رحلتي إلى اليونان – الجزء الثاني

on

أعود لسرد مجريات الرحلة اللطيفة إلى البلاد اللطيفة، فأحكموا ربط أحزمة المقاعد واستعدوا للإقلاع معي في أجواء الوجهة الأولى لوصولي إلى اليونان. كما استرسلت في الجزء الأول من سلسلة التدوينات، فلقد خططت أن أصل إلى أثينا أساساً ثم أنتقل إلى جزيرة سانتوريني ثم أعود إلى أثينا وأستدرك ما لم أتمكن منه في الأيام الأول للوصول. وهكذا، وصلت حسب حجوزاتي إلى أثينا قبيل العصر بعد رحلة استغرقت حوالي الست ساعات شاملة وقت العبور بالبحرين، حجزي كان في فندق رائع، من نوعية الفنادق التي تروقني، فندق أثينيوم انتركونتيننتال أثينا، هذا الفندق العريق بني في الثمانينات، تحديداً في 1982م في أوجه مواسم السياحة تلك الأيام، ويقع بالقرب جداً من مركز مدينة أثينا، ومن معلمها الأعظم والأشهر ألا وهو الأكروبولوس، قرابة نص ساعة من المشي توصلك إلى مركز المدينة، لكن هذه الرحلة غالباً ما أتجاوزها باستخدام سيارة الفندق المجانية أو سيارة الأجرة التي تتردد بين المنطقتين، حيث تأخذك من باب الفندق وتوصلك إلى ساحة سينتاغما ومن هناك بإمكانك الوصول إلى حيث شئت، متحفاً كان أو مطعما أو كنت مثلي تهوى التجول على الأرصفة.

مكثت ليلتين أوليتين في أثينا، زرت فيها الأكروبولس، وهو معبد قديم من عصور ما قبل الميلاد، بني على هضبة عالية جداً، تطل على المدينة بأسرها، وتجشمت صعودها مستمتعاً بكل لحظة، ويقع في تلك المنطقة وما جاورها العديد من المسارح القديمة والمسارات الأصلية، كان العجب في أن تجد الكثير من الأشياء مرممة قليلاً أو على حالها! فسبحان الله كيف تتصرم السنين والأزمان وتبقى الشواهد، أرضية الأكروبلس مليئة بصخور رخامية غير مصقولة، الهضبة كلها تبدو وكأنها من المرمر، لا أزال أتذكر لون أحجار الرخام الحمراء غير المنتظمة وأفواج البشر يتجولون فيأعلى تلك الهضبة، والهواء البارد اللطيف مع الشمس الحادة. في أعلى المكان هنالك مرتقى نصب في علم اليونان جهة البحر. الأكروبولوس هذا بالإمكان مشاهدته من الدور التاسع للفندق الذي سكنته، وهذا من أبرز مميزاته ودلائل مثالية مكانه، الغرفة كان واسعة ومريحة، وهادئة، الطعام لذيذ بالذات في الصباح الباكر، استمتعت كثيراً بالزيتون وجبن الفيتا والخضروات الطازجة والبصل وأنواع الخبز بالسمسم وغيره.

في اليومين الأولين كذلك زرت متحف الأكروبولوس وهو أحدث المتاحف، ومن أعظم ما صنعوه فيه، هو أنهم بنوه فوق مدينة بيزنطية كانت مأهولة بالسكان، لم يتخلصوا منها بل بنو فوقها المتحف بحيث تنظر من أرضية المتحف فترى الأزقة والممرات كما هي، حتى أني رأيت سواقياً للماء لا زالت تجري فيها المياه، وآباراً ترمى فيها العملات المعدنية. المتحف العريق هذا ممتع جداً، ومليء بالقطع الرهيبة، والتقطت العديد من الصور وكنا صاخبين جداً في زيارتنا لهذا المكان المهيب، للدرجة التي نبهونا على الهدوء أكثر من مرة وعن الامتناع عن التقاط الصور، كانت هنالك الكثير من القطع للاسكندر المقدوني ولأثينا نفسها، رمز الحكمة لدى الإرغريق وهي ممسكة بالرمح في يدها اليمين. وكذلك ميدوزا والامبراطور كاركالا وغيره الكثير، من الصيادين والجنود والمحاربين، المتحف وغيره زاخر بذكرى انتصار الاغريق بقيادة إمبراطورهم العظيم الاسكندر على الفرس. كان في آخر الجولة فرصة لتناول القهوة في مقهى أسفل المتحف، وكذلك لزيارة محل التذكارات الرهيب. القهوة التركية يسمونها عنوة قهوة يونانية، ويقدمون البقلاوة والحلقوم ومثيلاتها كما وكأنك في تركياً، فهنا معلومة تقول بأن العثمانيين احتلوا اليونان بأكملها لقرنين أو ثلاثة، لكن فترة تخلصهم منها تعتبر عندهم تأريخاً عظيماً يفخرون به، والأيام دول.

كان تنقلي بين متحف الأكروبولوس وساحة سانتيغما، على القدمين، ممتع أن تتبع اختلاط المدينة القديمة بالحديثة، وتسمع ضجيج السشياح وتشتم رائحة الأطعمة وتزور كل مكان متوقفاً هنا وهناك. في ساحة سانتيغما، انتقلت مخترقاً الحشود نحو منطقة عريقة جداً وغنية بالحركة ألا وهي بلاكا، بلاكا منطقة تجارية مليئة بالمطاعم والمقاهي ومحلات الآيسكريم وحلات الزيتون والتذكارات وزيت الزيتون الذهبي الرهيب، منطقة تشبة وسط البلد أو البطحاء في الرياض. ممتعة وحية وشيقة، وبين مكان لآخر ستجد ديراً قديماً لا زال على حاله بين محلات اتش أند إم أو بائعة الكعك المتجولين، وباعة جوز الهندس بعرباته العجيبة المليئة بالنوافير. هناك تناولت الآيسكريم أكثر من مرة، وأكلت الكباب المشوي وشطائر الشاورما التقليدية التي يسمونها اسما يستعصي علي تذكره، وأيضا السوفلاكي وهو شيش الطاووق، ويصنعون من الزبادي كل تغميس ممكن.

رأيت في المنطقة تلك أيضا بقايا المكتبة القديمة التي أهداها أحد الأباطرة لسكان أثينا في عصور ما قبل الميلاد، ومسجداً عثمانيا تحول إلى متحف، الحقيقة أنك في كل زاوية ستجد شاهداً على العصر على شكل متحف. كانت الجولات على الأقدام كنزاً صحياً لا ينسى. بعد التعب الشديد وقبيل الغروب في كل يوم من اليومين نعود أدراجنا عبر الطريق المعروف باتجاه ساحة سانتيغما، ثم نعبر قرب البرلمان اليوناني المدجج بالجنود التقليدين والعاديين، حيث صادفت زيارتنا زيارة من ماكرون رئيس فرنسا الذي جاء ليقدم الدعم لليونان وليبحث عن فرص استثماريه لرجال الأعمال من الطرفين. ونعود عبر الشوارع المكتظة الحية المليئة بالجرافيتي منهكين إلى سرائرنا، مطمئنين آمنين وسعداء بتجربة المكان الجديد والطعام الأجمل.

اليوم التالي كان موعدنا للانطلاق نحو الوجهة التالي وهي جزيرة سانتوريني، ويوم أن كان انتقالنا سيكون في منتصف النهار والوقوت طويل، قررت استثماره في مكان قريب حتى نلم بتجربة السفرة كما يجب، حاورت الكونسيرج في الفندق عن الخيارات التاح لاسيما وأن الصضباح لا يزال باكراً على الرحلة الداخلية والمطار لا يبعد سوى ساعة إلا ربعاً عن الفندق، فكان غير متحمس للفكرة وتبين لي أن الطرق جميعاً مغلقة بسبب زيارة الرئيس الفرنسي! كان هناك أساساً خوف من تأثر رحلتنا بسبب ذلك، فحان من الرحل انتباهة لمكان قريب من الفندق ويستحق الزيارة، وهو مركز ثقافي بناه أحد أباطرة المال في اليونان، بناه إهداء منه للمدينة ولتخليد اسمه فيها، مركز للمحاضرات ولاستقبال الوفود وكذلك فيه حدائق ومقاهٍ وقنوات مائية توصلك إلى البحر المتوسط الذي تطل عليه أثينا، المكان هو مركز ستيفاروس نيرهوس الثقافي. امتطينا التاكسي، ويبدو أن صاحب التكسي الودود سيكون رفيقنا لأيام عديدة، ثيودور، ثيو، صاعب العائلة المكونة ابنة وابن، يعيش في شرق أثينا، وتعامله اللطيف ولغته الانجليزية الممتازة وحسن ضيافته ساعدتني كثيراً، ولا أنسى قصصه وطرائفه الرهيبة. سيارته السكودا الجديدة النظيفة وروحه المبتسمة لا تنسى، حدثني كثيراً عن جزيرته، أعني مسقط رأسه، اسمها كارفو، واصطحبني لسوق أوروبي رهيب مفتوح الأجواء اسمه: مكارثي سمثينغ، ونسيت الاسم الثاني.

وصلنا إلى المركز الثقافي والحركة مضطربه! توقعت ذلك فالمكان فخم، اتفقت مع السائق أن يعود، وانطلقت إلى الباب، تفاجأت باعتذارهم عن استقبالنا، وبعد أخذ ورد قالوا أن ماكرون في طريقه إلى هنا! أوه! معنى ذلك أن نعود لاحقاً، وحاولت أن أقنعهم، بلا جدوى، لابد أن نعود مع ثيو، لكن ثيو في رأسه أفكار أخرى، وهي أفكار لطيفة، أخذنا إلى الفندق وانطلقنا في رحلة طويلة، لأن الطرق إلى المطار كلها مغلقة سوى الطريق الساحلي، هذه الرحلة الجميلة توقفنا فيها أكثر من مرة وتناولنا الطعام في مقهى لذيذ، كانت البائعة من مصر! قالت انتبه لا تأخذ هذه الفطيرة، ليست كما يجب، نضيف إليها الكحول. تجولنا في طريق ساحلي لا أظنني رأيت مثله قبل، وكأنك في مونتي كارلو أو بالقرب من منحدرات البحر في كاليفورنيا.

وصلنا إلى المطار في الموعد المضروب وانطلقت إلى مكاتب شركة سكاي اكسبرس المحلية، وهي شركة طيران كريتية نسبة إلى جزيرة كريت، طائراتهم المروحية الفظيعة كانت تجربة لا تنسى، أخذت بطائق الصعود لرحلة ستستغرق حوالي 45 دقيقة إلى سانتوريني التي تبعد 200 كيلومتر جنوباً عن أثينا، واخترت هذا الخيار بعيداً عن فكرة ركوب سفينة تأخذ من الوقت ربما 4 ساعات! وهو ما لم يكن مقبولاً في وضع مجموعتنا. المهم، لعلي أختم هذا الجزء بظرافة ما حصل في المركز الثقافي حيث أنني في اليوم التالي أتصفح الجريدة على سريري في سانتوريني وهي عادة لطيفة أن تطالع أخبار البلد من صحفه اليومية، وإذا بي أرى خبر ماكرون يخطب في المركز الثقافي، وضحكت من كلام ثيودور، يقول احمد الله، أن ماكرون زاحمك في سياحتك ولم يمنعك من المطار، فلا يهمه أن تفوتك الرحلة! والحمد لله رب العالمين.

في الجزء التالي سأتحدث عن سانتوريني وعن الأنشطة هناك وأبرز الأطعمة والمطاعم، ويسعدني اهتمام الجميع، نراكم لاحقاً.

Advertisements

One Comment اضافة لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s