريم. القهوة رفيقة الصبح عندي، وتوقيت شرب القهوة بأسلوب أي كان هي طقوسية لذيذة، كل الشكر على تواصلك الطيب.

      إعجاب

  2. * لولوه كتب:

    جربتها على اشياء اخرى و بمدة اطول . فكنت مره “شهر بلا وسائل تواصل اجتماعي” و تفاجأت بوقت الفراغ الطويل الذي لدي . طويل جداً !
    و جربتها كـ “شهر بلا مشروبات غازية ” و ” شهر بلا سكر” و “شهر بلا نشويات ” و اجزم انها كانت تجارب تستحق التكرار ♡
    ممتنة لهذه التدوينة التي ذكرتني بما نسيت .

    إعجاب

  3. علي كتب:

    أهلا لولوه، جدا تستحق التكرار، أكثر ما يدفعني لمثل هذه الممارسات هو التغيير وكسر الروتين، فليس بالإمكان الحصول على نتائج مختلفة وممارساتنا هي هي، شكراً لتعليقك وتواصلك الكريم.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s