من الفرحة، نسيت!

في ليلة صيفية قائضة جرى سيل من الكلمات والمشاعر والاختلاجات في نفس كائن ضعيف، فكأن كل ذاك نهر، نهر ماءه شعور صافٍ وحصباءه الناعمة هي ما أقول من كلمات ودوامات الماء الصغيرة فيه هي اختلاجاته الخفية الدقيقة الصغيرة فيما بينه وبينه. يخاطب القمر، معلّقان كلاهما، في السماء ذاك، وهو معلّق في قيود البوح غير المباح. تمر المراحل هكذا، يستطيل اليوم، وتنوء بالكتفين أحمال كل هباء الدنيا، فلا يبقى سوى إلا لحظة أن تفيض العين أو تنطلق الكلمة من عقالها مرشوقة على صفحة بيضاء، أو كليهما.

يهدهدني الشجن القديم الأزلي، كأنني طفل في المهد بين ذراعيه. وتقف بجواره الذكريات مثل جدَّةٍ ينبع حنانُ المجرّات من عينيها، تنظر في قسماتي المبتسمة الغافلة أبداً وتبتسم، وأدري ولا أدري. ثم يستنهض روحي قلق وهاجس وجودي، في أن أكون أو لا أكون، وتتمثل لي كل محاولاتي أمامي كأنها قافلة عيس تعبر بهدوء مثل السراب، تمشي الهوينا وتبطيء في مسيرها أمامي كي أتأملها واحدة واحدة، ما بين فخري بها كلها وبين عض أصبع الندم مكرراً مرارة التجارب المزعجة والمحرجة والفائتة، لكنها تمضي، وأنام أو أركب قطار العيش السريع وأنهمك. ويحين الحين المحتوم، وأسمع ذاك النغم القديم العتيق، فأسافر في زمني إلى صباي الرقراق الشفاف الرقيق الخفيف، وأقف قليلا ثم أقول لمن بجانبي: "تبچِّي :(". وأعيدها وأكتبها، وأبچ‍ي، فهي مناجاة للقمر، أخاطبه، وأخاطب روحي فيه، مثل مرآة رقمتها الأيام بكل نقش ممكن.

وأسولف له، للقمر. أنني من الفرحة، من فرحتي به، نسيت أنني أنهيت البارحة وأنا في خصام معه! نسيت، نسيت، إنسان! نسيت قراري العنيد في أن أمنع حديثاً محتملاً، مُغضباً تهيأت لأقول: كرماً لا تكلمني. نسيت! ثم أراك! وأغمرك بكل ترحيب أقدر عليه، وأنت كما أنت، فأنسى وأحسب أنني كنت صاحب الخطأ، وأنتظر سماحك، وتمنحني بركات ترحيبك، وأنا ذاك المشفق المهلهل المتضعضع، أنهض ولا أنهض، لا أستند إلا على هواء روحي، وهي فرصتك هذه التي تغتنمها وتتركني على عماوة بصيرتي.

تذكرت، وتذكرت خطأك، نعم، لكنها نعمة النسيان، هي التي جعلتني أنسى وأعود، أعود إليك يا حبيبي، يا قمر، يا غالياً، هي التي تجعلني أنسى ذاتي، ثم أعيد تسليم قيدي إليك، فما تمكَّن في فؤادي أحد، ويقول عقلي لنا، إن المسألة بسيطة: سألومك وإذا أخطأت لُمني وعاتبني. حبيبي، طال الزمان أو قصر، هناك أشياء لا تتغير، أولا نحن خلاّن، ثانياً؛ وحدك أنت تشتتني، وحدك أنت من يلملمني، ثالثا: قلبي دوماً على شوق، وكل ذاك الغياب الطويل عن عيني، آلمني. لكن أقول الآن ما أحلى أنني من الفرحة نسيت، وتذكّرتُني، تذكَّرتُنا، وعدت ملتجئاً إلى زنديك، وهذا هو -اللجوء إلى الزندين- المهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s