الرجل الدافئ

أنا رجل، واليوم سأتحدث عن الرجال، عن ذاك الرجل، عن رجل له أنف مثل المثلث، حاد، وجارح، ليس أنفه على هذه الصفة فحسب، بل كله حاد وجارح مثل سكين شحذت للتو، صلب ومتماسك، وطويل ورشيق، يتسلق القمم دون أن ينقطع نفسه، متأنق دوماً، ولا أدري لمن! لا يسمح لشماغه أن يفقد تقوساته بفعل محلول النشا الذي سكَّنته المكواة بعناية، كل يوم وكل ساعة، ضحكاته مواربة، حول قضايا مواربة، مثل ملابسات تعيين الوزير، أو ماذا قال الرئيس في اجتماع مجلس الإدارة، وينتقل حديثه عبر المكان مثل بخار خفي لامرئي ناشراً رسائل يرغب تماماً من خلالها أن تنجح خططه في خلخلة كل مل يحيط به، ويمضي كأنه لم يفعل شيئاً. لا ألومه، الحياة عنده كسب، ولا مجال لخسارة، الحياة صعود صاروخي مستمر، باتجاه المنصب الأعلى والكرسي الأرفع، والمال الكثير الوفير، لحاجة في نفس لا تشبع. رجلٌ لا تهتز فرائصة لمُلِمة، ولا يمنح أي أحد أي تعاطف، فنحن هنا في حرب، غالب، أو غالب، ولا يجدر بنا ذكر المغلوب، لا للمغلوبين في مساحات عقله، بما فيها عقله هو. أعلم أنه آدمي، إنه من بني آدم، لكنه من النوع البارد، كول مان كما يقول الأجانب. وأنا أكتب أراني أحاول وصف فكرة ما في عقلي عن هؤلاء الرجال، لكن خيالي يشدني لوصف نماذج واقعية تحوم فيه، وأحاول الانفكاك منها، لا أقصد الذم أو التقليل من الشأن، أو الثأر بكلمات تشفي غليلاً ما أجده في مكان ما، لا، لا، بل هي محاولة للفهم، لم هم هكذا؟ التكاثر العجيب والتنافس الذي لا يتوقف يدهشني، ولكنهم لا يزالون مختلفين، كما قال ربي سبحانه، وكفى به عليماً.

قصدي من هذا التعريج، هو أنني أرثي لتلك الحال، فهي لا تمت لحقيقة أصيلة فينا كبشر، نحن كائنات من ذوي الدم الحار، من الثدييات، التي ترضع صغارها عبر تلك الغدة النافرة، ونذهب إلى بيت الراحة مرات في اليوم، نحن من الهوموسيبيان. فأنا أقول أننا بلا تعاطف ممكن ومتوخى مع أنفسنا ومع الآخرين، وبلا روح سخرية مسترخية تجاه نواقصنا الفظيعة، ومخاوفنا وقلقنا المستبد ما دمنا على أرض الدنيا هذه، وبلا وعي بكوميديا وتراجيديا تجاه مصيرنا في عيش مكدر مثل هذا الذي نخوضه في اختبارنا الدنيوي، وبلا إدراك أن كل كائن حي يحتاج لحب ولعناق ولقبلة على الوجنتين، والشفتين والحاجبين والعينين وجوانب الرقبة وظاهر الكفين وبواطنهما، مُقبِّلين ومُقبَّلين، بلا كل ذاك وأكثر، لا يمكن أبداً لأي أعصاب باردة أن تُحيينا، والحياة غير العيش، لا نحيا إلا بالدفء، الدفء الذي يتولد من شغف بالوجود وترك أثر طيب، ومتعاطف مع كل شيء ما فيه روح، روح تتحرك كالزئبق في جسد. بالعطاء، بالوضوح، بالتقبُّل، بتوقع الأسوأ، وشهوده والإبتسام له حتى يعبر، بالمحافظة على الود المستمر مهما كان من خطأ وفوضى واردة أو صادرة.

لأن هذه حقائقنا مع أنفسنا عندما نخلو بها ونحن في أضعف حالاتنا، على كرسي الحلاق، تحت مبضع الجراح، في أحلامنا، وفي أحلامنا نحن لنا الحرية المطلقة، لأرواحنا بالطبع، ولا تصدق أي أحد يقول غير ذلك، حقائقنا عندما تعثر قدمنا ونخر للركبتين خالين على الرصيف المظلم، ونتلفت فلا نرى أحداً رآنا، فنطمئن للخجل الممكن، أو يقيدنا الإغواء في أماكننا، أو يسحبنا إلى آخر الدنيا، نتخلخل عندما نفقدهم، وتهزمنا -نحن الرجال- دمعة، دمعة أم، وامرأة، وطفل، حتى مشهد في فيلم سينمائي. فلم القسوة؟ والصلابة؟ كل هذا الزيف. نحن كذكور مثل حديد الزهر، صلب وقوي ويتحمل الضغط العظيم، لكنه ينكسر مثل أي شيء هش، حقاً إن الذكورة أمر هشّ. نحن ضعفاء وحساسون ومليئون بالثقوب، لماذا نتخفى خلف البرود، والدفء خير من ذلك لو كانوا يعلمون.

الرسالة عبر هذا المنبر تتوجه الآن إليك أنت، أنت أيها الرجل الدافئ، حافظ على درجة حرارة لطفك، ورطوبة عرق خجلك، وترددك، وتورُّد وجنتيك عندما تسمع كلمة بذيئة، واعترافك بأخطاءك، في ثورة غضباتك الطفولية، في حركات يدك النفَّاضة في الهواء، في توترك المهتز، وابتساماتك البريئة أثناء طلبك للعفو، وتذللك لمن يقع في قلبك حبه، ومع ذلك حافظ على عظمة انكسارك أمام رجاء الطفولة، واضحك على حساسيتك الملتهبة، حتى تدمع عيناك، خذ بعدها بيدك سيفك ذا الفقار واضرب ضربتك تلك، ضربة الخائف، التي تودي بالخوف وأسبابه إلى حيث لا رجعة، حوِّل مآسيك إلى نكتة أمام المرآة في الصبح وفي المساء، حتى لو ضحكت واهتزت ترهلاتك، كل ذلك اجمعه في كلمات تكتبها في قصيدة، أو رواية، أو حتى تدوينة، كلها أثمن من الملايين والمليارات التي تطفح بها القوائم المالية لأكبر مئة شركة في العالم، ونحن بشر، لسنا أرقاما باردة افتراضية، نحن كلمات وجمل وفقرات تتحدث، تصرخ، تهمس، تضحك، تبكي وتقهقه، نحن كلمات دافئة، نحن الرجال، نحن، نحن، نحن الدافئون. وليذهب الرجال الباردون إلى شتاءهم القاحل، فَلَنا ربيعنا المُزدهر المُشاع.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. Asma'a كتب:

    تدوينة جميلة جدا يا علي، لا اريد كتابة ذلك فقط لان هذا الوصف البديع يستحق اكبر مساحة ممكنة للقراءة !

    إعجاب

    1. علي كتب:

      مرحباً بك وشكراً للمتابعة والاهتمام والتعليق.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s