عن العبور بسلام

يُبطئ الشتاء وعلى أهبة القتال أرى صورة نفسي في نفسي، صورة مستمرة أراني واقفاً على أطراف أقدامي مستوفزاً وفي يدي سيفي العتيق، ولا يشي على صورة وجهي وجسمي إلا قلق متردد، مثل بندول لا ينفك يتأرجح عبر الوقت يوماً بعد يوم بعد يوم بعد يوم بعد يوم، ويجعلني الاختلاط غير المنفك أن أشعر وأنا أمسك بكف الآخر مصافحاً ومتعلقاً بذراعه كأني من خشية أن أهوي، كأني أقول خذ بيدي، أقولها لنفسي، وآخذ بها بقوة، وأرتمي على سريري معانقاً صديقي الأثيري، خيالي الدافئ، يهدهدني مثل صوت عراقي رخيم.

وأفتش على كل حال عن جدوى وعن قيمة وعن أثر، ملاذي الذي ينقطع في كتاب مع خيالاتي المتفجرة من فوقي وأنا أقرأ، يهون مع ذلك كل ذاك الحزن الذي تخفى بواعثه، قد يكون باعثه: أضلعي تلك التي انعصرت وأمامي عيونه الضيقة تغرق في شجنه وعاطفته العظيمة، أو أن يكون لوماً أتنفسه حيناً على مضض، حتى أخفف من لأوائه وحرقته اللاسعة، خطيئتي البشرية التي لن أنفك عنها بعد أن أرقص بالكلمات في ساحة عرضة، وأنثني على كل مقاومة تذكر فأشطرها نصفين، وأتوغل حتى أصل إلى النهر وأشرب، ونشرب كلنا، أن نلعب الشطرنج عن بعد مثل صيّاد يطارد ظبية نافرة، ونعود وقد فزنا جميعاً.

أمسك بالورقة الصغيرة المربعة، قصاصة تختبئ في جيبي العلوي قرب الضلوع، إلى اليسار تماماً جهة القلب، وأقف وجها لوجه أمام الدنيا، وأسجل خطاياها معي، الاحظ أخطاءها بحساب دقيق، أسجل الخطأ الأول والثاني والثالث، على شكل حرف إكس ثم أشطب على الدنيا وأوليها ظهري تماماً. وأرحل بعيداً، أقف على حافة الطريق، حافة وادٍ سحيق، وأرقب الضفتين، التي أنا عليها وتلك التي سأقفز إليها لا محالة، بين ما كنته وما سأكونه، مرحلتان، أجر من الأولى كل مر وحلو عبرت به، مثل قطار هادر، يقاوم ويحاول، يصنع السكة وهو يمشي إذا استعصت عليه. أريد أن أقفز إلى الضفة الأخرى، وألملم كل شيء معي، لا اريد أن تبقى شعرة! لأني كل تلك الأشياء وهي كلي، لا يتخلى بعضي عن بعضي. أتشجع، أخاف، أكسل وأترك النهر يجري كالأبد، أن أقفز؟ أن أسقط؟ لا لن أسقط، سأقفز. أتطلع إلى الوصول، الوصول، وأطير أعانق السماء، ثم الأرض، وعناق الهواء ليس كعناق أم، أمي أرضي، أعود إليها مهما طال الوقت.

هذا المخاض بالتأكيد ينبئ عندي عن ولادة، عن بشارة، عن تلاشي ثقل الخطايا وتبشر بها التوبة تلك التي تتكرر، والتي يتجدد بها طعم الحياة، العيش الحقيقي. الفهم والحاجة إليه لن تتوقف، ويجب أن تبقى أحمقاً وجائعاً، تتعلم، تجالس من هو أذكى منك، فيما تظن، تنمو يا علي تنمو، تبحث عن انفراجة، انفراجة ساقي الوظيفة مثل خضراء الدمن مثلا وتباشرها حتى تعمل وتحب، أن تعمل وتحب هو علاجك أحياناً، تهز الشجر وتبذر البذرة، وتمضي، تقول كل صباح، يوم جديد يعني دولاراً جديداً مثل ما يقول الأمريكان. قال لي حكيمي يوماً انه ما ظن أن يصل لأربعينه، ينفجر مع كلمات مثل هذه بالون قلقي الوهمي الأخرق، وأقول الأخرق الضروري، لأنه يؤلمني فأبحث عن مخرج وعن علاج وحل، وأنمو، مثل شجرة تقاتل بسيفين وتتحدث بهدوء عندما تطلب، تحرص أن تقول على نحو أندر من النادر في هذا الزمن المتوحش عند طلب كل ما تريد: لو سمحت وشكراً، ثم تعبر بسلام.

Advertisements

4 Comments اضافة لك

  1. Reemz كتب:

    جميلة جدًا هذه التدوينة يا علي

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أشكر لطفك

      إعجاب

  2. شجرة كتب:

    “وأنمو، مثل شجرة تقاتل بسيفين وتتحدث بهدوء عندما تطلب”
    لطالما شعرت بأن الإنسان شجرة، لست وحدي وحسب.. كلنا أشجار. تدوينة خفيفة وممتعة

    إعجاب

    1. علي كتب:

      تعليقك الوفي والكريم لا تكتبة إلا شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء بعون الله وتوفيقه وتسديده، شكراً شجرة.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s