جماعة تكسير الآلات – اللاواديتيون

on

هذا هو عصر السرعة عصر اللحظة عصر الجزء من الثانية عصر لوحة الحاسب الافتراضية عصر شاشات اللمس عصر الاتصالات فائقة السرعة عصر الواتساب عصر اللاخصوصية عصر خطوط الانتاج الهادرة عصر الكتب الافتراضية عصر الإلكترون عصر انشطار النواة عصر القرص الصلب غير المكيانيكي (SSD) عصر الطائرات بدون طيار عصر السفر إلى الفضاء عصر الهولوجرام عصر انعصار الإنسان إنه عصر الآلة!

كتبت تدوينة في ما مضى من الزمن أعزي فيه نفسي وأحارب هذا الوحش الهجين، الذي تكون من صلب بيئة العمل وترائب التقدم العلمي، هذا المسخ المرعب الذي يتغول كل يوم ويجعلني أهرب إلى حيث أين لا أدري، غزو فظيع من كل اتجاه، الهاتف الذكي لا يفارق جانب السرير، وتفقد الجديد من تحديثات وأخبار صار على بُعد أنملة، الهاتف الذكي في أيدينا هو مضخة دوبامين، يشبه المخدرات تماماً، المخدر يطلق بطريقة مرعبة هذا الهرمون المسؤول عن الانتشاء والراحة والارتخاء واللذة، ولما كان هوى الإنسان دوماً متجها إلى تلك الحالة، كان سهلاً أن تكون التقنية مطية كل صاحب قصد وغاية، شريفة أو غيرها، التقنية ليست تقنية وحسب، إنها هندسة مجتمعية وإنسانية الحرب فيها مفتوحة الجبهات، وتثير الغبار -للتعمية – حولها جيوش الرأسمالية الجشعة غير المنضبطة، والتي لا تشبع، وتنوء بكاهلها الفوائد من كل اتجاه، إنه ثقب الطمع الأسود الذي يلتهمنا أكثر فأكثر كل يوم، الهاتف جهاز نفسي، يلعب في نفوسنا، أخذ مكان الشروق والغروب، وكان الغيوم ومكان أعيننا، فصرنا لا نرى إلا ما نصور، وأخذ مكان كل شيء حقيقي نختبره واقهاً بحواسنا، والهاتف هنا بالمناسبة كلمة رمزية، الهاتف هو أقرب ما جاءت به التكنولوجيا لنا، ولذا أن متمسك كل مرة بضرب مثاله به، هو آلة التقنية الجديدة، ونبوءتها الكاذبة التي لا تنفك تتجدد باستمرار، وكل ما ينطبق عليه ينطبق على كل شيء تقني لا نتعامل معه بوعي كاف.

بعد تيكم الفقرتين، أستطيع القول أنني استطعت من خلالها توضيح توجهي النفسي ومنظوري ورأيي نحو العمل والتكنولوجيا، والتوجس الذي ينتابني حولها لا ينفك عني، وأحاول جهدي أن أبقى واعياً لما يمكن لكل تلك الأشياء التي تفعله لتجعلني أقرر القيام بفعل ما أو أقول كلمات معينة، الوعي هو قيمتي الكبرى والجوهر الذي أنافح عنه في حربي ضد فكرة تطبيق مثل الواتساب، أو انغماس كلي بتويتر أو سناب تشات، أو الرضوخ تماماً لشركات البريد الالكتروني، تلك التي تغدو أقوى وأشرس وأمكر مرة بعد مرة مثل جوجل، وتلك التي تترنح مثل فاعلة سكرى دوّختها سرعة الأيام التي تذهل كل ذي لب، أعني شركة ياهو.

أحاول أن أتمسك بالقلم أكثر، بالكلمة بالجملة، بالفقرة الكاملة، بالسطر وبالكتاب ذي الأربعمائة صفحة، وألمس بيدي أوراقه، وأقلبه وأعيده إلى الرف، وآخذه مجدداً. أحاول أن أسقي النبة على مكتبي، وألتقط أوراقها اليابسة، خوفاً من يوم تتحول إلى نباتاتنا إلى نباتات إلكترونية أقرب للبلاستيك لكنها تتكلم وتتنمر علينا، أتأمل كل هذه المجلات اللذيذة التي هجرت وبكت دمعاً مسفوحاً على الرفوف. أحاول أن أتنقل بلا هاتف ولا انترنت، ألا أتابع إلا كل رصين وطويل قد تمنحه التقنية بعيدا عن أي تشتيت. لكنني غارق، وأحاول السباحة، أغوص أحياناً، لكنني أحاول أن أجادل، على الأقل أنكر هذه البوهيمية التقنية من حولي، بلساني، ولعل هذا أوسط الإيمان، ليس أقواه ولا أضعفه. أدفع بقوتي باتجاه الاتصال الانساني المباشر ومصافحة اليد، والضحكة الحقيقة، بدلاً عن : ههههههه، وأستبدل كل هرب متوخى باستخدام الايموجي بكلمة ذات معنى، وأكون واضحا ومحدداً، لا أمنح التقنية فرصة أن تستبدلني، وتستبدل مشاعري وتزيفها. لا أدري إلى أين يصل بنا العالم الافتراضي المجنون لا أدري، لكني أقاوم، أحاول أن أقاوم.

يتصل بكل الحديث أعلاه، بحث أجريته عن شخصية ملفتة، وعن جماعة تكونت وأثارني تفردهم في التوجه، في خضم كل هذه الأجواء الآنفة. نيد لاد (Ned Ludd)، واسم الولادة على الأرجح: إدوارد لاد لام. عاش في نهاية القرن الثامن عشر، في إنكلترا، وشاع من بعد فعلته الشنيعة مذهب في عالم مقاومة التقنية والعمل التقني تحت مسمى اللُّاوديتيِّه (Luddet)[1]، ففي عام 1779م كسَّر نيد آلتي نسيج تستخدمان في مصنع لنسج القطن، في سَورة غضب جعلت كل الحوادث التالية تنسب إليه بتندر على فعلته، كان البشر ولا يزال كثير منهم، يضحكهم فكرة الشخص الذي يقاوم التقنية ولا يستجيب لمحاولات التأقلم معها، نعم أدري أننا نتقدم بهذا الأشياء وننجز الأشياء بسرعة، لكن هل هو شيء في صالحنا دوما؟ إن للكون سننه كونية، ويعتقد هؤلاء القوم أننا نخالفها. شئنا أم أبينا، صدقنا مع أنفسنا أم كذبنا عليها، سؤال: من يمشي على رجليه اليوم؟ السيارات والطائرات والقطارات سهلت الأمر جداً، لكن في الأمر مفارقة، مفارقة أن تكون جزءاً من الآلة وشبيهاً بها، جامداً، بارداً، محايداً، كأنك فرغت من الدم والعصب واللحم والشحم والمشاعر والأحاسيس والتعاطف واللغة والعقل والروح والنفس. وسؤال آخر، لم علينا أن نعمل 8 و12 ساعة في اليوم وكل هذه الآلات والتقنية من حولنا؟ لماذا؟

luddite

نُسبت إلى نيد لاد كل العمليات التخريبية المماثلة (صورته أعلاه)، ونشأت الحركة اللاوديتية، والتي منها تحولت شخصية نيد إلى فلكلور مقاومة كل آلة في بيئة العمل، آلة مقرر لها أن تحل محل كل إنسان يعمل وينتج بيديه، فصار اسمه الكابن لاد، الجنرال لاد، والملك لاد، وصار موجهاً وقائداً لهذه الحركة المزعومة. اللاوديتيون (luddites) جماعة عمال محطمي الآلات، كان هدفهم في الأساس في ذلك الزمن القديم هو مقاومة تلك الآلات التي بالعفل ضاعفت انتاج القطن والصوف لكنها هددت فرص عملهم في المصانع كما اعتادوا، والأدهى أنهم صاروا يعملون أكثر خدمة للآلة التي تنتج أكثر وتمنحح أسيادهم الكثير وتقلل من وقتهم الذي ألفوه لأنفسهم، هنا نقطة الأنانية بين الرئيس والمرؤوس، مالذي يمنح المرؤوس مزايا أقل من رئيسه؟ سؤال جوهري. ومصطلح لودايتي يعني: الشخص الذي يعارض تنامي الصناعة أو التقنيات الحديثة خوفاً من طغيانها وسيطرتها على الحياة.

في العصر الحديث، بدأ استخدام نفس المصطلح في العام 1956م حيث ورد في خطاب برلماني أسباني حيث روج لها على أن الحركة المضادة لكل أنواع التقنية. وعرًّفها مجلس اللاوديتية الثاني المنعقد في أبريل 1996م بأنها حركة لا قائد لها، تعنى بالمقاومة السلمية للاستهلاك في عالم سيطرة الحاسب الآلي بغرائبة وعجائبة ومخاوفة التي تنتهي على الفرد والمجتمع. وفي الاقتصاد فإن المفهوم يستخدم لذات الوصف لكن مع توضيحات أكثر تتعلق بتأثير مثل هذه التقنيات على العرض والطلب والأسعار، وعلى البطالة وعلى العدد الأمثل لتشغيل صناعة معينة، وارتباط ذلك بالتباطؤ والانتعاش الذي ينتاب الأسواق فترة بعد فترة، ويربطونه أيضا بمصلح العطالة التكنولوجية، وهي تثير مخاوف فقدان الوظائف بسبب وجود آلة تقوم بعمل الموظف، الحقيقة والواقع، أن الأعمال تقوم على أساس تقديم خدمة وحصول على مقابل لها، ثمن. وبالتالي لابد من وجود بشر على هذين الطرفين، لكن تضخم مصالح طرف على حساب الآخر، لا شك أنه يضر بالمنظومة بأكملها، وبالتالي فالوعي والتوازن هو السبيل للنجاة. وبعد؟ هذه تدوينة توثيقة لموضوع شدني جداً، وشعرت أنني بحاجة لزيادة المحتوى العربي من خلاله، وأما الجزم بصحة فكرة أو توجه، فلست قريباً منها تماماً، لكني أحاول أن أفهم وأستوعب بمساعدة فعلين: أن أقرأ وأن أكتب، وهأنذا فعلت، وأجد أنني على الطريق الصحيح، والله الهادي سبحانه والموفق.

هوامش:

[1] قرأتها في ويكيبيديا: لاضِيَّة، وأتباعها لاضِّيون، واخترت لاوديتيون من واقع نطق مترجم جوجل.

[2] مقال رائع ذو علاقة لاستقبال المستقل: http://www.skynewsarabia.com/web/blog/927277/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%81%D8%B1%D8%B5-%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s