عُزلة مُزدوجة

هذه مقالة وجدتها مصادفة وشدني عنوانها، وحتى ألزم نفسي بقراءتها، قررت أن أترجمها، والترجمة كما أقول حرث للعقل، تساعد في ترسيخ الأفكار والتفاعل مع النص، هو اندماج معه، الترجمة تشبه النوم مع النص. عندما أترجم نصاً فأنا ألتحف معه نفس الغطاء وأدعه يتوسد ذراعي، فأشمه، وأعتنقه، وأشعر بحرارة جسده وأسمع نبضه العميق. المقالة نشرتها مجلة النيويوركر في أكتوبر 2016 وكاتبها هو شاعر أمريكي ذو مسيرة فذة، ما عرفته من قبل أن أترجم المقال، بحثت عنه فوجدت أنه شاعر وكاتب ومحرر وناقد، اسمه دونالد هال، الملفت في سيرة هذا الشاعر الثمانيني، والذي يقترب من التسعين، هو علاقته مع زوجته الثانية، الشاعرة أيضا، جين كينيون، المقالة فيها سرد حميمي لذاته مع العزلة والوحدة، وكذلك لتفاصيل حياته مع هذه المرأة التي أحبها كثيراً. كان تعبيره عن العزلة المزدوجة رهيباً وشيقاً، والعزلة غير الشعور بالوحدة، وكل هذا دعاني حتى لتغيير تسمية عنوان التدوينة بهذه التسمية عوضاً عن ترجمة عنوان المقالة فحسب، والذي كان بين العزلة والوحدة. ولأقول المزيد عن دونالد هال، فأقول هو شاعر عريق فاز منذ الخمسينات بجوائز تقديرية عديدة، آخرها كانت الميدالية الوطنية للفن التي قلدها إياه الرئيس الأمريكي أوباما. تراه بشكله الملفت في سنيه الأخيرة، بلحية كثّة وأعين زرقاء، يلاطف في عزلة قطته اللطيفة، على كرسيه الأزرق بالقرب من النافذة التي تطل على حظيرة مهجورة، وتتلمس ملامح زوجته الحنونة في الصور أيضا، زوجة اتفقت ضمنياً على حياة عزلة بينها وبين زوجها ومعه، إنها العزلة المزدوجة، أترككم مع محاولتي لترجمة النص، ولا أزيد.

ما بين العُزلة والوحدة

 

ولدت في 1928، كنت الطفل الوحيد. أثناء الكساد الكبير، كان هناك الكثير منا، وكنا نحن طلاب الصف الثامن في مدرسة سبرينغ جلن الابتدائية أطفالاً بلا إخوة، كلنا. بين الوقت والآخر كونت صداقات خلال طفولتي، لكن تلك الصداقات لم تدم طويلاً. أحبَّ تشارلي آكزل صُنع نماذج طائرات من خشب البلسا والمناديل. وهكذا فعلت، لكنني كنت أكثر فوضى وأستخدمت الغراء مع الورق الذي توفر لي. نماذجه كانت تطير. لاحقاً، جمعت الطوابع، وكذلك فعل فرانك بنيدكت. أصبت بالملل من الطوابع. في الصف السابع والثامن، كان معنا فتيات. أتذكر استلقائي في فراش واحد مع باربرا بوب، بكامل ملابسنا وغير ملتصقين ببعضنا بينما كانت أمها تنظر إلينا بقلق. في غالب الأوقات، أحببت المكوث وحيداً بعد وقت المدرسة، جالساً في غرفة المعيشة المستظلة. أمي كانت تتسوق أو تلعب البريدج مع صديقاتها؛ أبي وضع صوراً في مكتبه، وكنت أحلم بها أحلام يقظة.

في الصيف، غادرت ضاحية كنيتيكت إلى هاي مع جدي، في هذه المزرعة الجديدة في نيوهامبشير. شاهدته يحلب سبع بقرات بُلق في الصباح والمساء. كنت أصنع لنفسي شطيرة بصل لوقت الغداء-شرائح سميكة بين قطعتين من خبز من نوع وَندر.

في الخامسة عشرة من عمري، ذهبت إلى إكستر لقضاء آخر سنتين من المرحلة الثانوية. إكستر كانت أكاديمية صعبة وجعلت هارفرد سهلة، لكنني كرهتها-خمسمئة ولد متماثلين يعيشون كل اثنين في غرفة. العزلة كانت نادرة، وكنت أجاهد لإيجادها. مشيت وحيداً مطولاً، دخَّنت. وجدت نفسي غرفة مفردة وبقيت أكبر قدر ممكن فيها، أقرأ وأكتب. السبت مساءً، تجتمع المدرسة في حلبة كرة السلة، أنفصل عنهم بمشاهدة فلم. أبقى في غرفتي في عزلة لذيذة.

في الجامعة، أجنحة المهاجع توفر فيها غرف نوم مفردة وثنائية. ولثلاث سنوات، عشت في غرفة نوم مفردة ممتلئة بكل ما أملك. وفي سنة التخرج، استطعت تدبير جناح مفرد كامل: غرفة نوم وغرفة جلوس ومغطس. في أكسفورد، حصلت على غرفتين لنفسي. الجميع حصل على ذلك. ثم حصلت على زمالات. ثم كتبت كتباً. أخيراً، مع نفوري من ذلك، احتجت إلى وظيفة. مع زوجتي الأولى-حيث الناس كانوا يتزوجون مبكراً؛ كنا بعمر العشرين والثالثة والعشرين-استقريت في آن هاربر، أُعلم الأدب الانجليزي في جامعة ميتشجان. أحببت المشي صعوداً ونزولاً في قاعة المحاضرات، متحدثاً عن ييتس وجويس أو أقرأ بصوت عالٍ قصائد توماس هاردي وأدرو مارفيل. هذه المتع كانت بالكاد انزوائية اعتزالية، فكنت في المنزل أقضي اليوم في غرفة صغيرة في العليّة أعمل على القصائد. زوجتي كانت فائقة الذكاء كانت عالمة رياضيات أكثر من كونها أديبة. عشنا سوياً ونَمت علاقتنا مبتعدين عن بعضنا. وللمرة الوحيدة في حياتي، تعلقت بالجمعات بين الناس: ثقافة آن هاربر لحفلات الكوكتيل. وجدت نفسي أتطلع لعطل نهاية الأسبوع، للحفلات المكتظة يوم الجمعة وأكثر منها يوم السبت، والتي تتيح للرفيقين الهجرة من غرفة جلوس لغرفة جلوس. تغازلنا، شربنا، دردشنا-بدون تذكر أي شيء من يوم السبت ذاك في يوم الأحد التالي.

بعد ست عشرة سنة من زواجنا، تطلقنا أنا و زوجتي.

لخمسة سنوات ظللت وحيداً مجدداً، لكن بدون الراحة التي منحتني إياها العزلة. بدلت بين أسى زواج تعيس مع أسى الخمرة. واعدت فتاة كانت تشرب زجاجتي خمرة كل يوم. واعدت ثلاث وأربع نسوة في الأسبوع، أحياناً ثلاث في اليوم نفسه. قولي للقصائد ضعف وتوقف. جربت أن أفكر بأني أعيش حياة سعيدة، لم تكن حياة سعيدة.

جين كينيون كانت تلميذة عندي. كانت ذكية، كانت تكتب القصائد، كانت مرحة وصريحة في الفصل. أعرف أنها تعيش في مهجع بالقرب من بيتي، لذا في ليلة ما سألتها أن تعتني ببيتي في غيابي من أجل حضور اجتماع مدته ساعة. (في آن هاربور، كانت تلك السنة سنة جرائم سرقة المنازل.) عندما عدت للمنزل، ذهبنا إلى الفراش. واستمتعنا، كان الأمر تحريراً لرغبات الأجساد. لاحقاً دعوتها للعشاء، كان ذلك متضمنا الإفطار كما هو معتاد في أيام 1970. تقابلنا مرة في الأسبوع، واستمرينا نواعد آخرين، ثم تقابلنا مرتين في الأسبوع، ثم أربع مرات في الأسبوع، ولم نعد نواعد أحداً آخر. في ليلة، تحدثنا عن الزواج. لحظتها غيرنا الموضوع بسرعة، لأني كنت أكبر منها بتسع عشرة سنة، لو تزوجنا، ستغدو أرملة لفترة طويلة. تزوجنا في أبريل، 1972. وعشنا في آن أربر لثلاث سنوات، وفي 1975 تركنا ميتشيجان إلى نيو هامبشير. هامت جين بمنزل العائلة القديمة هذا.

على مدى قرابة العشرين سنة، كنت أستيقظ قبل جين وأجلب لها القهوة في سريرها. وعندما تقوم، تذهب لتمشية الكلب جَس. ثم ننسحب كلانا إلى غرفة العمل لنكتب، في طرفين متعاكسي من منزلنا ذو الطابقين. غرفتي كانت في الدور الأرضي في الأمام، مطلة على الطريق رقم أربعة. غرفتها كانت في الدور الثاني في الخلف، بجانب المرعى القديم لجبل ريجد. في حالة الانفصال في عزلتينا الثنائية، كلانا يكتب القصائد في الصباح. نتناول غداءنا، نأكل الشطائر ونمر بالجوار دون أن نتحدث لبعضنا. بعد ذلك، نغفو لعشرين دقيقة، لنستجمع قوانا من أجل بقية اليوم، نستيقظ لوقت المعاشرة اليومي. بعدها أشعر برغبة في الاحتضان، بينما كان وصول جين للذروة يطلق طاقاتها. تهرع من السرير إلى غرفة العمل مباشرة.

بعد بضع ساعات تالية، أعود للعمل على مكتبي. لاحقاً بعد الظهر، أقرأ بصوت عالٍ لجين لقرابة الساعة. أقرأ قصيدة وردزوورث “المقدمة,” أقرأ قصيدة هنري جيمس “السفير” مرتين، العهد القديم، وليم فوكنر، المزيد من هنري جيمس، وشعراء القرن السابع عشر. قبل العَشاء أتناول البيره وأتصفح النيويوركر بينما جين تطهو، وأرتشف كأساً من النبيذ. ببطء تعد عشاءً لذيذاً-قد يكون شرائح لحم العجل مع صلصة الفطر-و-الثوم، قد يكون الهيليون الصيفي الذي يجئ بك من سريرك إلى الطبق عبر الشارع-ثم تطلب مني أن أحمل أطباقنا إلى الطاولة بينما تقوم هي بإشعال الشمعة. خلال العشاء نتحدث عن أيامنا التي فصلتنا عن بعضنا.

قضينا أوقات ما بعد الظهر صيفاً على ضفة بحيرة إيجل بوند، على شاطيء صغير الحجم بين الضفادع، المنك، والقنادس. جين تستلقي في الشمس، تتشمس، بينما أقرأ أنا الكتب على كرسي قماشي منسوج من الحبال. بين الحين والآخر نغطس عطسة في البحيرة. أحياناً، كعشاء مبكر، نشوي النقانق على منقلة نحاسية. بعد عشرين سنة من زواجنا الرائع، نعيش ونكتب معاً في عزلة ثنائية، توفيت جين بسبب اللوكيميا في الرابعة والسبعين من عمرها، في الثاني والعشرين من أبريل 1995.

الآن، اليوم هو الثاني والعشرين من أبريل 2016، ومضى عقدان منذ أن توفيت جين. أوائل هذا العام، في عامي السابع والثمانين، حزنت عليها بطريقة لم أحزن بها من قبل. كنت مريضا وظننت أنني أموت. كل يوم مت فيه من أجلها، جلست في مكانها-سنة ونصف. كان مزرياً أن كان على جين أن تموت في هذا العمر المبكر، وكان مُخّلِّصاً لي أنني كنت معها كل ساعة كل يوم. في يناير الماضي حزنت عليها مرة أخرى، هذه المرة كانت لأنها لن تكون بجانبي عندما أموت.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. مقالة رائعة : ) شكرا للترجمة

    إعجاب

    1. علي كتب:

      عفواً شكرا لكلماتك اللطيف

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: