الوعي يتحدث

هذا أنا، هكذا أنا، تكثر الأشياء عليَّ، أنا علي، تكثر في عقلي، وتنثال، تنثال علي فلا أدري بأيِّها أبدأ؟ وأيِّها أدع؟ فأصاب بالثَّول، أنثول، أتضعضع، أجتمع على نفسي ثم أضطرب، للأمام وللوراء، وأقول حيناً هذا كله جزء من التجربة، هكذا تنضج الأشياء، لابد من الاختلاط والحرارة، والتداخل والتقلب والتقليب، الوعي هو بذرة العقل، هو الذي يجعلني “سيبيان” من الهوموسيبيان، الوعي هو مبدأ العقلانية الأساس، وهذه الأشياء كلها تنمو في إطار المخ، الدماغ الفيزيائي، ذاك العضو الذي هو كل شيء، هو أعظم عضو، هو عضوك التكاثري الحقيقي، هو من يُطلق الزناد.

معجزة هذا العقل هو حكمته في تصور المستقبل، في الاستعداد لما هو آت، وهو مصيبته أيضاً، ياللسكون الزوبعة! تستعد أكثر من اللازم فتقلق وتضطرب وتخاف وتتوجس، وتتخيل ومن التخيل عذابات. الأكيد أن تقوم عبره بصنع أدوات تنفعني في مستقبلي أن تنحت مستقبلك كما تنحت من حجر سلاحاً من حجر. أن تبذر اليوم لتنبت أشجار المستقبل وتحصد ثماره، أبذر الأرض والجسد من أجل أن يثمر خيراً ونعمة وزينة ومزيداً من مزيد بفضل الله سبحانه.

الوعي سر العقل العظيم، الذي الآن أقوم بمعجزة وأنا أحاول أن أفهمه، هل يوجد شيء في الدنيا يحاول فهم كيف يعمل وهو في نفس الوقت هو نفسه؟ هل رأيتم كمبيوتراً يحاول أن يفهم نفسه؟ نعم، إنه العقل البشري. إن الوعي آلة زمن تسافر بها، إلى الماضي، والماضي أحياناً تقف أحداثه أمامي مثل محارب ساموراي فأستجلب بطبيعتي البشرية الظلومة الجهولة الهلوعة كل الاشياء التي آذتني، وأنسى الرخاء، ويصير حديث ذاتي لذاتي، من ليت إلى لو. بالمقابل إذا سافرت بعقلي إلى المستقبل أراني متفائلا أكثر وأنا أخطط وأبذر وأدفع بنفسي إلى الأمام، أهرب إلى الامام؟ ما أدري.

تُحييني قصيدة محمد عبدالباري مرارا وهو يقولها في هبوطها المزعج بكل تلك الصور العجيبة حتى أصعد معها في نهاياتها وأرتاح ببشارات الأهلة وبرائحة القميص، أرجو بأن ترددي وتضعضعي هو طريقي الصعب نحو الوعي، نحو النمو، نحو مضايق تفجر انفراجات تدفعني إلى الهدف، ويدفعني إلى أن أكون، وأن يترسخ إيماني بأن مع الوعي تأتي الفرص وتأتي معه ثمراته: ذات ناضجة، ومعنى من الحياة، ومعنى من المعاناة.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. شجرة كتب:

    تذكرت دوستوفسكي لمّا قال: “وكل الوعي مهما كان، ما هو إلا علّة مرضيّة” رغم ذلك أشعر بنعمة الوعي وبثمراته وبحاجة الإنسان الدائمة إليه.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً على تعليقك وتفاعلك، أتذكر أيضاً مقولة تفيد بأن السعادة شيء طاريء ومرض يصيب حالة الإنسان ذات الطابع المشوب بالكدر وانعدام الراحة والنصب والمكابدة، وهي مرض لأنها تشوش على الإنسان حياته الروتينية المستمرة، على كل حال مع تشاؤم تلك المقولات فإن الحاجة للتوازن بينهما هو خير ما يختاره المرء.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s