لوحة دودة الكتب – كارل سبيتزويغ

carl_spitzweg_021

المكتبة هي المكان الذي يجب أن تضيع فيه لتجد نفسك، والمكتبة هي مستشفى النفوس، والمكتبة بيت راحة الأرواح، هذه بعض الكلمات التي بحثت عنها وأعجبتني، وأجدها لا تكفيني لتفي بما أكنه تجاه المكتبات عامة، ومكتبتي على وجه التحديد. فعندما يلوح أمام ناظري رف مكتبة في أي مكان وأي زمان، أطير بشوق باتجاهها، ولا يمكنني أبداً أن أفوت ذلك، ولو عذلني العاذل وضاق بي القريب الحميم. اللوحة أعلاه، لوحة بعنوان دودة الكتب، أحببتها للغاية، رسمها رسام ألماني اشتهر بأعماله التي تسرد الحياة اليومية، وبلوحاته التي فيها تظهر تعابير شخصياته كشخصيات ذات ظرف وطرافة ملفتة، اسمه كارل سبيتزويغ، ومصطلح دودة الكتب، هو وصف لذاك الذي يتعايش مع الكتب ويقرأها ويتدارسها أكثر من المعتاد. الدودة، دودة المكتبة تعيش وتسكن ككائن دقيق في داخل الكتب، ومن هنا جاء وصف ذاك الشخص بنفس الاسم. هذا التعبير بدأ استخدامه حسب احصائيات جوجل في العقد الأخير من القرن السادس عشر، واللوحة أعلاه رسمها كارل في العام 1850، عاش كارل في مملكة بافاريا حتى بلغ السابعة والسبعين من عمره، مات في ميونيخ، ويعتبر من رسامي العصر البيدرامايري وهو يعنى بالأسلوب الكلاسيكي المحدث إذا أردنا التبسيط. حيث يكون التجديد فيه متسقاً مع الأصول القديمة للأماكن والرسومات، لكن مع بعض الحدة والخروج عن النسخ الزخرفي الأول. أرسله أبوه ليتعلم الصيدلة فتعلم الرسم، وتتلمذ على نسخ أعمال فيلمش، حتى غدا أشهر مصوري الحياة اليومية الطريفة.

اللوحة أعلاه تمثل نموذجاً فكاهياً لسبيتزويغ، الأسلوب التندري في الرسم والوصف والمبالغة في تصوير المعنى. وتصف الرسمة صورة محافظة للفترة الثورية النابليونية، وتستثير في الوقت ذاته العودة إلى السلوك القديم المحافظ في الفن. في الأصل كان اسم اللوحة (المكتبي، الكُتبي) وهي تصور أحد محبي الكتب والقراءة الكهول في حالة توحَّد مع المكتبة ومحتوياتها. لبسه المهلهل، وتموضعه في أعلى سلم طويل قرب رف المكتبة الذي يشير إلى رف كتب الميتافيزيقيا، أو فلسلفة ما وراء الأشياء الفيزيائية للكون والعالم، وبين قدميه كتاب وتحت ابطه واحد، وبين يديه آخر وفي يده الثانية ثانٍ. لاحظ اقتراب وجهه من صفحة الكتاب حيث تظهر اصابته بقصر النظر. يبدو غير آبه بما يحيط به، فلا الديكورات الباروكية تهمه الآن، ولا حرصه على ألا يظهر للعيان طرف منديلة القطني من جيبه، مع هيئة مهذبة في الوقت نفسه دلت عليها حسن ارتداءه لسرواله الأسود الواصل إلى ركبتيه. تشير عملية انغماسه إلى تمسكه بقيم المحافظة وتوجهاتها، اللوحة أنجزت بعد ثورات عديدة هزت أوروبا، هزت عالماً بدا مستقراً لوقت طويل. في الصورة أيضا توضيح لانعزاله في خضم هذه المكتبة المترامية الأطراف، ولو لم تبد كل تفاصيلها، فعلو السلم وبعده عن الكرة الأرضية في طرف الصورة، يوحيان بذلك، ويوحي أيضا بتجاهله للعالم ما دام في مكتبته. الإضاءة من أعلى السقف، من نافذة غير ظاهرة جاءت لتنير له صفحات كتابه، وتسمح له بقراءة الكلمات في الكتاب العتيق الذي يقرأه. في ارتفاع السلم اشارة غير مباشرة لارتفاع منزلة الدارس ومتابع الكتب. وهيئة الرجل ومرحه المتوقع يجعل للوحة طابعاً واضحاً يشير إلى أسلوب معتاد لرسامها كارل سبيتزويغ كما هو الحال في لوحاته كلها أيضا، والتي أضيفها في نهاية هذه التدوينة أيضا. أعجبتني كل لوحاته من حيث أن فيها تناغم مع الطبيعة، وفيها بهجة خفية، وتفاؤل، وأيضا فيها هدوء واسترخاء مستحب، وأخيراً فيها نوع من العزلة المطلوبة والتركيز على الهدف والعناصر بين عناصر اللوحة. وتبدو كل لوحة وكأنها لقطة من فلم كرتوني محبب يعيدني لحظات إلى طفولتي. فتجد لوحاته ذات الطابع اليومي تشير إلى الجنايني، وإلى عالم الجيولوجيا، وإلى الشاعر الفقير، وإلى الراهب الذي يشوي طعامه، وأيضا القارئ، والمحاسب، وصائد الفراشات، ومحب شجرة الصبار وغيرها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s