سؤالُ شوقٍ

حيث أعمل، يجاورني شاب لطيف، أحب دوماً أن أحاوره، الحوار يبدأ كل مرة بسؤال، أناديه: أنس، من تتوقع يقرأ مجلة الأتلانتيك عادة في أمريكا؟ هل يقرأها الشباب؟ المتقاعدون؟ ويسألني: لماذا؟ أجاوبه بأن الإعلانات موجهة لفئة ما، وبما أنك كنت هناك يوماً ما رأيت أنك قد تعرف أمراً ما عن هذا. ولا يقف الأمر هنا، نبحر في مواضي شتى، ولا نتوقف. أرأيتم في بداية حواري معكم أنني بدأت بالأسئلة، الأسئلة مفاتيح حقاً، ولو رأينها أقفال، الأقفال الحقيقة هي الأجوبة المطلقة، وما أسوأها في هذه الحياة، تلك الأجوبة المطلقة النهائية. الأسئلة بكل أنواعها وأشكالها مقاصدها وتوجهاتها هي فرص، هي بوابات جديدة، هي مفاتيح لأبواب وراءها أبواب مغلقة، وراءها أبواب، تماماً مثل ما في قصة أليس في بلاد العجائب، الأسئلة انعتاق وانطلاق في السماء، الأجوبة فخاخ، قيود تمسك بزمامنا المتوهم نحو الأرض. الأسئلة مفاتيح التفكر والبحث والتعلم، إنه ذلك السؤال السخيف، الذي سيجعلك أخف ويتيح لك التخفف من ثقل الجواب المتوهم أو غير الواضح، التساؤل بالنسبة لي تخفف، وبالمناسبة فالسؤال السخيف، هو السؤال الذي لم يُسأل بعد، أو السؤال الذي لا يُسأل هو السؤال السخيف، وسيبقى سخيفاً لا معنى له حتى ننطق به ونعتقه من أفواهنا، أو السؤال عن الفيل الوردي الذي يملأ الغرفة، ونراه ولا نراه. السؤال في فهمي مرتبط بالتفكُّر، مرتبط بالتواصل، مرتبط بالوعي. الوعي هو ذاك السلوك الذي نحاول أن نختاره حتى نتصالح مع الحياة أن نجنح بتفكيرنا إلى الرغبة في حب الأشياء والنظر إليها بتجرد من أي قصد أو صفة مؤقتة، أن نستوعب سلوك البشر والأشياء من حولنا على أنه ميل للتعبير عن ألم أو نقص أو عدم ارتياح بدلاً من استقباله كتأثير علينا أو رغبة في سلبنا أو منحنا ما لا نريده. الوعي هو تلك المشاعر أو الحالة من الاسترخاء التي تنتابنا أول ما نصحو من النوم، أو عندما نوغل في سهرة ليلة وحيدة دون أي شيء يشغل البال أو يقلق الذات، حالة من السكون المتوخَّى، والذي يجعلنا ننظر تجاه الحياة بمنظور واسع جداً، وباستشراف عالٍ، يحلّق بنا بعيداً عن هرم احتياجات البشر أو رغباتهم الآنية قصيرة النظر. الإيغال في السؤال أيضا فن وعلم، فلا يسوغ لك أن تسأل دون علم، ولا يطيب السؤال إلا بعد تفكّر يسبقه، وإلا كيف ستغوص أكثر في طبقات المعرفة المتتالية، السؤال المتسلسل، اللماذات المتتالية التي تجعلك أكثر إدراكاً لكمية الوهم أو الحقيقة فيما تقوم به.

الأسئلة أشكال، مثل كثير من الأشياء من حولنا. لمَ لا نتجول قليلاً في أشكالها وأغراضها؟ ولعلك انتبهت أن هذا سؤال، وأنني نجحت في لفت انتباهك لما سأقول، وهذه فائدة رهيبة أيضا لفكرة السؤال، السؤال التفات، اسألني وانظر كيف ستلتفت روحي نحوك. التساؤل المباشر، مثل هل تعرف ماهو التساؤل المباشر؟ والتساؤل غير المباشر مثل: أتعتقد أن التساؤل المباشر مهم لأنه مفيد؟ والتساؤل الارتدادي لمجابهة انحراف الموضوع، مثل: هل بالإمكان أن نضع تساؤلك عن الكناغر في قائمة الأسئلة المفتوحة؟ (لاسيما أننا نناقش مسألة الأسئلة وأنواعها وسؤالك عن الكناغر لا سياق متعلق له)، وهناك أيضا التساؤل التوكيدي، مثل هل تقصد أن التساؤل المباشر يعني أنك تريد أن تستوضح أكثر؟ أو أيضا التساؤل الذي يقود للتساؤل الإضافي أو الجواب: ألا تعرفون مقاصد أخرى للتساؤل المباشر؟ ثم سؤال الاستزادة، ماذا تعرفون أكثر من مفاصد التساؤل المباشر؟ وتساؤل الموسوم، أن تسأل: هل هذا المقصد مقصد مهم من مقاصد السؤال المباشر؟ فهنا وسمت السؤال بالأهمية، وأخيراً: سؤال القصد الطافي، أن تبعث بقصد على قارب يطفو ليمسك بمرساته أحد المستقبلين، مثل أن تقول: ألا ترون أن السؤال المباشر يعطي وسيلة سهلة للفهم؟ كلها أسئلة، اسئلة تبحث عن شفاء، شفاء المتنبي في بيت قصيدته الشهير، كثير من السؤال اشتياقٌ، وكثير من ردِّهِ تعليلُ.

الكتب، تبدأ بسؤال، القضايا الكبرى تبدأ بسؤال، القضايا الصغرى أيضا، والمتوسطة كذلك، الأخبار المهمة تبدأ بسؤال، الاختراعات تبدأ بسؤال، البدايات تبدأ بسؤال، النهايات تبدأ بسؤال، النهايات تنتهي بسؤال، السفر يبدأ بسؤال، الإياب، الغياب، سؤال، سؤال. الطبخة تبدأ بسؤال، النوم يبدأ بسؤال. الشوق سؤال، القرب سؤال، البعد سؤال، البرد سؤال، الحر سؤال، العطر سؤال، العطش سؤال، الجوع سؤال، القصة سؤال، القصيدة سؤال، اللوحة سؤال، الرسمة سؤال، التدوينة سؤال، المدونة سؤال، الفراغ سؤال، الانشغال سؤال، الكتابة سؤال، عدم الكتابة سؤال أيضا، التوقف سؤال، الاستمرار سؤال، البداية سؤال، النهاية سؤال، الحياة سؤال.

مخرج:

شوقي إليك كأنُّه شوقُ السؤال إلى جواب!

Advertisements

8 Comments Add yours

  1. شجرة كتب:

    “المدونة سؤال” يا للجمال. بالمناسبة تدوينتي الأخيرة عبارة عن حوارات تتضمنها أسئلة، لقد أدركت أن كل شيء يبدأ وينتهي بسؤال. يا للجمال مرةً أخرى

    Liked by 1 person

    1. علي كتب:

      .شكراً تعليقك اللطيف الجميل وأهلاً بك

      إعجاب

  2. emans3od كتب:

    محتوى كتابتك دائما أكثر من جيد
    لكني أضيع بين الأسطر دائما أضيع.

    ممكن تكون المقاطع أقصر أو الأسطر متباعدة عن بعضها.
    حتى يستطيع البسطاء امثالي
    القراءة دون العودة لنفس السطر في كل مرة.

    Liked by 2 people

    1. علي كتب:

      شكراً لكلمتك اللطيفة عما أكتب، وملاحظتك تنفعني بالتأكيد، ذكرها أحد الإخوة المعلقين قبل فترة ونسيت الانتباه لها مرة ثانية وتصحيحها، الحقيقة وأنا أكتب أسترسل فلا أتذكر فكرة شكل الفقرات، ولعله فعلا غير مريح لغيري أن يتابع بسهولة ما أكتب بسبب عدم فصل الفقرات، شكراً مرة ثانية، هذه المرة على الملاحظة.

      Liked by 2 people

  3. Yazeed كتب:

    التشابه معك لا ينتهي ، تعبت من كثرة ما أذكر هذا لك !

    إعجاب

    1. علي كتب:

      لا تعبت يا يزيد، أهلا حللت وسهلا وطئت، شكراً لك على تفاعلك الكريم حقا.

      Liked by 1 person

  4. السؤال في هذة المرحلة لي ,, هو السؤال عن الاشياء التي سلمت بها في صغري ,,
    شكرا لمقالتك التي زادت محيط التساؤل لدي

    إعجاب

    1. علي كتب:

      العفوا وشكراً لك وأهلاً وسهلاً بك وبتساؤلاتك

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s