عنواني في كاوست: تقاطع التحول والاستكشاف


حمى الأيام لا يخف أوراها أبداً، تتقد كما لو أنها كان هنا للأبد. وهذه حال البشر، طارد ومطرود، تمضي الأيام وأجد نفسي في لحظة بعض أحداث متلاحقة أنتظر حقيبتي الرمادية المزرقَّة كالأبد، يقتحمني الاتصال، وصوت أجش يستحوذ على الحوار، يسألني أين أنا وهل وصلت إلى المطار؟ نعم، أنا هناك أنتظر حقيبتي وسآتيك، لحظة، ما اسمك؟ ما نيم إز علي، يقول وأنا أضحك هههههه اقول أنا علي أيضا، طيب طيب.

في ذلك المطار الضيق جداً، والنشط جداً، أركض وأسأله أين تقف؟ يجيب: هناك بالقرب من مكتب اتصالات زين، زين، أنا هناك، وننتظر رفيقاً، علي باكستاني، وهو سائق الجامعة الذي كست ملامحه جبال بشاور البعيدة، ولحية رمادية له وبقايا شارب محلوق ظهرت عليه شفته المشقوقة بشكل فظيع جعلني أتسائل كيف حصل على تلك الندبة، ولا أفهم من ملامح أحاديثه شيئاً بسبب نظارته السوداء الضخمة التي غطت عيونه. ننطلق ويقود بنا الطريق، كلامنا خليط بين عربي مكسر وانجليزي مهشم.

ولمزيد من التفاصيل، وحتى تؤتي هذه التدوينة أكلها، فقد كنت في الطريق لمشاركة في ورشة ابتكار في جامعة عظيمة، جامعة كاوست، جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، دعيت إليها ترشيحاً، وكان الهدف زيارة الأساس بالنسبة لي عندما استجبت لهذا المكان الأثيري، أنشئت في 2009م، وهي مكان حيوي جداً ونشط. الطريق إليها يستغرق الانتقال بالسيارة شمالاً عن مطار جدة، قيادة تستمر لساعة وثلث ربما، طريق منار وسريع وممتاز، موحش إلا من التربة الجرداء وبعض مدن الألعاب ومطاعم السمك، عبرت خلالها بملعب الجوهرة الشهير بجدة، ثم بعض القرى، وأخيراً القرية الجارة للجامعة على البحر، قرية ثُوِل، قرية تعيش على السمك وصيده. جلست بالكرسي الخلفي لسيارة التورس القديمة وعلى يساري البحر والشمس تغرب فيه، فلفحتني مراراً وأنا أكمل قراءة رواية كونديرا الرهيبة أقتات السوالف المهذبة مع رفاق الطريق.

أنشأت هذه الجامعة العظيمة بأمر الملك رحمه الله تعالى، وكلف بها أرامكو، فقام بها الوزير النعيمي ومستشاريه، وعين عليها رؤساء وباحثون من كل حدب وصوب، تضم في مجلس إدارتها أسماء خارقة في العلم، نظمي النصر رئيسها المكلف اليوم، وثقافة أرامكو صبغت جدرانها وثقافتها. ما زرت أماكن أرامكو من قبل، لكن كاوست كما وصفت لي أرامكو الشرق هي نسخة منسخة منها. المرافق والتفصيلات تشي بذلك تماماً، حتى الثقافات كلها تذوب في بعضها فوجدت من المسموح أن تقوم المرأة باستخدام السيارة في التنقل داخل تلك المدينة الجامعية بنفسها، وكذلك حرية ارتداء الملابس، لكن هناك سلسلة من القواعد العامة تتعلق بسكن الطلاب، لا يعيش الطلاب مع الطالبات، مثلاً.

في الورش كان التعايش والانطلاق عنوان كل مرحلة من المراحل، كان ذلك هو العناون الصارخ في كل مكان، أنك في مكان يشجع مسألة الابتكار من أصغر لأكبر مبادرة، أنت في مكان يتيح لك أن تكون النسخة التالية من مارك زوكربيرج، أو ستيف جوبز أو أي مالك شركة، تبدأ كريادي ثم تنظلق كـ كووبيريت، شركة بهيكلية وأعمال عالمية، وموظفين وهكذا. كنا نفتش منذ أن كنا في الرياض عن فكرة، وصنعنا فكرة، وكان صخب الفكاهة رفيقنا في كل لحظة، مع محمد وإبراهيم وعبدالرحمن وبيان. ضاق ذرعي بتحويلنا إلى تماثيل أو روبوتات، فنبذت تلك الأجواء مراراً، حاربتها بزيارة المكتبة، والمشي كثيراً هناك، والجلوس إلى اللابتوب أتابع بقية فيلم بدأت مشاهدته وما أكملته، كان فيه أرتورو بانديني يغوي سلمى هايك المكسيكية مراراً على صفحات الورق. وأنام منهكاً مرات. حصلت على غرفة في الفيلا المخصصة لسكنانا، غرفتي كانت الرئيسية بحمام داخلي، تندروا مراراً على التفضيل المصادف هذا، وأضحك معهم. الحمد لله، قضيت أجمل وقت في مكتبة المرفأ، أرقى ما يمكن، أن تتنعم باللابتوب أمامك والنص والبحر والسماء الليلية الرائقة والهدوء إلا من نغم يجري كالنهر في سماعة بوز في أذنيك.

الخجول الذي رافقني في رحلة علي الشائق ذو الشفة المشقوقة، اسمه يزيد، ضحكته المفاجئة العالية لا يمكن أبدأ أن تدل على خجله وبساطته، أبو عبدالرحمن ومنيرة هذا من ألطف البشر، هاديء وبرئ. في سعد الدين، محل الحلويات الشهير، أقفر كل شيء من كل شيء، أخذت قهوتي التركية منه ونثرت عبقها في كل مكان، ورأيت ذلك المضحك في الزاوية، جهاز كاريوكي خالٍ لا أظنهم استخدموه، حتى مع تخيلي للإعلان الذي صاحبه حال افتتاحه، مثل هذه الأماكن عظيمة ومجهزة، لكن وحشة الجدية والبحث والعلم تجعلها شيئاً لا أظنني أسكنه لوقت طويل. في المدينة مجرىً مائي ينتهي إلى منارة الجامعة الشهيرة. ما لمست البحر ولا جلست في المكتبة الرئيسية التي لا تغلق أبداً، ولا زرت المتحف، خاب أملي في عدم قيامي بذلك. لكنني سعدت جداً بكلامي مع عبدالرحمن، هذا الفذ، يسكن في مكة، شارع الستين، مصري أصلا، الآن وهو في الجامعة أنشأ ثلاث أربع شركات! ونشرت همي له، كيف أنني أحارب روتين عملي بالتدوين والتصوير والعبث الذي لا ينتهي بالكلمات. وتندر أثناء ذلك محمد الكريم، القصيمي بوجهه وكلماته المألوفة، أضحكني وقررت أنه قريب من القلب والروح، نكاته ممجوجة قروية لكنها تروقني جداً هههههه. بارك الله له وفيه. في الصبح، والروح الطازجة تعبق بالمكان، تتثنى الظباء من الهوى والتيه بطريقة قاتلة، ظباء بشرية طروبة.

أما أنا، أحسر عن شعري ذاك الذي شابه ما يشوب، وقد خف كثيراً، منذ آخر مرة زرت الحلاق، أتساءل مع هذا وهكذا بصخب، من تعرف من لا تعرف؟ نزعت شماغي هناك، وأتجول بحذاء النايك الزيتي المنهك، وأصور هنا وهناك، وأحاول أن ألتقط أي حكمة ممكنة، وأبحث عن جمال ممكن، في كلمة همسة قول جملة على شاشة، كنا نتناول الإفطار والغداء هناك، مستوى الطلاب، وهو أمر لا بأس به. هربت يوماً لأتناول سندويج بيغل في مطعم قريب كان العامل هناك مهذباً جداً. ألوك صبحاً ومساءً أذكاري العطرة في فمي، وأستوفز لمقبل الأيام. وأنشر فلسفتي عن دوائر الحياة والوظيفة، دائرة الاهتمام والتأثير، وأقنع وأنقد نفسي، أتحدث كثيراً، أسولف أختلط أنطلق، أتحول وأكتشف! هل أنا علي؟ هل هذا أنا؟ أقبل أن أعيش في بيت مع اثنين؟ منذ متى؟ هذا أنا حقا، أتحول أستكشف حقاً.

أسجل ملاحظات على هاتفي مرات، محاولاً توثيق أفكاري حول تدوينة تجمع شتات تجربة جميلة، كانت العناية بنا عناية فائقة، سيارات تجئ بنا وتروح، دعم وخدمة لا تتوقف. لكن العمل منهك لا يتيح في هذه العجالة فعل كل ما أحب فعله، لكنني لا أنسى الضحكات السريعة، والمتعة التي تتيحها تلك التفاعلات الطيبة مع كل روح بشرية. الالتفاتات للخلاخيل في الكلمات المرقشة في كعب كل غزال شارد. معلق وحدي مثل ذلك الخلخال مترقباً وصولنا إلى ميناء الجحفة أو رابغ، ونحن في سيارة علي التي يصيبني عطرها الزهري الصناعي بالدوار المعذب، كأنني في سيارة يعقوب العجوز في بينانق قبل سبع سنوات. ويعيدني سؤال يزيد المفاجئ الذي كأنه يطرد به قلقاً يساوره. ذاك الذي يرتدي كل يوم بدلة ملونة فظيعة كأنه محمد بغالي الشهير، وأيضا الحمامات الهادئة في كل زاوية، والجرأة الغير متواخاة والتي تمكنت من نفوسها. الجنز الأسود الممزق عرضياً، والقميص ذو السحاب، مطبوع عليه صور تكعيبية لبيكاسو، أي فن؟!

كأنني أوغلت في الصور الكثيرة وأريد أن أختم بأنها كانت رحلة ممتازة لتلك المدينة، التي ألفتها وعشت فيها مستمتعاً، لولا تنكيد العمل والضغط غير المبرر، والوظيفة الحمقاء التي تحولنا إلى أناس يجب أن يرضخوا، ولا أظن أني أرضخ. قلت وداعاً كاوست، وأنا أشاهد رجلاً يرافق ابنته الصغيرة كلاهما على دراجته بالقرب من الفندق والهواء يحرك شرائط دراجتها. سعيد بختام ما قمت به، وقفت أمام الجميع ونثرت كلماتي بلهجتي الزبيرية أقترح فرصة يجب أن تستغل، وأجيب الأسئلة بكل قدرة ممكنة. وأتلقى بعد ذلك كالعادة كل ثمبز-أب ممكن من كل أحد إلى جانبي. أنهكتني المشاوير لكني احتفظ بذكريات لا تنقضي. وأتحول، وأستكشف. هذا هو عنواني في كاوست، وفي حياتي الآن.

هنا ملف لجميع الصور الملتقطة هناك: 1 و 2

Advertisements

4 Comments اضافة لك

  1. Yazeed كتب:

    مالقصة ؟ تدويناتك لم تعد تظهر لي بقارئ وورد بريس ! ، أفتقدت أن أقرأ لك وقلت سأدخل مدونتك لأبحث عنك .. وتفاجأت من كمية التدوينات الكثيرة التي لم تمر علي ليوم واحد في قارئي بوورد بريس ! .. الحمدلله أنك موجود 😍

    إعجاب

    1. علي كتب:

      إنه من المخيب لآمالي حقاً ألا تصلك تحديثات تجاربي الكتابة، يسعدني دوما اطلاعك وتفاعلك وفقدان ذلك لا يرحني البتة، لكن الآن مع تعليقك الحمدلله يبدو أن الأمور صلحت؟ لا أدري لم لم تعد التدوينات تظهر؟! الحمدلله على تعليقك يا يزيد، الحمدلله على كلماتك الطيبة وتفقدك وروحك الكريمة، أسعدك الله دنيا وآخرة.

      إعجاب

      1. Yazeed كتب:

        لا اضطررت للبحث عن مدونتك عبر جوجل.

        إعجاب

      2. علي كتب:

        لست أدري لم يحدث كل هذا، لكنني ممتن لمتابعتك وتفقدك، هذا كرم منك.

        إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s