كنت ناقص علي

 

أصل إلى هذه الصفحة، بعد أن يحملني الدرب اليوم على ريث، مثل سحابة خريفية تتهادى على مهل. لكن أن يدوم الحال محال، فلا تلبث إلا أن تلتمع بارقة هواجس تطوف بمخيلتي، وتلهيني السيارات من حولي، ويرقص الصوت الذي يجري بأذني ولا أرقص، إلا قليلا، ومن ثمَّ فلا أملك الوقت والمكان حتى أصل. وهناك يمضي الوقت بسرعة مجنونة، على الرغم من السكون إلا من ضجيج محبب مألوف. في الليل تعود السحب والبروق، وتتلقفني الفكرة تلو الفكرة، محمولاً على أكتافها، وفي الآن ذاته ألمح ذاتي من بعيد، وكيف كانت وكيف صارت! عليِّ، كيف؟ لحظة، قبل كيف! أين؟ ومتى؟ وماذا؟ وأمهن جميعاً: لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لمااااااذا؟ أم الأسئلة. وتتوالد الأسئلة مثل فراكتلات رياضية، تلك التي كانت تحبها في صباي الجديد قطة قديمة، سألتني عنها وبحثت ولا أذكر أتوصلت إليها أم توصلت هي، لا يهم تماماً، الفراكتلات تكبر، وتتضاعف، لماذات، بحر من لماذات! ملذات؟ لا لا يا علي، ركز، لماذا ولماذا ولماذا .. لماذات. مثل نجمة، نجمات. واحة، واحات. سيدة سيدات، زوجة زوجات. جمع مؤنث سالم. بشكل مباغت يأتي علي اليوم ويرد بسرعة: إيه، عسى أنك سالم. تتلقفني الفكرة الأخيرة، ولا تسلمني إلى أي أحد، تنتظر معي، تبقى حتى يستلمني النوم، هو ذاك رفيقي الأخير، نوغل أنا والفكرة الأخيرة نوغل في صمت وسكينة في ذاك الليل. ويتهيج ما يتهيج في ذاك التجويف بين الضلوع. وأعود إلى كيف كنت. كنت هو ولا أزال، ليس تماماً، نعم أشبهه كثيراً، كأنه أنا، كأنه هو، عرشها القديم، عرش ذاتي المتعطشة لكل بحر وملح، أعب منه ولا أنتهي، ولا ينتهي هو، يتجدد، لا ينضب، ولا ينقضي عطشي ولا ينفد، كلهن ملح، نعم وسراب ووهم، وتعب، لذيذ نعم، لكنه تلذذ مرضي، لا يشفى منه إلا من كان سقيم قلب وروح وذائقه، لن أُشفى منه، خلقن لنا وكلنا يشتهيهن، يشتهي شمهن، رياحين، نُفيق منهم ونعود للغرق في سكرتهن، طبع آدم وبنيه، ولا يرعوي صاحب الطبع عن طبعه. والآن قبل أن يمسك بيدي النوم، تقاومه في العادة حروب في رأسي وصدري وروحي، حروب تبحث عن قصيدة، عن شطرين يشطران الشجن الذي يصفق لي من بعيد، حتى لأكاد أرقص رقصة زوربا له، وينهاني عن ذلك نغمة مهدهدة، مثل التي تجري في أذني الآن، والتي يقول فيها الشيخ، خذني معك وارحل بعيداً، أو أن أغمض العينين أسبح في جمالك أنعمُ، مثلما يقول القصيبي تماماً، لا تُنسى الأشياء بطبيعة الحال، لكنها تحفظ، في متحف تكاد تتحدث آثاره بلسان وشفتين، من الإشفاق، وبصوت مسموع من بعيد، لكن الوقت والأشياء الكثيرة التي راكمتها 88 ألف ساعة من السعي والعمل بكد وذكاء، ومن التأوهات، واللذات، والنشوات، والضحكات، والدموع، والقهقهات، والكائنات الصغيرة الملائكية، والجوع، والعطش، والحماقات، والانتصارات، صغيرها وكبيرها، الكائنات تلك التي هي الأمل الحقيقي الذي تحمله الحياة إذا أردنا أن نقول الحقيقة ولا شيء سواها، كل ما سواها شبه عدم. تلك الساعات، هي قدر المتاحف، أن تحتمل التناسي، والمواسم، الطويل منها والقصير، وتصبر على لأواء الفراق القسري والاختياري، لأنها تعرف، تلك النفس، أن ليس كل هوى مُطاع، إلا ما وافق شرعاً، وتعرف أن عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم، وأن تكرهوا شيئاً آخر ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وأن قد جعل الله لكل شيء قدرا، وأن بعد عسر يسرين، وأن تصبروا وتتقوا خير لكم، وأن من تاب كان خيرَ من أخطأ، ربما قدر الحياة أن كل منا هو تذكار للآخر، متحف نوستاليجيا، كأنك سافرت في شخص آخر وعدت ومعك قطعة منه تحفظها في متحف ماضيك، وهناك مواسم للحزن وللشجن وللتذكر تزور فيها هذا المتحف وتفتح فيه كل الأبواب وتتفقد كل الغرف وتقلب كل الصفحات، والآخر هو كل عابر بنا، ولو لثانية، ولدقيقة، وليوم، ولسنة، وللعمر، ولـ اللا لقاء، وللأبد! كل قريب وبعيد، قديم وحديث، حتى ممنون الذي يكوي ثيابي وأشمغتي، حتى إسلام الحارس، والأستاذ فرحان وفاروق، وأبوبكر برهومه بوجهه المشدود، والولد الذي صفعته، وتلك التي تتأتئ، والسماء الزرقاء، والمطر المنهمر، وجمال الدين كنجو، ورائد الحمدان للرياضة، والدكتور الحيدر، ونذر مالك، ووو والقائمة لن تنتهي. كل منها له قطعة في متحف الروح. أما الآن وهنا، يجلس على طرف سريري، بوجهه الأليف، مبتسماً بطمأنينة، وعليه ثوب يشبه ثوبي، بني وبأكمام قصيرة، وواسع كالبحر، يبدأ ويضع أصبعه السبابة الممتد إلى أعلى في منتصف وجهه من قبضته المضمومة على فمه، شششششششش، وتتسع الابتسامة، ويهمس في أذني، لا تبتئس، الحياة السعيدة رحلة رضا، ومن رضي فله الرضا، لا أقاوم، وأغرق في لحظة، فما أنت إلا بشر من نقص إلى نقص، ولست هنا لتكتمل.

 

Advertisements

3 Comments اضافة لك

  1. علي كتب:

    التعليق الأول محجوز، كيفي مدونتي، خخخخخخخ.

    إعجاب

  2. شجرة كتب:

    “من رضي فله الرضا” تدوينة لذيذة، أستمتع دائمًا بالقراءة لك.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً جزيلاً سرّتني هذه الحفاوة.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s