عُبور الربيع

on

أتعلَّق ويمسك بي قدر الله في قوسه، ويُشَد القوس إلى أقصاه، حتى يكاد أن يتقطّع، ثم يفلتني كالسهم مخترقاً أياماً وأسابيع كشهيق وزفير سطحي لا يزيدني إلا قلقاً فوق القلق الذي يجعلني كمثل ممتطي الريح تحته، علي السهم القلق، هذا الاسم الجديد، تحته الرياح يوجهها في كل يوم إلى كل اتجاه، أو هي توجهه، مثل قدر السفن المُتعَبة. لكن مهلاً، يا علي مهلاً، أخاطب نفسي وأمسك بكلتا يديها مشفقاً ومواسياً، لك سلوة، سلوات، فلا تأس على اللحظات الفائتات، والتعب منسي. سلوتك في الكتابة دواء الأدواء، دواء الأدوية. أكتب، أكتب، واصنع كوناً يحتضنك في وحدتك مع أفكار عقلك وروحك وقلبك، وانعتق، وتورَّد مثل مارس تماماً. مارس الربيع الذي يشبهك، يشبه نهمك للفصول، فيكون فصل الربيع في نجدنا، نسيماً عليلاً تارة، ومطراً منهمراً مرات تبعث على السرور، وبرق بلا رعود، وأيام دافئة، نهم ولا يكتفي بنمط ما، ملول وهذا شيء سيء جداً.

وأسجل الأفكار، مع كل يوم يسجلني بدوره في ما يمضي فيه. مثل أن يتيأ لي أنني الكوكب، أننا كلنا كواكب تسبح في ملكوت ما، ولنا أقمار تدور حولنا، وقد يكون لنا حزام زحلي يحوم حول تخومنا، كوكب ينجذب إلى الكوكب، وكوكب عرضة للنيازك، وكوكب يقترب من شمس فيكاد أن يحترق، وكوكب يكلله الصقيع وبرود الأعصاب، والبرود داء لا يدري عنه صاحبه، عندي فإن البرود إشارة إلى قلة المسؤولية ونقصان في تقدير حرمة الذات، احترامها، أخلاهم من الهم أخلاهم من الفطن، فالكواكب نحن البشر والبشر أشباه الكواكب، ندور حول أنفسنا، وتشرق علينا شموس وتغرب عنّا نجوم.

وعلى استحياء أراني أقوم بالأشياء، فلا أندفع كُلِّي واثقا، مع أنني أتقطع من داخلي توقاً، لكنني علي الذي هو على استحياء، يعيد كتابة الرسالة مرة، مرتين، يفتش عن مرادف لكلمة، يريد أن يقول فلا يجزم القول. يحوم حول الحمى ويهتز فرقاً من أن يقع فيه. على استحياء ألقي السلام، على استحياء ألقي النظر، على استحياء أقترب، على استحياء أبتعد، على استحياء شابه الحذر والتحوط والحسابات التي تنتهي وتبدأ من جديد فلا تنتهي. على استحياء من كل شيء، وكأنها محاولة أن يغطي الخجل وقلة الرغبة بستار خلق لا يأتي إلا بخير. على استحياء من عبور الطير، وركضة القط، وممازحة الصِبية، وأولاد الجيران، وممازحة العامل في المغسلة، والسائل، والآمر والناهي، والرئيس والمرؤوس، كأنه بيت شعر ابو دباس تماماً:

جنَّبت وسط السوق وأمشي مع الساس ،،، آخذ شوي الحق وأترك كثيره

ويمر الوقت ويحدث بعد وقت طويل أن أزور السينما مرتين، مرة وحيداً، ومرة برفقة، المرة الوحيدة شاهدت فيها على التوالي أشخاصاً بهيئة عملاقية يسدوننا النصائح والأفكار والمشاعر بالصوت والصورة، أن تلتهب أحاسيسي أكثر من مرة، وأحلق في الأفكار التي تتولد من بعضها البعض مثل فراكتلات رياضية، يغني الغوريلا عازف البيانو قائلاً:

I’m still standing better than I ever did. Looking like a true survivor, feeling like a little kid.

ويثور الأب ويجتاز الصعاب مثل كل أب سوبرماني في العالم. أو أن أحلق مع فكرة الفلم الحالم، ذاك الفيلم الذي هو لي، فيلم لعلي، يقول لي أنك عندما تحلم، فأنت بخير، أنك تطلق لعنان روحك الأمل واليقين بأن كل شيء ممكن ولو أن كل شيء في الحياة ليس بوسعه أن يكون مثالياً، لكن الأفكار فيها علاج يخفف من أنين الذات وكدر الحياة. صحيح أنني في أجواء مثل هذه تجري عليَّ عملية شانغهاينية وتمكن أحدهم من أن يجعلني أنخدع بالمعاني البراقة، فآمل بسبب مجموعة تغني جميلة تقول بأن لابد وأن هنالك شخصٌ ما بين الجُموع، أو أن يعنفني أحدهم وأتلذذ بذلك لأني أحبه، يقول لي سأسجنك في صحراءك، لاسيما قرب عهدي بالصحراء، أو أن يتهكم عليَّ بأنني ثائر دون قضية، ياللأسى! ويرد: كيف أثور وأنا مجرد مقلِّد، ولا جواب. أقول لنفسي سأدعك لكني لا أريد، تلك الحالة التي يقول عنها بروست الفرنسي في كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك: رغبتك في ترك أحدهم تأتي وتتعاظم عندما تعلم أنه لا يمكنك ولا تكمن رغبة لك في ذلك، أنك لا غنى عنه لك. سأترك الحياة تصارعني وتلكمني مرة، ومرة ومرات، ثم أرد لها كل ذلك، الصاع بصاعين. لأنني سأكون أقوى، والحياة في آخر المطاف صراع وتسويات وموسيقى، موسيقى بشرية، كل إنسان كوكب، قلت هذا، والآن أقول أيضا أن كل إنسان معزوفة، لحن وتناغم وإيقاع، وأن تنسجم معها يعني أن تكون موسيقاكم متزامنة، أو أن تختار أن تكون اللحن وهي الكلمة، أو هي اللحن وأنت الكلمة، والأخيرة أقرب. فيتطور الإيقاع الوحيد المتكرر المملول إلى سمفونية تطرب لها أذن الكون. وأخرج، أركل صخر الأرض، والسماء من فوق فيضان أبنوسي، والأرض من حولي ممتلئة بالضوء المبهر والوحدة، وحدة تشبه العزلة، وفي مؤخرة دماغي أغنية تدور بلا انتهاء:

وأركض إلى موعدي، في محل صيانة الهاتف، هاتفي المنثني عند فتحة الشحن، هاتفي “المنعوي من تحت” والذي تعتدل به كل امكاناتي تقريباً، ويخيب أملي بالنتيجة وأسعد بالتجربة، وأتذكر فكرة الحافة والمنحنى، أن أقف هناك مرات على خطر من القفز ولا أقفز، أن أمشي على الحافة ولا اسقط إلا أن أعثر، وقلبي وأشيائي كلها تخفق بشدة، تنبض، وأثقل جداً، تؤلمني مفاصلي، وكل خلية عضلية في جسدي، فأنزل عن الحافة، فلا أطيح، وأتذكر رفيقي القديم المشي، فأمشي، وأسمع لاري كينغ وهو يقول: “لماذا؟” سؤال جيد، وأستلهم مشيي الطويل على الرمل، أركله بشده، أنثر عليه عبر قدمي كل أساسي وتعبي وقلقي وطاقتي المتبقية، الرمل هذا الكائن العجيب، ذرات لكنه بحر من الذرات، دافئ وحار وبارد، في يوم واحد. أركله ويحييني لأنه تراب وأنا من تراب، فأعيش أكثر، وأحاول أثناء ذلك أن أحيا.
في هذه الحياة أعيش على قاربي المنعزل، لكنه قرب الجزيرة، تغريني البحور بالاقتراب منها، وأقترب على استحياء، مثل كل مرة، مرات خطرة، أقترب حتى يكاد أن يلتهمني ويفنيني، وأهرب، أجدف كل مرة، محاولا المقاومة والعودة إلى جزيرة الطمأنينة، حيث ولدت وحيث يطيب العيش وحيث سأموت، ويصيبني الدوار في البحر البعيد ثم أعود وأسكن من دوار بعضه لذيذ منتشي، فألقي الجسد ذاك حتى يأكل النعاس منسأتي تحت ظل نخلة وأنام بلا أحلام ولا أنغام.
أن يعبر هذا الشهر الربيعي الحلو على الإطلاق ولا ألتقط زهرات انتثرت في كل الرياض هو أمر يبعث على الإحباط، وهذه الزهرات الصفر التي ملأت كل منداح من الأرض وكل شق وكل رصيف لا يملكني إلا أن أراها وأشمها وأختبرها وأصورها وفاءً لمطر الشتاء والربيع ولشمس الحنان الدافئة التي ما نستني في الشتاء، وأن أنفصل عن كل ما حولي وهي أمامي على مد بصري وأبحث في أسماءها وأشكالها وأنواع بحث المتعب المستلذ بالتعب، غازانيا الرياض، لك قبلاتي وأشواقي، ووداعاً فعما قريب تذروك الرياح الساخنة التي تغزونا كل مرة.
أحاول أن أكتب شيئاً يمثلني، ثم أن أحاول أيضا بعث شيء نساه الناس في نفوسهم أن أذكرهم بأشياء ألفوها حتى لم يعودوا إلى الالتفات نحوها. أذكر الناس بما نسوه، وأشاركهم شغف الكلمات الذي لن أنفك عنه، وأشرب معهم ما يبل صدى القلوب التي لا تكل ولا تمل من المحاولة. وأقرأ لهم أن مستوى الحياة الكريمة ينطوي على تحقيق تفوق في العمل لا بأس به، وبالتي يحقق المرء شروطاً أفضل لذاته ماديا ومعنويا، وهي مكاسب ليست بالضرورة مادية، فالمال مثل الدم تحتاجه لتعيش لكنه ليس الغاية من الحياة، ولا شيء مطلق ولا أحد فاشل، الاخلاق واحترام الذات حل لمشاكل المجتمع، النجاح المطلق أيضا خرافة، والفشل المستمر كذبة وعذر أحمق، إنما هي تجارب.
أحشو أمسياتي بكل تلك النشاطات التي هي خارج سياق سياقاتي الروتينية، أنعتق من ربقة الرتابة، وأتمثل دور الكاتب الإبداعي في ملتقى يملأ جنباته التسويق، وفي التلفت تلويح لمن غفلاً، وأسأل سؤالاً عن الشاعر أسامة عبدالرحمن في أمسية تكريمية، عن مؤلفاته، في أرخبيل القمر، وعن مغامرات كلية التجارة، وعن عمادته، وصورته المعلقة، ولا يُشفى غليلي. وأشاهد الشيخ الثمانيني يسمعنا من قول معروف:
أفأنت أغلظ مُهجةً من نوقهم ،،، فقد استَحثّوا بالحُداء النوقا

إلى أين أصل؟ إلى حيث أخذتني التدوينة، إلى نهايتها، وبداية ستأتي بعدها نهاية، وبعدها ما بعدها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

Advertisements

4 Comments اضافة لك

  1. Reemz كتب:

    أعجبني اُسلوب تدوينتك ليوميات ولحظات متفرقة هنا يا علي، وكيف انتقلت بين الأمور بسلاسة وخفة دون ان اشعر بالتشتت. تدوينة فيها شيء يثبت سحر الكلمات والكتابة بشكل عام.

    أطيب التحايا

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً يا ريم على اهتمامك وتفاعلك، موعد الكتابة التدوينية ورحلاتها أحبه وأحب عوائده، ومن عوائده مثل كلامك اللطيف الذي يسرني أيضا، مرحبا بك وبتعليقاتك، طاب يومك.

      Liked by 1 person

  2. Yazeed كتب:

    امرا كان مفعولا*

    لا جديد مع تدويناتك ، اشتاق لها كشوقي للمطر عندما تهل كلماتك العذبة.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً لك يزيد على التصويب، وكلماتك اللطيفة تسرني وتسعدني، أهلابك.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s