رحلتي إلى اليونان – الجزء الأول

img_9669

تهبط كل الطائرات بي وتقلع منذ أن اختطفني أغسطس من نفسي، ودفع بي في معمعة التزامات شتى متداخلة ومتلاحقة ومع كل ذلك محببة، في الواقع كانت بوادر الانشغال تطل بملامحها منذ أن هل علينا هلال شوال وبشاراته! وكنت أجد الرغبة في نفسي تتنازعني في أن ألتزم بما عاهدت نفسي عليه، أن أكتب ولو مرة كل شهر في هذا المكان الوفي وأتفيأ تجارب الكلمة وتوثيق أيامي وأن أحكم حسن التوديع وقلب قلوب الصفحات، وكادت أن تفلت الأمور من زمامها في أغسطس الفائت لولا أن تداركتي رحمة ربي للعناية بهذا الالتزام. والآن ها أنذا في منتصف سبتمبر أو بعده بقليل، أيلول التخفف كما قلت لأكثر من واحد، سبتمبر الحواسم، أن أختار وأنتقي ما أريد وما أبتغي وياليتني أسلم. ولأنه عامهم من بدايته، أعني 2017م، بعد عام 2016م الذي كان للقراءة وللكتب، 2016م لها وحدها، السيدة قراءة، جاء دورهم. وكان التخطيط سريعاً متلاحقاً ولا بأس به. في ثلاثة أسابيع أو أربعة، امتطيت الطائرة عشر مرات، اختفى شعور ارتقاب الرحلات وصار من الروتيني أن أنطلق بسهولة إلى المطار وأختار الجلوس برهة قبل صعود الطائرة، أضحك قليلاً وأغرد وأستمتع بوقتي ثم ينقضي الوقت بسرعة.

وقبل أن تلملم إجازة الصيف أشتاتها الطويلة المسترسلة، حان موعد الرحلة الجميلة لتلك البلاد الجديدة، بعد انتقاء مختلف لوجهة ما تردد عليها كثيرون أعرفهم، واخترتها لفرادتها ولتسجيل ذكريات لا تمحوها تقادمات الأزمان، كانت ولله الحمد رحلة العشرة أيام إلى اليونان، بلاد الإغريق، غنية جداً بالكثير، واستحقت تماماً أن أقسم الحديث عنها على عدة تدوينات، فلم لا؟ لعل عابراً يستفيد، ولعل مهتماً بالتفاصيل يروي ظمأ شغفه، وهي مشاركة إنسانية وجدانية بالحرف والكلمة، وتمرين لعضلات المفردات والصور من العقل إلى الكيبورد. لقد كانت اليونان في مخيلتي منذ وقت طويل، بلاد عريقة جداً وموغلة في عمق التاريخ! بلاد الفلاسفة كما يقولون.

كانت البداية في أن أبحث عن استشارة بشأن هذا المكان غير المطروق تماماً في السنين الأخيرة، وكان يدور في مخيلتي عن اليونان تدهور أوضاعهم الاقتصادية، لكن بسؤال أهل الخبرة أشاروا بأن الوجهة مثالية جداً، فأجواءها صافية ومعتدلة، كما هو الحال في أغلب مصايف البحر المتوسط، وحالهم الاقتصادية أفضل الآن، على الأقل ظاهرياً بعد دعم الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، وهو ما لا أعرف خفاياها لكني هناك رأيت أن الأعمال لم تتوقف ومستمرة والسياحة معتنى بها ومحتفى بها من قبل الجميع، وهذا المهم. لم أكن متأكداً تماماً حيال الأماكن التي سأزورها هناك قبل أن أذهب، بالطبع أعرف أنه من الضروري الوصول إلى أثينا والمغادرة منها، فالمطار الدولي الوحيد كان هناك، وهو مطار أطلقوا عليه اسم أحد السياسيين اليونانين والذي تولى منصب رئيس الوزراء اسمه صعب كعادة الكثير من اليونانين: إلفثيريوس كيرياكوس فينيزيلوس، والاقتراح التالي كان الانتقال لأحد أشهر جزر الأرخبيل اليوناني، جزيرة سانتوريني، وتقع على بعد 45 دقيقة بالطائرة جنوباً عن أثينا، والعودة مجدداً إلى أثينا. كانت هناك أفكار لزيارة كريت الشهيرة، وميكونوس، لكن الأساس الجاذب كان سانتوريني بقبابها البيضاء والزرقاء وطبيعتها الريفية الممتعة وشواطئها الهادئة المسالمة.

من هنا وعلى بركة الله انطلقت أبحث عن أيسر السبل للوصول جواً إلى هناك، وما رغبت في جولات عبور أو ترانزيت بين المطارات ترهقني ومن معي، لا سيما وأن الرحلات قد تكون في أوقات المساء أو الصباح الباكر وهو ما قد يصعب احتماله. فكانت إحدى الخيارات السفر على خطوط بحر إيجه، الخطوط الإيجية وإيجه هو البحر الفاصل بين هضبة الأناضول وبين اليونان، هي الخطوط الوحيدة التي تسير رحلات مباشرة إلى هناك من الرياض، ولكني بسرعة غضضت الطرف عنها لأسباب ثلاثة: شح الرحلات المتوفرة في التواريخ التي أريدها، والثمن المرتفع نسبياً عن الميزانية، وكذلك عدم ثقتي بسمعتها. وبحثت عبر الخطوط السعودية فلم أجد سوى رحلات محدودة يجري تشغيلها عبر الخطوط الإيطالية، وتصل إلى روما ثم إلى أثينا وهو ما استبعدته تماماً، فكرت بالتركية والإمارات والاتحاد، لكن كلها اتفقت في الأسباب التي جعلتني أرفض اختيارها، وجاء الفرج عبر البحث المستمر والوصول إلى ترتيبات ممتازة عبر طيران الخليج الواقع في البحرين الجميلة!

طيران الخليج تسير رحلات في أوقات ناسبتني، وكان العبور أو الترانزيت في البحرين وهو هين يسير ولم يستغرق الكثير بالذات في رحلة الذهاب، ثم إن الخطوط عريقة ومريحة وجربتها بارتياح مراراً، والمحفز الأكبر كان ثمنها المعقول جداً وقلة ضغط المسافرين عليها. قبل أنا أغادر نقطة الاستعداد للسفر والطائرة وحجز وسيلة الانتقال، أسجل هنا معلومات عن الفيزا، أو تأشيرة الدخول، وبما أنني لم أخض تجربة كهذه من قبل، وكنت أختار دوماً الوجهات التي لا تستلزم إجراءات مثل تلك، فكانت التجربة تستحق التسجيل هنا، فتأشيرة دخول اليونان للسعوديين تتطلب زيارة السفارة في الرياض، والسفارة في حي السفارات تفتح أبوابها خمسة أيام في الأسبوع من التاسعة للواحدة، وتحتاج لتعبئة طلب وتوفير حجوزات ولو مؤقتة مع تقديم مبلغ يقارب الخمسمائة ريال عن كل جواز سفر. والحقيقة أنني اخترت انجاز هذا الأمر عبر مكتب مختص في استخراج التأشيرات وكان قد تبقى لي زيارة السفارة في وقت حددوه لي والانتظار لعشرة أيام تقريباً ليتصلوا بي ويتم استلام جواز السفر والفيزا، وبالفعل جرت الأمور بتيسير وحصلت على فيزا شنغن تتيح لي دخول الدول الأوروبية بعد زيارة الدولة الأولى لمدة سنتين من تاريخ الحصول على التأشيرة مصدرة التأشيرة وتسمية شنغن جاءت من مدينة شنغن لوكسمبورغ واتفاقيتها التي عقدت بهذا الشأن والتي تتيح الدخول إلى 28 بلدا أوروبياً.

كان مسار الرحلة من الرياض إلى البحرين، في مطار البحرين الحي العريق المرتبط بوجهات من كل اتجاه، كان الترانزيت قصيراً حوالي الساعة، وصادف أن وصلنا مبكرين لاقلاعنا مبكراً من الرياض. ومن البحرين إلى أثينا تستغرق الرحلة حوالي الأربع ساعات فتنطلق عبر الجزيرة العربية باتجاه سيناء والبحر المتوسط حتى تصل إلى أثينا. كان الرحلة سلسة جداً وممتعة، بالذات مع ذلك البرياني اللذيذ الذي قدم في مستهل الرحلة، بعدها غرق الكثيرون في نوم عميق، وغرق البعض الآخر في هواتفهم أو شاشاتهم التي في ظهور المقاعد أو في أيباداتهم.

هنا يتملكني الشعور بالحاجة للتوقف والتريث عن الاستمرار في سرد الرحلة وفوائدها ونصائحها ومجرياتها، وأخطط لسرد كل ذلك لاحقاً في جزئين متتالين أظنهما كافيان بإذن الله، سأتحدث عن أثينا والأماكن التي زرتها وأحيائها العريقة القديمة وأرصفتها ومتاحفها، وأنتقل في جزء آخر عن جزيرة سانتوريني، وعن طبيعتها المميزة، وأختم بانطباعات عامة عما تركه شعب اليونان والأشخاص الذين التقيت بهم ورأيتهم وسعدت بالاحتكاك والتفاعل معهم وأسجل ذكريات المواقف التي ستظل محفورة للأبد في مخيلتي ورصيدي وحواسي الخمس حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وهنا أصل أيضا إلى تسجل شكري وامتناني لكل متابع متواصل ومتفاعل مع أكتب وأسجل وأشارك راجياً كل الهنا والسرور والتوفيق لكل مهتم وأرحب طبعا ودوماً بأي استفسار وتساؤل واقتراحات بشأن هذه التدوينة أو غيرها من تدوينات الأخرى، سابقة ولاحقة، وستجدون في آخر هذه التدوينة الافتتاحية ملفاً يضم صوراً كثيرة التقطتها أرفعها باستمرار الآن بعد أن التقطتها أثناء الرحلة وأثقها في موقع فليكر الرهيب، أرجو أن تروق لكم وتستمعوا بتصفحها والتعليق عليها وحفظها ومشاركتها إن رغبتم.

Advertisements

3 Comments اضافة لك

  1. Yazeed كتب:

    الله عليك يا علي و على أنتقاءاتك المميزة ، تقرير من بدايته واضح جميل .. متيّم بحرفك يا صديقي.⁦❤️⁩

    إعجاب

    1. علي كتب:

      لاهنت يخوي وسعيداً جدا باهتمامك وتواصلك الكريم.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s