رحلتي إلى اليونان – الجزء الرابع والأخير

on

كالي ميرا، صباح الخير كما يقول الإغريق الجدد هذه الأيام، أما القدماء فلست أعلم كيف كانوا يلقون التحايا على بعضهم صباحاً ومساءً لكنني أعرف أنهم كانوا يلوذون بأثينا العظيمة، التي يريدون أن يعيدوها عظيمة من جديد، متجاسرين على تلك القيود الاقتصادية والعالمية والعنفوان المسترسل لهذه الحياة المباركة.

من هنا أعود، لسرد ما تبقى من الرحلة السعيدة إلى اليونان وأصل في هذا الجزء عودتي مرة ثانية إلى أثينا العاصمة لبضعة أيام قبل السفر عائداً إلى الرياض، في العودة الثانية، حاولت استدراك ما لم أستدركه في زيارتي الأولى، وكنت على مهل أبحث عن كل متحف ممكن، وأملأ نفسي شبعا من الأطعمة والمناظر والمشي الطويل في شوارعها الحية الرحبة المليئة بالبشر من كل لون.

عدت إلى نفس الفندق، لكن مع فرصة تجول ممتازة، استقبلني في المطار عند العودة، السيد ثيودور، رفيقنا الأول، حيث رتبت معه عبر رسائل متبادلة نصية أن يكون في المطار قبيل الغروب، وهذا ما تم، وبالطبع فهو الأعرف والأكثر خبرة في نقل المسافرين والسياح واقتراح البرامج عليهم بما يحقق منفعة لكلا الطرفين، اقترح علي تماماً أن يأخذني من المطار وننطلق إلى سوق مكارثي الأوروبي الشهير، استغلال للوقت والجهد والتكلفةظن ونعم الرأي، فزرته قبل العودة إلى المطار، السوق يقع في أطراف أثينا، والتي لم تعد أطرافاً، فهي جزء أصيل منها، في حي سباتا، وليس سبارطا أو إسبرطه، والأخيرة مدينة أخرى شهيرة وبعيدة عن أثينا، أهلها شهيرون في القدم بترك الدنيا من أجل أن ينتصرون لكرامتهم حتى ولو في حروب متكافئة، بدو أوروبيون لنقل. المهم الحي ذاك مكتظ، ويشبه أحياء الملز بالرياض، شوارع وأضواء وسيارات وبشر، وصلنا المكان والشمس تودع بالرحيل.

في الطريق ضحك ثيودور على كنيسة أرثوذكسية في الدرب، قال أنها صممت منذ الأزل لمباركة كل شيء يقتنيه الفرد، قال لي أنه جاء بسيارته وعبر بها في مسار ليباركها القسيس! كأنك تعبر بمطعم مكدونالدز أو مغسلة سيارات، مان نثيراً للاستغراب له وبالتالي مثيراً لاستغرابي أكثر، ضحكت وقلت له أن منح البركة يكفي بالقول والدعاء في الإسلام، ولم أتوغل في النقاش كثيراً حول الموضوع الظريف، فها قد وصلنا إلى السوق، للوهلة الأولى رأيت كأنني أقترب من سوق بانوراما بالرياض، لكن التصميم أرتب، هنالك جزء عريض كبير فيه ساحات لعب للأطفال كبيرة كبيرة، ما اقتربت منها لأننا منهكون وكنا نطلب جولة صغيرة في محلات السوق قبل أن تحل العاشرة ويغلق المكان، وكذلك كنا نطمع في العشاء، فلقد كنا نشعر بالجوع.

في جانب آخر من هذه الساحة العريضة هنالك ألعاب أطفال ترابية، زحاليق وديارف، ديارف مثل ما يقولون أهل الكويت الحلوين، كلهم حلوين أهل الكويت، ولا وحده منهن مو حلوة، ولا واحد منهم مو حلو، الكويت كلها حلوة تهبل، بالذات بالشتاء، أدفأ هناك حتى في ديسمبر، حميمية غامرة. المهم، في الجانب الثاني كانت هنالك ساحة سينما في الهواء الطلق! كانت ملفة جداً، فيلم “ديسبيكبل مي” الجزء الأخير يعرض هنا، شاشة ضخمة وبروجكتر خارق يلقي الضوء عليها، كانت هناك ساعة في الخارج تشير لأوقات العرض، وتقول أن في الساعة يكون العرض الأخير، ما تشجعت كثيراً للحضور لأسباب عدة، مجدداً مسألة التعب، أيضا اللغة يونانية، دبلجة يونانية وهو ما لا أظنه يجدي نفعاً معي، حتى الترجمة لا تتوفر باللغة الانجليزية، مر الوقت، تجولنا في المحلات المعتادة، السوق تصميمه شيق، حديث وجديد، والممرات مفتوحة على الهواء الطلق.البضائح تعرض على النحو الذي نعرفه، علامات تجارية معروفة أعني، والكثير من البضائع التركية، والأسعار مناسبة جداً، لو قارنتها بما اعتدناه في بلادنا، لذا فالتسوق يبدو أمراً لابأس به في اليونان.

حان وقت العودة إلى الفندق، حقائبنا تنتظر في تكسي ثيودور، وقبل الوصول إلى السيارة وصلنا إلى مطعم إيطالي بنكهة يونانية محلية في السوق نفسه قرب المواقف، شيق وممتع، ولأن الأسبوع كان أسبوع الدراسة الأول فلقد كان المكان خالياً تقريباً. المطعم نصحني به ثيودور، وأتذكر كيف أنه يطمئن علينا من وقت للثاني، سألني هل تدخن، قلت له ليس في هذا الوقت. وكان يضحك معي كعادة من كل شيء. واتفقنا أن سينتظرنا، كنا مستمتعين بالأجواء. في الطريق اقترح ثيو أن نذهب إلى مكان ليلي فظيع. جبل الذئاب! في وسط أثينا عند الجهة المقابلة للأكروبولوس، ليكابيتوس هذا اسمه اليوناني، ليكاب يعني ذئب، توس تعني جبل، يقول في تلك السنوات القديمة جداً كان مأواً للذئاب والآن صارت فيه كنيسة ومطعم ومطل عريض على الأكروبولس وأثينا، كان مشهداً ليلياً بامتياز! استمتعت بالعواء العليل حينها والتقطت عدة صور غير ناجحة بسبب ظروف الإضاءة، كان المكان مكتظاً بالسيارات دون سبب مؤكد، فلربما كان هنالك عرس أو احتفال في الكنسية أعلى الجبل مما سبب كل هذا الازدحام، أوقفتنا سيدة مع طفلة لها، كانت في ورطة، الساعة تقترب من العاشرة والنصف، ونفد شحن هاتفها، وتريد أن تصل إلى سفح الجبل وتستقل تكسياً لتذهب بها بعيداً، قال لها ثيو أننا ذاهبون إلى الأعلى والسيارة ممتلئة، فقنعت، وفي العودة للأسفل جاءت مجدداً، وطلبت الركوب، وقلت لثيو دعها تأتي، كان التعارف اللطيف البريئ بين الأطفال شيقاً، لهذه الفترة الوجيزة، عندما همت بالنزول قرب سيارة تكسي أخرى، قلت لها، كالي نيكختا، يعني تصبحين على خير، صرت يونانياً.

سأسرد الآن قائمة بالمتاحف التي زرتها:

  • متحف الأكروبولس: حديث وجميل ومليئ بالقطع والترتيبات، أحدث المتاحف.
  • متحف الفن البيزنطي، يقع بالقرب من منطقة بلاكا وفيه تعرض قطع فنية ودينية من حقبة البيزنطيين، مليء جداً بالأثار العريقة واللوحات المثيرة لرؤى المسيحين المتدييننين الدينية، والمتحف في أصله كان مسكناً لزوجة جنرال يوناني، الزوجة فرنسية وكان دوقة من العهد النابليوني، يظهر من تصميمه وكأنك في أسبانيا، وغالب المتحف يقع تحت الأرض، والرحلة في داخله رهيبة، وهو حديث أيضا.
  • متحف الحرب، إلى جانب متحف الفن وهو متحف عتيق، يتبع لوزارة الدفاع، يستعرض فيه اليوناني تاريخ حروبهم منذ ما قبل التاريخ عبوراً بالاسكندر المقدوني بطلهم القومي، وبالاحتلال العثماني والتحرر منه، والحروب العالمية وأخيراً مشكلة قبرص، ممتع وشيق وغني المكان، ويطفح بروح وطنية.
  • متحف بيناكي، هذا قصر صغير لعالم الآثار وجامع التحف أنتونيو بيناكي، لذكرى جده السياسي والبطل القومي اليوناني إيمانويل، يعرض المتحف قطع كثيرة تشبه ما يعرض مثلها في المتاحف الأخرى، لكنه يركز كثيراً على الفترة الملكية لليونان، والتاريخ السياسي واللوحات التي تتناول معاناة تهجير اليونانين من مختلف الجزر بعد الغزو العثماني، في المتحف لمسات دينية كثيرة، وكذلك هو مميز لكونه قصر ومسكن لذلك الرجل، رزناه في يوم كان الدخول مجانياً لأنه يوم المتاحف أو شيء من هذا القبيل!
  • المتحف الأركيولجي الوطني: أعرق متاحف اليونان، متحف عتيق عريق، يضم غالب كنوز اليونان القديمة، وتماثيل الرموز القديمة مثل زيوس وبوسايدون وأفروديت وكيوبيد، وكذلك الفلاسفة سقراط وارسطو وأفلاطون، وتوثيق لتماثيل الجنود والحروب التي خاضها الإغريق منذ مئات وآلاف السنين، المثير كان أحد التماثيل المعدنية من البرونز لصبي يمتطي جواداً منطلقاً بأقصى سرعه وكأن في يده رمحاً يضير به غلى صيد متوخى (أنظر أعلى التدوينة). أعجبني جداً، وكان هناك عرض لآنية اليونانين الشهيرة السوداء المليئة بالنقوش الذهبية، ساحة المتحف وحديقته شيق وفسيحة ورحبة.

  • جدير بالذكر، أماكن لم أزرها لكني عبرت بها، متحف الفن الإسلامي، ومتحف الفنون الإسلامية والموسيقى، الملعب الأولومبي القديم، أثار معبد زيوس في الحديقة الوطنية، أثار أكاديمية أفلاطون، أثار معبد بوسايدون الواقع في سفح تلة عالية تطل على المتوسط في ضواحي أثينا. متحف الفنون البيزنطية.

وهكذا، في اليومين الأخيرين قضيت الوقت متجولاً على القدمين في الهواء الطلق، قاضياً سحابة النهار في المتاحف، ومحاولاً رصد كل تفصيل ممكن، ومتذوقاً الطعام التقليدي اللذيذ، وعائداً كل ليلة متعباً إلى السرير باتسامة أمل على يوم جديد، حتى حان يوم العودة فحزمنا الحقائب، وقدنا طريقنا الطويل إلى المطار البعيد، واقتربت من طاولة تسليم الحقائب لطيران الخليج، وألقيت بكل سرعة وثقة تحية الصباح على الصبّوحة الممتلئة والتي تعمل هناك، كالي ميرا … فاسترسلت معي في عدة تساؤلات باليونانية جابهتها بابتسامة وكلامات انجليزية تقول أنني لا أتحدث اليونانية، اللون الأسمر الذي اكتسبته، والامتلاء الذي لا يفارقني مع رأسي الحليق تماماً على نحو غير معتاد جعلني أعود بسحنة يونانية بحتة، جاملتنا واستلمنا الحقائب وانطلقنا عبر بوابات التفتيش، وذهبت لاسترجاع ضرائب القيمة المضافة، من العاملين المرحين هناك، والعملية ليست سلسة جداً وتحتاج لبعض المراجعات في مكتبين لكنها تمت، استرجعت 14 يورو. وانطلقنا نحو البوابة ، الوقت يقارب الظهيرة، وحل وقت صلاة الظهر، وسألت بائعة الكتب والمجلات عن مسجد فقالت أنه قبل أنه هناك قبل التفتيش قبل أن تدلف إلى صالات البوابات، ولا ضير، صليت إلى جانب البوابة، صلاة المسافر المتخفف، العصر والظهر جمعاً وقصراً، وكنت سعيداً بهذه الرحلة اللطيفة، الممتعة جداً، وأفكر كيف سأدون عنها هنا؟ وهأنذا، أصل إلى ختام توثيقاتي اللازمة للرحلة، مستذكراً كل روح طيبة التقيت بها في ذلك البلد السلس الجميل، وكلمات الأم قرب البوابة التي اشتبهت في يونانيتي فسألتني عن كتاب الأطفال الذي كنت أقلبه مع الفتى وأنا جالس، فقالت ظننتك يونانياً فسألتك من أين ابتعته، وقلنا بالانجليزية أن الأيباد يضر بهم، الكتب يجب ان تكون حاضرة، واتفقنا على ذلك أنا والأم والأب، زوجها. انطلقتُ قبل أن أمتطي الطائرة، والصداع الناتج عن الارهاق يملأ رأسي، فابتعت كوباً خزفياً لطيفاً عليه غضن زيتون، كوب قهوة مسالم، أحمله في يدي كل صباح وأقول، السلام عليكم، السلام عليكم يا زوار المدونة، وحياكم الله دوماً، نراكم في رحلاااااات لاحقة، أو ربما لن نراكم، لننتظر ونرى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s