مهرجان المحافظة على روح النص

يمر الأسبوع بالنسبة لي مُنفلتاً من عقاله، أود أن أقول بسرعة الإلكترون وهو يقطع المفازات في جزء من الفمتوثانية، وأقف، أقف كيلا أنجرف مع المبالغة الفجّة، وأقف لأحاول تطبيق الاستبطان الداخلي، التأمل الجوُّاني، الريفليكشن مثلما يقول ألبرت الثالث، الكوتش في مركز القادة، وكما قرأت تماماً في كتاب: كيفية الملل،​ واللفظة هناك، في الكتاب، كانت انتروسبكشن، سبر غور الذات، يتعلق الأمر ليس بمجرد تذكر الأحداث إنما بفحص المرء أفكاره ودوافعه ومشاعره فيما مضى من ساعات وأيام وأسابيع، و يا إله السموات، يالها من مهمة شاقة جداً، وسهلة، إذا اعتدُتها.

الأسبوع كان أسبوع العمل بلا منزاع، تدوينة الرجل الدافيء ألقت بظلالها على منظوري حيال ذلك المكان، كنت أغادر بسرعة، على الوقت، تقريباً، فيما عدا الخميس، حيث تلّبثت إلا قليلاً، لأنهم أداروا بقية الأحاديث عندي، وليس من الكياسة أن أصفط شماغي وأضعه في الكيس وأوليهم ظهري، لكنني في غيره كنت أنطلق، نمت في يوم نومتي السنوية لما بعد الظهر، كان يوم قاطعت في الكافيين، وتناولت ذاك الغداء الفاخر بعد العصر، دوامة خس بصوص أبيض مع الخل الأسود، ودجاج ناعم مقلي يرقص من حوله، وبضع أطباق جانبية.

ازدرتها مع ذلك المشروب العجيب الذي أدمنته، الماء الغازي غير المحلى، ماء فوَّار، من النوع الذي يجعل العين تدمع، تبكي قطرات ماء معدنية. ويومٌ في الأسبوع أزهرتُ فيه مثل ياسمينة في حديقة خضراء، توليت دفة الحديث مرارا، بطريقة ما عرفتها من نفسي، لكنني تجاوزت كل شيء، تحدثت عن فقدان الاتزان وكيف أنه قدرنا كبشر، كان أشعة أعينهم تشحنني بكل بلاغة ممكنة أقدر عليا، إيماءات وجوههم وأنصاف ابتساماتهم شيقة ومغرية، من كل نوع وجنس من حولي، أضحكتهم مرتين، قلت سأشارك بالمارثون، وقلت أنك لابد وأن تكون من شيعة ترامب، وموجة ضحك تكاد تغرقنا في ذلك المكان المرتب.

في المساء، سكينة الروح كان ذاك هو الكتاب الذي جرت مناقشته، ووعظتهم ألف مرة، انتبهوا، اسمعوا وعُوا، لا ينتظرن أحدٌ منكم توأماً لروحه، الاندماج الكلي هذا خرافة، خرافة خطرة، كررتها مراراً، حتى ضاق ذرعهم بي، وضحكوا، دعهم في غيهم يعمهون، كنت أقول أن البديل هو نتعلم ممن كل من أفضى بعضنا إلى بعض منهم، وأخفي بعضاً وبعضٌ مما في صدري أبديه، وأبتسم، وأتحدث عن ترجماتي مع جول، مدرس اللغة، ومع ذي تخصص مشترك، عن الريبدو وعن هواوي وعن شكر الفرصة التي سمحت بهذا الحديث، وحديث عن التلغرام، وعن ألا ألقي بالاً لمدير طلب مني أن أستخدم الواتساب، “لا والله! ما عليك منه، والله!” كما قيل لي. واجتماعات لا تنتهي، تهتز روحي في بدايته، ثم أستعرض أسلحتي التي تقنعني إلا قليلاً خلاله وفي نهايته، أعيش اللحظة، أعيش اللحظة بحذافيرها، أحاول.

أضحك، أبعث عن إلهاء عن الألم بألم آخر، وعن حكمة وفي مزيد علم وفكرة واتصال وتواصل، وأحاول ترتيب أولوياتي، والآن وأنا أكتب أقول أنني في وضع جيد جداً في هذا الصدد. الأكيد أن يضيع وقتي في أشياء عديدة، هذا متوقع، لكن البطولة أن تنتقل من فشل إلى فشل دون أن تفقد القدرة على الاستمرار، هذي هي مسألة النجاح، أن تلهيني أحاديث جانبية مراراً، حتى تغرب الشمس، وأجدل مسودات، وأخطط، وتصل الساعة إلى حين الاحتفال، عرس دعيت إليه، فأركض في ازدحامه، كأنني أسعى بين الصفا والمروة، وأطوف بالحاضرين أسلم عليهم وأقضي حقهم، وارد لهم واجبهم، الذي تكبدوه، كان حجاً، حج صلة الرحم، معنى ومبنى، من ناحية المبنى، كان الازدحام كمثل ما لم تر عيني من قبل.

أسمع صوت لسانها وهي تغني بما يشبه حركة استبطاني هذا الذي أقدم لهذه التدوينة به، متلوٍ ويرقص في فمها مثل صوت أوتار بيانو، لن تصدقوني لكن هذا هو الصوت، وهي تنادي أن دعنا نضع في أحضان بعضنا، “لتس قيت لوست إن إيج أوذر آرمز،” بلسانها الأميركياني الترامبي. يتخلل كل ذلك في هذا الأسبوع بعض المكاسب، ترجمتان ستنشران بلا أجر، وترجمة سأشتري بثمنها بخوراً من الماجد للعود، وبداية رحلة شيقة للبحث عن نص في كنز النيويوركر الذي تبين لي الآن عِظم أمر استثماره! وماذا بعد، أن يمضي الوقت في تلميع السيارة وصيانتها بسرعة، وانتظار دوري في الفحص الدوري، هو أمر أتخيل كل قارئ لو يعبر به، بالذات من ذوات الخمار، ولنر كيف يردن أن يصافحن مقود سيارةَ! فكل حق معه مسؤولية أيها البشر الحمقى.

ماذا بعد؟ ماذا بعد يا علي!، ليس بعد، الكثير من الحديث لكن، لنقل أن في هذه التدوينة، بعد هذه المقدمة السبر أغوارية، أعلن إطلاق لمهرجان صغير، صغيرون، مهرجان لي وحدي ربما، تستمر مدته مدة قراءة هذه التدوينة، مهرجان المحافظة على روح النص، مهرجانني أنا، الطِرقي العابر بموضوع الترجمة، وضارب خيامه فيه، لا أقول متطفل، فعندي ما يقوي موقفي من دلائل، ففي التدوينة أترجم  مقاطع نائت بها كواهل نوتاتي في الهاتف والعقل والورق الحقيقي، أحاول أن أمرن عقلي على ما يعود عليه بنفع، وأمسك بأذن ذاتي وأؤنبها على التقاعس عن تمرين التأمل في آيات الله سبحانه، وأيضا في هجر إطلاق القدمين لحساب صحتي في كل تلك الليالي الحلوة، بظلمة سماواتها ونجومها، وبقمرها المضيء مثل وجه المتوردة الواسع الحليبي الذي وددت لو أقرأه ككتاب، وأشمه وأفتش فيه ككتاب، أتجول فيه كمدينة وأستظل بجدران كلماتها الناعمة الثقيلة الواثقة الموزعة في كل الوجوه، وجه/كتاب غارق بعطر التفاحة النينارتشيه إياها.

إذاً فبرعاية من هيئة ترفيهي الخاصة، وتنظيم من شجني واعتمادي على ذاتي، أهديكم تذاكر الدخول بلا تذاكر دخول، فالعبور أسهل ما يكون إلى هذا المهرجان، وهكذا توجت نهاية الأسبوع بتدوينة مزدهرة فيما أظن، ونسأل الله سبحانه حسن الظن.

***

تقول فيرجينا وولف عن التجول في الطرقات بلا هدف محدد في مقالة لها بعنوان: اصطياد الشوارع: مغامرة لندنية.
العبور، النظر الخاطف، يبدو كل شيء محض مصادفة مع أن الجمال منثور عليه بأعجوبة، كما لو أنه جاء كموجة كانت تلك الليلة وهي تلقي بعبئها في وقت محدد ومسبق على حواف شارع إكسفورد  كما لو أنها لم تكن إلا كنزاً. بلا أية نية في التبضع، تكون عيناي لعوبتان وكريمتان؛ فهما تخلقان؛ تزخرفان، تزيّنان، كل أمر تراه أمامي.

​في موسم الاختبارات اخترت أن أترجم هذه القصيدة، عن التفاضل والتكامل، أهديها إلى الصُبح، صبح الاختبارات المشغولة دوماً بالقلق وبغيره من أشيائي، وأنا بعيد عنها بطبيعة الحال، وقلق أيضا، ومن ذا لا يقلقُ؟

قلب التفاضل والتكامل

إن حياتي كلها الآن تعبير عن كل تفاضل في “صاد” لكل تفاضل في “سين”.
وإن كل ذاك قد ذهب بتفكيري إلى ماذا لو كنا أنا وإياك دالةً واحدة فكُنت أنت الاشتقاق الخاص بي،
بعيداً عن حالي الآن والذي لا يحتمل اشتقاقاً ثانياً.
وإن كل هذه الفصول تتناقش فيما بينها ..
عن المشاكل فيما بيننا.
السؤال هو:
أكِلانا يُتقن الحساب بما يكفي ليحل هذه المسألة حتى الآن،
أو أنني متأخرٌ جداً حتى في طرح مثل هذا السؤال؟
الصوت الذي في لسانه القدرة ليبدو وكأنه صوت يشبه البيانو والذي ذكرته في المقدمة، كان يقول الكلمات أدناه: عنونتُها بـ دعنا نضع في أحضان بعضنا.

دعنا نضيع

نضيع في أحضان بعضنا

دعنا نضيع

لندع الجميع ينتبه لذلك

رغماً عن أنهم سيظنون أننا غير مهذبين

دعنا نحكِ للعالم كيف اننا في مزاج مجنون

دعنا نذوِّب الصقيع في ضباب من الرومانسية

دع الجميع يغسلوا أيديهم منّا

من أجل أن نحتفل بتلك الليل التي وجدنا فيها بعضنا

مم، دعنا نضيع

دعنا نَذُب في رذاذ رومانسي

دع الجميع يشطبنا من دفاترهم

من أجل أن نحتفل بتلك الليل التي عثرنا فيها بعضنا

دعنا حتى لا نسأل إن كان يجدر بنا أم لا!

مم، دعنا نضيع

أوه، دعنا نضِع.

 

أخيراً، ترجمة شبه عبثية بطعم التحدي لكلمات أغنية.

تقول:

تعال وتأرجح معي

أوثق وضع يديك حولي بإحكام

ولا تدعني أفر أبداً .. هلاَّ فعلت ذلك

ولنَرَ إلى أين نصل هذه الليلة

يقول:

إنها تبدو رائعة وهي تتثنى

تتحرك مثل أَصَلةٍ في عشب، مع وجه مألوف

لكنها في داخلها روح قاتل متسلسل

بهذا ستبدأ في الدوران في رأسك مثل حرب العصابات

إنها مثل الغابة، وأنا الطريدة

باقٍ لأنني الأصلح، وبيدي الدليل

لكنني في لحظتها أرمي كل ذلك إلى ذاك الجانب

وهي مسترخية فلديها خطة وقبضتها مُحكمة

اقتحمتني، بدا أنها فعلت ذاك مراراً مع العديدين

وتأبطتني، فمن يهتم لو كنت مجرد رقم بالنسبة لها

سأتعامل مع العاصفة بمجرد أن تُسمع الرعود

لقد فتنتي كلماتها

ولقد رأيت جمالها يحتشد في أشكال عديدة

أشكال وأساليب تختلف باختلاف الملبوس

مغرٍ جدا، لكن لا ورد بلا شوك

تركت الأيدي مدماة ممزقة فنَمت كأنها القرون

تريدني أن أرضخ، لكنني أفيض احتقاراً لها

حب و كُره يجعلني بجانبها

بعضهم يصمني بالحُمق، ويلهم حتى يصبحوا في مثل حالي

ستغتال روحك بطريقة تجعلك أنت المُلَوم على ذلك

ذكاء مجنون، وحب خيالي أسود

ادعوه جنوناً، لقد اصطادني خُيلاءها

بطريقة عادية، دمرتني، وكدت أموت بسبب ذلك

هذا يخدر عقلي، أنا مدمن هذا الحب الأعمى

ولو أنني انهرت بفعلها لن ينقذني سوى إلهي

ذلك لأنها ستذهب وستكون أي أخرى سبباً لجعلي أريد أن أعود إليها

سواءً كان ذاك فخراً، كذباً، أو كان ذاك مَكرُاً منها

أو لو كان اسمها الخطيئة، أو الشيطان … فهي فوق ذلك مذهلة جداً

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s