الأوبة الثانية

on

هذا ما أحتاجه، أيقنت لأيام أنني أحتاج للعودة، أن أتصومع هنا، مترجماً كاتباً ما يدور بخلدي، في داخلي وبالتأكيد له ارتباط فيما يدور من حولي. أكتوبر الخريفي لهذا العام مر بأسرع من صفقة اليد، مثل تلك التي أقوم بها مباشرة بعدما أرش العطر بسخاء على راحة الكف. وبأحداث ذات صوت مدوِّ سمعته في داخلي أيضا، صوت مسموع لكنه يعبر بسرعة لا أستطيع معه إمساكه، من طبق إلى طبق أنتقل، تُمسك بي الألحان والكلمات والذكريات والرغبة في التطلع إلى مستقبل لا أدري كيف سيتشكل تماماً. لكني أحاول دوماً الحفاظ على حالة الفيض النفسي المسترسل، الفلو كما يقولون بالانجليزية، وأتذكر في خضم المعمعة، معمة أن أكون، أن أسدد وأقارب، وأتحمل ما يكدرني، أدعه يعبر، أدعه يمر، وحتى شجني وحزني الذي نتخذ وإياه دوما تلك الوظضعية المميزة، وضعية أن يجلس بجانبي، يده وذراعه على كتفي، ويدي وذراعي على كتفه، الند للند، المحب للمحب، أحبه، شجني هذا، لأنه قريب، أقرب من كل أحد لنفسي، نجلس، ويحدثني، عما صار وما ربما سيصير؟ نعم، ما ربما سنصير، أنا وإياه واحد، لكنني حتى معه أفارقه بسرعة مثل يهبط علي بسرعة، حتى مع كل شيء يأتي ويستمر بالاهتزاز، حتى مع ما يسرني ويضحكني، يعبر، كل شيء يعبر، هذه هي حقيقة الحياة على هذا الكوكب، فأتذكر في هذه المعمعة، كما قلت، أتذكر، الكثير، أول شيء: مسودات التدوينات، وأنهض بسرعة كمن يعود إلى كهفه البعيد، صومعته، وأتربع هناك في وسطه، بالقرب من بئر القلب، وأنوي كتابة تصدير ومقدمة لتدوينة مناسبة حقاً لهذا الوقت، وأبدأ بالكتابة، وأنسج مثل بدوية ثقيلة كالكمثرى تحيك قطعة من السدو أمامها، فتتشكل المقدمة أعلاه، وأطرد كل ارتباط بمعمعاتي الأخيرة، ولو ليوم، وأشهد شعوري بالقتال يتلاشى قليلاً، لصالح أن أعود لعمق أعماقي، وأتخذ وضعيته الأولية، أو أحاول، أتشبه بنفسي قديماً، أن يغوص علي في نهايات الأسبوع بين هذه الصفحات، لا ونيس ولا حسيس. وهو أمر له لذته. الحاصل أن هذه التدوينة مناسبة لأنها ترجمة لخمس خطوات عن كيفية أن تنجز أكثر بجهد أقل، يعني أن تعمل بذكاء وليس بكد، وهو ما فتئت أقوله لأبي ندى، المصري الكهل بالقرب من مكتبي، والذي يعرف أن يقول صباح الفل حتى في المساء، ولا يعرف ماذا أقول، حتى هذه اللحظة. لعل في الخمس خطوات تلك تذكرة، الذكرى تنفع، ولعل فيها انتشال لروحي المنغمرة في معارك مستمرة مع الدوّامات إلى واحة هنيئة من الدعة النفسية والطمأنينة الشاعرية من الإنجاز الممتع والتي أحتاج إلى اتخاذها درعاً واقياً من أي شعور نفسي بالتخاذل والانهزامية، أبعدها الله ربي الذي لا أشرك به شيئاً عني وعني كل من أحببت. وربما تكون في نهاية التدوينة هدية إضافية هامشية، ترجمةٌ لقصيدة وضعت قصاصتها في جيبي لأسبوع كامل مضى، ولا تزال، وحان الوقت لأرقمها هنا على هذا البياض الرقمي.

تقول صاحبة الموضوع المنشور في بزنس انسايدر، فينيسا فان إدواردز، بتاريخ الخامس من يوليو 2017 عند الساعة الواحدة وسبع عشرة دقيقة ظهراً. وفينيسيا مختصة بعلوم الناس. ساينس أوف بيبل كما هو مكتوب، تفقول وتبدأ موضوعها بسؤال:

كيف يكون بوسع بعض الناس تحقيق مستويات عالية من النجاح عند مطاردتهم للشغف الذي في قلوبهم بينما لا يصل آخرون إلى خط النهاية أبداً وهم في طراد مستمر مع أحلامهم؟

السر، كما قرأتَ فينيسا في كتاب لجاري كيلير، هو أن الناس الرهيبين الواردين في أول السؤال أعلاه لديهم شيء وحيد مختلف، وهو أن لديهم رؤية لحيواتهم تؤثر في كل قرار يتخذونه بغض النظر عن أي طارئ قد يحدث، تستمر هذ الرؤية الواحدة في دفعهم بقوة ليبقوا في المسار الصحيح، وها هنا خمسة دروس قرأتها فينيسا في كتاب جاري وأحبتها وقالتها لنا، وهاهو علي، عليوه ينقلها لكم.

أخبرني، أي الأشياء تعتبره شيئك الأوحد؟ شغفك الوحيد؟

الأكيد أنك لن تجد تقدماً ملموساً في حياتك قبل أن تحدد إلى ماذا أنت ترمي. مع أن ذلك قد يكون صعباً، يعني أن تتحدى نفسك في أن تلتقط الشغف الأهم في حياتك، لكن هذا هو الطريق الأوجد لتحقيق مستويات عالية من النجاح. مع وجود حالات نادرة من الناس مثل إليون موسك، المجنون صاحب سيارة تيسلا والذي يريد التمهيد لسفر الناس إلى الفضاء وهو يشذ عن المسألة أعلاه، فليس بوسع البشر أن يتقنوا أشياء متعددة في الوقت ذاته.

إجابتك على السؤال أعلاه ليس بالضرورة أن تكون متعلقة بمسارك الوظيفي، لا علاقة له بوظيفتك أو تخصصك في الجامعة. لو كانت العائلة هي محور الكون في دنياك، قد يكون شيئك الوحيد أن تكون أحسن والد ممكن. أو، لو كان شغفك في مساعدة الناس بطريقة ما، سيكون شيئك الوحيد مساعدة المنظمات ذات العلاقة بالسبب الذي يدفعك لهذا الشغف. الشيء الأهم هو ذاك الشيء الوحيد الذي يلهمك لتستيقظ كل يوم صباحاً لتمنح ذاك الشغف ما يلبيه ويحققه.

لو كنت لا تعرف حتى الآن أين أو ماهو شيئك الأوحد، النصيحة هي في أن تتخذ مسارك باتجاه المكان الذي تريده. تعلم كل ما بوسعك أن تتعلم عما يحيط بما يشد اهتمامك وبمجرد أن تعرفه، أي أن تعرف ذلك الشعور الذي يقول بأنك تجد روحك حية فيما تفعل، فإن هذا هو ما يمكن أن يعتبرك شغفك أو شيئك الأوحد.

طارد أهدافاً كبرى محددة

بمجرد تحديد شغفك، يجدر بك أن تحدد أهدافاً تساعدك في تحقيق غاية شغفك الكبرى. يقولون في الموضوع أن أفضل الأهداف هي تلك الكبرى والمحددة، ويمكن تعريفها على النحو التالي:

كبيرة إلى الدرجة التي ليس محتماً عليك الآن أن تكون ممسكاً بزمام المهارة فيها، هذا سيدفعك بقوة خارج منطقة الراحة الخاصة بك. وأيضا محددة بحيث تستطيع تحقيقها بخطوات واضحة من الأفعال.

بمجرد تحديد أهدافك، أكتبها. الأبحاث تقول أن الناس الذي يكتبون أهدافهم هم الأكثر حظاً في تحقيقها. ومشاركة أهدافك كما تقول هي سبب آخر يقوي فرص تحقيقها، لأن ذلك يقوي دوافعك، ربما يكون ذاك أيضا سبباً في مثيراً لأعصاب البعض وتوترهم بالذات مع الأهداف التي يرون صعوبة تحقيقها، لكن تحملهم شعور المحاسبية أو المسؤولية في تحقيقها، الكلمة المفتاحية هنا الأكاونتبليتي مثل ما يقول الانجليز.

عش بمبدأ باريتو

مبدأ باريتو بسيط: أنشطة كثيرة تنتج مقدار نتائج مختلفة باستخدام نفس كميات الوقت والموارد. هذا المبدأ الذي تحدث عنه لأول مرة الاقتصادي الايطالي فيلفريدو باريتو وكانت الأساس لقاعدة شهيرة جداً وهي قاعدة 80/20. تقول القاعدة أن عشرون بالمئة مما تفعل أو الأفعال الأكثر أهمية تنتج حوالي ثمانين بالمئة من القيمة في حياتنا.

إن أحد المثبطات الكبرى في وجه النجاح هي الاعتقاد بأنك تستطيع أن تعطي كل الأشياء كلك. مع أن هذا يبدو شيئاً ملهما، أن نعطي لكل شيء في الحياة 100% من الجهد. بالمقابل، سنجد أننا نكمل كل شيء بمقدار لا بأس به من التحقيق، بدون أن نتفوق في أي منها، ولا أي شيء.

لتحقيق أهدافناً، يجب أن نحدد العشرين بالمئة من الأنشطة التي تنتج القيمة الأكبر في حياتك ونستثمر كل طاقتنا بها. بفعلك هذا يجب أن تحدد القيود والأفعال التي تحتاج إلى التوقف عن فعلها، هذا يشمل أن تقول لا! للأشخاص الذين ليس بالضرورة أن تقول لهم نعم.

لا تكن ضحية لخرافات الإنتاجية

أن تكون منشغلا وأن تكون منتجاً هما أمران متباينان تماماً. أن تكون مشغولاً يعني أنك تقوم بأشياء؛ أن تكون منتجاً يعني أنك تقوم بأشياء لها أثر إيجابي على حياتك. ولرغبة الناس في تحقيق هذين الأمرين، يقع الكثيرون في فخين من فخاخ الانتاجية الموهومة: العيش وفق قوائم الإنجاز، التودو لستس، واعتقاد أن العمل على أكثر من نشاط هو أمر فعال لتحقيق تلك الأنشطة.

المشكل هنا بشأن هذين التكتيكين هو أن الناس وهم يديرون إنشغالهم لا يولون أهمية لأولويات إنتاجهم. الغالبية من متبعي أسلوب قوائم الأعمال لا ينجحون في توليد قيمة ذات معنى وتشير الأبحاث إلى أن الناس الذين يقومون بأنشطة متوازية عدة هم أقل أداءً من أولئك الذين ينجزون هدفاً لوحده في اللحظة الواحدة.

يقترح الكتاب كما تكتب فينيسا، أن نستبدل هذه الممارسات بتحديد أي المشاريع هي الأكثر معنوية بالنسبة لنا، وكذا الأمر بالنسبة للعلاقات، وأن نرتبها بحسب الأولوية من أجل تحديد أيها نحتاج لنستثمر أكثر كل يوم. فأنت عندما تسلك هذا الدرب، ستكون مركزاً في العيش في اللحظة الحاضرة؛ وإن أهم أجزاء حياتنا على هذ الكوكب هو منح تركيزنا على اللحظة الحاضرة للأشياء الأكثر أهمية من أجل أن ننمو ونزدهر وننجح، ثرايف بالضبط مثل ما كتبت فينيسا، وشحلو هالكلمة!

اختر قطعة دومينو لكل يوم من أيامك

بمجرد أن تحدد الشيء الأوحد الذي تريده في حياتك والأشياء المهمة كعناصر فيها، فقد حان الوقت لتطبيق الدروس تلك في كل يوم من أيامك. بالضبط مثلما يقود شيئك الأوحد كل تراجيديا حياتك، مثل مسلسل تلفزيوني، كل يوم سيكون عليك أن تختار شيئاً واحداً لتحقيقه من أجل أن تنتقل كشخص من نقطتك الحالية باتجاه أقرب إلى الشيء الذي تريد الحصول عليه من وراء تحقيق أهدافك.

اختر بدقة، ذاك الشيء الوحيد الذي يبدأ تأثير الدومينو في حياتك، ويقودك إلى تحقيق أكثر وأكثر، تحقيق أشياء ما كنت تظن أن حركة واحدة قد تقود إليه. مثلاً: كان شيئك الأوحد الذي تريد تحقيقه اليوم هو حضور مناسبة تواصل. حتى لو نجحت في تحقيق ارتباطين اثنين مستمرين من وراء هذه المناسبة، فإن هؤلاء سيدلون غيرك إليك، والأثر سيكون ظاهراً، وهكذا دواليك، مثل أثر الدومينو، سلسلة من الأفعال التي لا تتوقف باتجاه هدفك الضخم. وقد يكون شيئك الرهيب الأوحد هو أن تقرأ كتاباً أو تحضر محاضرة. المعرفة تلك التي تحصلت عليها قد تلهمك لتقترب من أهدافك أكثر بطريقة جديدة وتسرع نجاحك، الهدف هو أن تختار قطع دومينو لها أثر طويل المدى على حياتك الإيجابية دوماً.

ا.هـ


الهامش:

الأوبة الثانية

قصيدة: وليم بتلر ييتس

ترجمة: علي المُحاول

نحومُ ونحومُ في خضم الزوبعة المُتّسعة

وليس بوسع البازي أن يسمع الصيّاد

الأشياء تتداعى؛ المحور يتضعضع

مجرد فوضى على العالم حلّت

وفي كل مكان موجة الدم القاني حلّت

الاحتفال بالبراءة قد غاب

النخبة تعوزها القناعة، فيما الحثالة

تفيض بالشغف الشديد

مؤكد أن بعض البوح في متناول القول

مؤكد أن الأوبة الثانية قاب قوسين.

الأوبة الثانية! هذه الكلمات بالكاد تجد سبيلها

عندما تجد صورة ضخمة لروح الكون سبيلها

وتنغّص ناظري: رمال صحراء مُضيَّعة؛

شكلٌ لغول له جسد أسد ورأس انسان،

له نظرة فارغة عديمة الرحمة كالشمس

تتحرك أرجله البطيئة، بينما كل شيء تحيط به

ظلال ريح طيور الصحراء الساخطة.

تهبط الظُلمة من جديد لكنني الآن أعلم

أن عشرين قرناً من النوم البليد

كدّره كابوس في مهد طفل يهتز،

بمشية مترهلة كان اتجاهه إلى بيت لحم ليولد؟

أي غول قاس، أخيراً اكتملت دورة ساعته

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s