حيَّ على الفلاح !

عبرت وأنا أقرأ قبل أيام بعبارة أثارت انتباهي ، وهي على بداهتها إلا أنها ذات صياغة أخَّاذة، كانت تقول العبارة: “لقد وجدنا العدو، إنه نحن!” وقد وردت أول مرة على لسان شخصية كاركاتيرية اسمها بوغو، ابتكرها ويكتب على لسانها كاتب اسمه والت كيلي، العبارة لمعت في ذهني وسلطت الضوء على مفهوم مثير من مفاهيم هذه النفس الانسانية المعقد، النفس التي قد تعادي ذاتها وهي لا تشعر، أو وهي تشعر حتى! هذه المقولة جاءت في سياق السخرية من رسالة أرسلها قائد البحرية الأمريكية لقائد الجيش مفتخراً بعنجهية العسكر بعد نصره في إحدى المعارك، كان أصل المقولة: “لقد واجهنا العدو، وهو في قبضتنا.” هذه الجملة العجيبة، أعني جملة بوغو، والتي تفيد بأن المرء أحيانا عدو نفسه، تشير بأوضح بيان وأجمله إلى ضعفنا ونقصنا نحن أبناء آدم، وطبيعة حالاتنا المعقدة كبشر.

يقول نيتشه ذو الشارب العريض، إن العدو الأسوأ والمتربص بنا في الغابات والكهوف كان دوماً أنفسنا. أيها الوحيد، نفسك في طريقها إليك! وطريقك يؤدي دوماً إلى نفسك الماضية، وماضيك يقود غلى جنونك! ثم يعرج نيشته إلى وصف الذات بأصعب وأشنع الأوصاف، ثم يكمل فيقول: يجب أن تكون مستعداً لإحراق ذاتك بنارك، كيف يمكنك أن تكون شيئاً إذ لم تغد رماداً قبل ذلك؟. وهو قدر الإنسان أن يخوض التجارب، يضيء، يشتعل، يتحول إلى رماد ثم ينهض من جديد مثل الفينيق. ويطلق صيحته البشرية التي نائت بحمل الأمانة، تلك التي ثقلت على السموات والأرض والجبال أن يحملنها.

وأريد في هذه الكلمات أن أنفذ إلى عمق فكرة تتعلق بعداوة المرء نفسه، وياللعجب، عندما يبدو وكأن المرء يعادي ذاته، فهو أنه في عمق أعماقه يقصد نفعها وحمايتها! ذلك لأن الأفعال التي تشير إلى مثل هذه السلوك تنشأ من خوفه من وضعية ما، تشبه الخوف من وضع مهدد للحياة، يستدعي نوعاً من القلق والخوف الذي يؤدي إلى فعل جسدي مثل المقاتلة أو الهروب، بينما الأمر أو الوضع ليس من هذه النوعية كما هو في حقيقته لا كما نراه ونتعرف عليه، وبدلاً من أن نتعامل معه بطريقة تشبهه، نجنح إلى الأسلوب الآنف الذكر. وفي حقيقة الأمر أنك تتخيل وجود مثل ذلك التهديد الذي يخيفك، لأن ما تؤمن به تجاهه غير صحيح ربما لأن تجربتك قليلة في هذا الصدد أو أنك لم تتفكر جيداً في الأمر. في تلك الحالات تتخذ نفسك قرارات استجابة ضد الخوف بدلاً من قرارات حب للذات وهدهدة لها بالمقابل. الخوف من عدم النجاح، الخوف من نجاح في العمل مثلاً أو في العلاقات، والعديد. وهي كلها مخاوف تصبغ اعتقداتنا التي قد تدفعنا لمعاداة أنفسنا في أحيان.

طيب، كيف أتحول من عدو لذاتي إلى صديق حميم لها؟ أولاً دع عنك الحكم على نفسك، كن منطقياً فيما تقوله عنها. لا تدع خوفها ينحط بها إلى الإضرار بها، هي أكرم من ذلك. حوِّل تعريفك للقيمة، قيمة نفسك، من مسألة الإنجاز واتخاذ الفعل، إلى تعريف أقرب لمدى تقديمك للمحبة تجاه نفسك وللآخرين، أفعال الحب أقصد، أن تقصد بتعاملك مع نفسك تحقيق رضا الله سبحانه، أن تتعبده بحسن أخلاقك مع نفسك ومع الناس، وحتى نفسك الحب والمحبة، هما عكس الكره، والكره هو شيء لا يستساغ، الحب هو عكسه. دائما انظر للأخطاء والعقبات والصعوبات والفشل “النتائج التي نسيمها فشلاً” أنها تجارب وخطوات نحو النجاح، لا تنظر إلى ما يحصل لك نظرة هدّامة، بل قاوم واستمر وتجاوز ما حصل بسرعة وابدأ دوماً بداية جديدة، يوم جديد يعني فرصة جديدة. عامل خيباتك بلطف، لا تأخذها كحكم على ذاتك بالنقص أو الفشل أو عدم القيمة، إنما هي فرصة لتتعلم كيف تحتضن ذاتك. أقبل على العلاقات مع البشر أياً كانوا مع الانتباه لفكرة قبولك لإنهاء أي علاقة لو كانت النتيجة أنك ستخسر ذاتك لو قبلت بالطرف الآخر، أعني أنك إيجابي بوعي مع الناس، لا تعتزل نابذاً إياهم، بل اختلط وتقبلهم مثلما هم، لا يعني عدم قبولك أو استمرارك أنك تعاني من أمر ما. والله أعلم.

يكلّل هذا الكلام أعلاه والذي استقيته من قراءات متعددة على مدى يومين، أن الإنسان يتعلم ويعلم، ويشق طريقه في الحياة بطريقة أو بأخرى، ويحاول ويحاول ويحاول، يحاول دوماً كل وسيلة نحو الفلاح، وكم هي حلوة هذه الكلمة، الفلاح الفلاح، حي على الفلاح أيها المفلحون.

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. Asma'a كتب:

    ماشاء الله مقالة رائعة جداً جداً يا علي

    إعجاب

    1. علي كتب:

      سرني استحسانك وشكراً جماً لك ولتعليقك.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s