في مدح اللِّحى

collage-2017-01-23

يالذاك السواد المبجَّل، ويالذيّاك البياض البيِّن، والمجد لتلك العينين في وجه الفتىً الذي كللته لحية زادت بريق عينيه، أليس يقال، عندما يشتد سواد الليل تستبين النجوم، تلك اللحية المنتظمة، هي السواد الذي لمعت به تلك العيون، تلكما العارضان هما حجاب وجه الرجل وزينته التي كمّلته. وهذي رمزيّة نضج الروح التي تنمو في ثنايا ذاك الجسد الغض الذي يكبر ويستحكم نضجه بالشارب الذي ارتسم فوق شفته العُليا ولحيته الذي حسَّنت من ابتسامة لمعت في خديه. اللحية ليست كل شيء، أقولها قبل أن تقولها في نفسك، لكنها الدلالة، والعلامة، وزئير الصورة قبل قرار الصوت الذي ينبغ فجأة في ليلة! وهي مزيّة أبناء آدم التي مُنحت لهم هديةً ترمز للرجولة، والحكمة، والقوة، الذهنية والجسدية، على حد سواء. يطلقونها مدويّة، يطلقون اللحية، لأنها صرخة في غابة، صوت يشق مسمع الذي لا يسمع، حتى يرى بعينيه، تثور تلك اللحى عندما تثور شمس في صيف، واللحية عنوان الثورة، ثورة على جدار الطفولة القصيرة وقفزة في سماء الأخذ باليد والمنافحة عن الحق. وهي كمال صورتهم التي تصنع اختلافهم المؤتلف، ألا ترون هذا من كمال جمال الرجال؟ لندع مسألة مقارنة النساء بالرجال عندما يأتي الحديث عن الجمال، فالرأي أن الرجل أجمل، يكبر الرجل وتكتمل صفاته، ويزدانه عقله و تزدهي صورته، أما المرأة فمن نقص إلى نقص، ثم بربك! ألم تر الأسد وهو يتلفت بعينيه ولِبْدتُه تكمل حسنه تحت لحييه؟ وتلك اللبوة ما اكتمل منها إلا أقل القليل، والطاووس يزهو بألف ألف لون، وأنثاه شابتها الشهابة. والقرنان اللذان نطحت بها الأيائل جبال الزمن، أي جمال عُقدتها في عُري جبين أناثيها، فالرجل كله زينه، وتكلل زينته في لحيته. من بعيدٍ تراه، يكشف بياضُه سوادٌ في عارضيهِ، والعارضان، صفحتا الوجه، خداه، ومقدمته، فكان ذاك النابت عليهما زينة في ملامحه وغُرَّة في محاسنه. وإن كانت قد حسن في المرأة غدائرها فاللحية في الرجل أكمل من حسنها، ذلك لأن الرجل يطول شعره ويقصر ويزيد عنها بشعر اللحية، والقلة منقصة. اللحية تلك العلامة الفارقة، وكمال الحُسن في وجوههم، ولست بمدعٍ في حديثي هذا قصد الخوض في حكمها شرعاً، بل كل ما أكتب كان في مدحها، مدح كليهما، الشارب واللحية، طولاً وقصراً لا يلغيان وجودهما، ولا غرو في ذم الطول الفاحش فيهما، وكذا تشعُّثها، فهذا مما لا يحسن ومما يصم بوصمة البَلَه، ومما يُرى تكللها بالشيب، فكأنهما رُقمت بلون اللؤلؤ، لؤلؤ الحكمة والتجارب والهم، وأخلاهم من الشيب والهم أخلاهم من الفطن. تلك الهيبة، الانطباع الخلاّق عن اكتمال المبنى والمعنى، المناعة، والمَنَعة، الرجولة، البأس، والشجاعة، ذاك التثقف الظاهري الذي يدل على قوة نبتت من داخل الروح، الذي يجعلك تعجب ممن يختار أن يعود طفلاً؟ أن يعاكس طبيعة الحال، فيذرها قاعاً صفصفاً، التميّز والتفرد، الانفصال عن وعي جمعي يحتم أن تكون مثلما يكون الآخرون وحسب، ثم إنها هذا السواد جالب للإعجاب، سواد خشن كثيف يستجلب كل نعومة ممكنة، وليت شِعري، هل هذا يعني شيئاً مع خد هو أشبه ما يكون بمؤخرة طفل حديث الولادة؟! والمرأة الحقة، لا تريد امرأة أخرى. ثم إن فتنتي في هذه اللحية جاء من مشاعري تجاهها وطقوسي معها، أربيها حتى تفيض من كل اتجاه، ثم أهذبها فتستجيب، خيط رفيع بين المبالغة والاعتدال، أنساها أحياناً، أنساها مطولاً ثم ألتفت غليها وأنسى العالم،  أن تسرحها بيدك، أن تغرق في العطور والبخور ويملأها ماء الوضوء، فيعود ويثور في الأجواء كل البخور والعطور من جديد، هي أن تكون مظهراً دالاً على الجوهر، الجوهر الذي لا يخيب. لا اريد أن أزيد من هذه البلاغة التي قد أراها وترونها مصطنعة، لكنني أدعوكم للنظر ملياً، إلى صورة للملك عبدالعزيز، وللشيخ زايد، ولجورج برنارد شو، وزكي العربي، وزاك غالفناكيس، مقرن بن زامل، ولمحمد أسد، ودليله في الصحراء زيد، ومحمود شاكر-أبوفهر، ولينين، وأبوعبدالله الصغير، وجوني ديب، شكسبير، ليون الأفريقي، عطيل، أنتوني كوين، أبيقور، تشارلز بوكوفسكي، ومحمد الفاتح. ثم ماذا؟ ثم فلتحيا اللِّحى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s