عن العودة إلى سريري مبكراً

أجد نفسي في بعض الأيام ممزقاً ما بين قوى تتجاذبني من كل اتجاه، مخاوف وأحلام وآلام، تختلط جميعها في كيان يتعلق بذيول ثوبي فلا يدعني أنهض ولا أمشي كما اعتدت، فلا أتحرك حينها بخفة وسرعة واندفاع، يزورني ذاك الظل الرمادي بين الفينة والفينة. وأظن حينها متوهما أن القضايا كثيرة والمسائل معقدة وكل شيء لا يمكن أن ينتهي كما أريد، لن ينتهي كما يجب، وأتصور أن المواضيع التي لا تعجبني كلها متعلقة بأشياء ضخمة لا أستطيعها، ولا تتغير بالسهولة والسرعة التي أودها، وتستمر الحياة.

وأتوقع مع فكرة أخرى تقول لي، أنه ربما ليست الحالة كما أنا الآن أصفها؟ ربما كان يكمن الحل في حاجات صغيرة غير ملباة. في كوب عصير طازج أتناوله في الصباح مع حفنة شوفان بالعسل، في وجبة لذيذة وصحية أتناولها أول اليوم. في اعتدال كمية الكافيين الذي يجري في دمي، في بيالات متتالية من نعناع مغلي ومصبوغ بالزعفران، في مشي تنتصب مع كل أشيائي، كل عضلة من عضلاتي، بما فيها العضلة الحقيقية.

حلول مثل هذه مقتنع أنها تفعل الأعاجيب، وأهمها وأضخمها أثراً هو نوم هانيء ممتاز؛ يعني إلزام ذاتي بالذهاب إلى سريري في وقت مبكر جداً وهذا أمر يستصعب علي كثيراً، أعني غالباً، ونسيت أن أفعله مذ كنت طفلاً، وعلى ذكر الطفولة، أظن بأن مأسينا تشبه مأساة الطفل عندما يبكي من الجوع، أو من شوق لعناق صادق حقيقي، في أحضان إنسان وأم وأب، مأساتنا ربما كان لها حل في تفاحة، في حبة فاكهة، في ماء كاف لري أجسامنا بالحيوية، في ضحك ينعش الصدر، ويكبت العدو، مأساة حياتنا السريعة في الحفاظ على اعتدال ذاك المزاج، وحفاظنا على لياقة كافية تخصه.

بهذا الأمر -أعني تقبل حلول مثل تلك وتبنيها- نستطيع أن نمو أقوى وأكثر قدرة على التحمل والمقاومة، بغض النظر عن حل جذري لمأسينا النهائية المتجددة على هذا الكوكب، بالتأكيد سنغدو مع هذه القناعة أكثر قوة وقدرة. مع هذا التقديم الذي حاولت أن أعبر فيه عن ذاتي، أحاول التقديم لنص جميل من كتاب الحياة، من مدرسة الحياة، ترجمته لاختصاره ولقرب فكرته، ولأنني أفخر بعمل مثل هذا، وأسعد أن أكون جزءاً منه.

في شأن النوم المبكر

إن شأن الحصول على نومة مبكرة يعتبر أمراً مدهش، ومخزياً تقريباً ، إن بعض أكلح المشاكل التي تواجهنا في يوم من الممكن أن نردها ببساطة إلى حقيقة فتاكة: أننا لم نحصل على كفايتنا من النوم في الليلة الماضية.

تبدو هذه الفكرة تهجماً عويصاً. فهنالك بالتأكيد قضايا أكثر أهمية من مجرد التعب. نحن غالباً ما نكون في مواجهة عقبات أصيلة: الحالة الاقتصادية، السياسة، مشاكل في العمل، التوتر في علاقاتنا، العائلة … هذه هي صعوبات حقيقية. لكن ما نفشل في تقديره غالباً هو مقدار إلى أي مدى يمكننا مواجهتها بشجاعة ومرونة يعتمد على نطاق من العوامل الصغيرة والكبيرة: كم مستوى السكر في دمنا، متى كانت آخر مرة حصلنا فيها على عناق معتبر من أحد ما، وما كم المياه التي تناولناها – وكم ساعة حصلنا فيها على راحتنا. نميل لمقاومة تحليل مثل هذا لمشاكلنا.

قد نشعر بمثل الإهانة لطقوسنا، أَنَفة البالغين من أن يفكروا بأن إحساسنا بالكآبة قد يتوقف في نهاية المطاف، بشكل رئيسي بفعل الإنهاك. سنعرف أنفسنا في وقت قصير أننا في مواجهة كارثة وجودية أو اجتماعية ثقافية بدلاً عن النظر إلى أنفسنا كمحرومين من النوم.

لنكون سعداء، نحن نحتاج كماً من الأشياء الجادة (المال، الحرية، الحب)، لكن نحتاج الكثير من شبة السخيفة الصعيرة أيضا (نظام صحي، عناق، راحة). أي أحد كان قد اعتنى بأطفال سيعرف ذلك جيداً. عندما تصبح الحياة لا تحتمل بالنسبة لهم، يكون ذلك لأنهم كانوا متعبين، عطشى أو جوعى.

مع هذا الأمر في البال، لن يكون مهيناً أن نُصِرَّ على أننا لن ندع لوضع مأساوي حقيقي أن يعبر دون أن نبحث عن أننا نمر بها لأننا لم نحصل على عصير برتقال أو لم نستلق قليلاً. وربما بسبب آثار الطفولة، فإن السهر يخلف شعوراً بالجمال والإثارة؛ في آخر الليل عندما (نظرياً) تحدث أكثر الأشياء فتنة.

لكن في ثقافة أكثر حكمة من ثقافتنا، بعض أكثر الأناس الموقرين في العالم على الأرض من المحتمل أن يُرى ذاهباً إلى فراشه في وقت مبكر. كانت هنالك منافسات تشير إلى أوقات الذهاب إلى السرير. نتذكر  مسرَّات الخلود إلى الفراش بينما لا تزال بقية أضواء الليلة معلقة في السماء. مشاكلنا لن تختفي بمجرد ذلك في حينها، لكننا ستكون القوة في مواجهة ما نحتاج لمواجهته تزداد باضطراد.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. شجرة كتب:

    وأنا أكره النوم ليلًا في طفولتي.. ولأنني أسهر الليل وحيدا كنت أبكي إلى أن أنام. أمّا الآن أهرب من الجميع لأسهره وحدي.
    تدوينة كهذه تعيد ذكريات الطفولة جميلة جدًا، شكرًا علي

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً للتعليق والمشاركة، وسعيد باهتمامك وتفاعلك.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s