فكرة غير سديدة !

استمتعت بحوار كان ممتعاً عن ذلك التوصيف الذي يذكرون به المجتمعات الميسورة وكيف أنها تعتمد كثيراً على الأعمال الذهنية بعيداً عن عمل حقيقي نرى منه نتيجة ملموسة وأثراً له قيمة في ذاته. ففي عصرنا الحديث، أيامنا هذه، يكاد يترافق مع كل إنسان يعيش على هذه الأرض تعريف يشار به من خلاله إلى هويته. السؤال دوما يتعلق بطبيعة عمله، ماذا يعمل؟ أو أين؟ عصرنا الحديث الذي حوّل الناس كلهم إلى خدم لذلك النظام الكبير الذي ينتظم في عقده الجميع. نظام العمل أو الوظيفة الذي انبثق من أدبيات الثورة الصناعية. ويتعلق بهذا الأمر مسألة استمرار الإنسان في العمل الوظيفة للقيام بدور ما هي فكرة مثيرة للجدل، والمثير أيضا عندي ذلك الجدل الذي يتعلق بمسألة استغناء البشر عن العمل بقدوم الأتمتة إلى حيز التطبيق ومع ذلك فلا يزال البشر يعملون ولساعات طوال تستهلك يومهم كله يكاد يكون أولوية عيشهم. وأيضا فكرة المناداة بساعات عمل أقل. عودة لسؤال التدوينة الأول، قلقنا من فكرة تعريفنا تعريفاً منطلقاً من طبيعة حياتنا الوظيفية، أي من نحن؟ وارتباطه بفكرة ماذا نعمل؟ أو في أي وظيفة انخرطنا؟ ذلك لأن ضغط فكرة النجاح العام لدى الجميع والمرتبطة بفكرة أنك كلما صعدت في سلم المناصب الإدارية أشير إليك بالنجاح، ولو لم يعجبك المكان أو اضطررت لتضحيات تتعلق بالأسرة أو الصحة في سبيل هذا الرقي والاحترام المتوقع من التواجد في أعلى المكانات الوظيفية. هذا الطابع العام الذي توصم به توجهات الناس ويحكم على من يشذ عنها بتجاوز المعروف المألوف وبالتالي الاقتراب من مواقع الخطر وعدم النجاح في أعين العموم. قل من تجد اليوم من يعمل على حرفة في يده، على الرغم من الفكرة التي تقول “حرفة في اليد أمان من الفقر”، واتجه سلوك الناس كلهم إلى العمل الذهني، واصطبغ جل العاملين باللون الأبيض، ذوو الياقات البيض، الذين يعملون في أعمال ذهنية وعقلية وتفاعليه مع الآخرين، بعيداً عن أي عمل فعلي فيزيائي وإنتاجية ملموسة. إنتاجهم عقلي وذهني، ونادراً ما يتخذ شكل النتيجة الملموسة. أنادي للجمع باتزان بين الاثنين، المقلق هنا بالنسبة للبشر، أن قيمتهم تتعلق بقوة في مكانتهم في مجتمع الوظيفة والإنجاز، ذلك أن قيمتنا فيما نعمل، وهذه النظرة تختلف بشكل فظيع عن نظرة أمهاتنا لنا، النظرة تلك التي لا تتغير تجاه طفل لا يزال ظاهراً خلف كل الأشياء التي نحاول أن نغير فيها أشكالنا. وفي ظروف مثل هذه التي تفرض على المرء أن ينجح ذلك النجاح المقولب، سيكون هناك ضغط من فكرة أن بإمكاننا أن نحلم بأي شيء نريده، ونصدم بشدة إذا لم يتحقق ذلك، العالم اليوم تشيع فيه تلك المجتمعات التي تعمل وفق تنظيم ذو تصنيفات عليا ودنيا، الشخص الذي يعمل أكثر ويحترق في عمله يحصل على الشيء الأفضل، والعكس بالعكس. ومنا هنا كان الحكم مجحفاً. هنا فكرة على الجانب تتعلق بنقطة أن نعمل وفق مسارين، أساسي، وثانوي، نطورهما جنباً إلى جنب حتى إذا غاب المسار الأساسي كنا قد طورنا الجانب الثانوي أكثر، وصار لدينا عالم متوازن من الخيارات، جانب الاحتياط. المكانة الاحترافية في العمل صارت هي الصفة الأساسية في شخصيتك وهذا ما يثير الإنزعاج بالنسبة لي، الحياة ليس فقط وظيفة وعمل، هي مفهوم أكبر وأشمل، دوما ما كنت مقتنعاً بأن الوظيفة جزء من الحياة وليس العكس. السؤال الآن كيف سنتعايش مثل هذه الظروف؟ أولاً لا تقبل فكرة تقسيم الناس بما فيهم ذاتك أنت حسب مكاناتهم الوظيفية، كلنا رجال، ومثلما أنت المدير رجل فأنت رجل، وكذا بالنسبة للمرأة ومثيلاتها، الواقع أننا كلنا بشر ونستحق الفرص كلها. ثانياً صغ لنفسك مفهوماً يخصك عن فكرة النجاح، النجاح ليس أمراً محدداً ومعرفاً بشكل لازم، هناك صفات كثيرة للنجاح وكلها لا تتعلق أبداً بالتصور الصناعي الرأسمالي للنجاح المتعلق بالوظيفة والسلم الوظيفي، وانتبه لفكرة خطيرة وهي أن الناجح ذاك النجاح الخارق في وظيفته من النادر أن ينجح أسرياً أو في مجال التعاطف، الجشع سيعميه عن كل شيء، والطمع في الكرسي سيجعله مثل الحصان الذي حجزت عيناه إلا من رؤية مضمار الركض، لكنه مضمار لا ينتهي في هذه الحال إلا بصدمات. ثالثاً، لا تقبل أن نجاحاتك الخارجية عن ذاتك، تحكم شخصيتك أو بماذا تفكر وإلى ما تطمح، ذاتك وشخصيتك وقيمك الذاتية أهم وأكثر جوهرية في هذا العالم الوظيفي المؤقت. المهنة مصدر للرزق، وليست منصباً تنصبُّ عليه اهتماماتنا، وتفريطك فيه ليس تفريط في شيء مهم إلا في تفريطك بمن هم وراءك والذين يجدر بك نفعهم كهدف أول، ويجب أن تنظر إليه نظرة أخرى تتمثل فيها دوراً اجتماعياً تنموياً أبعد نظرة وأوسع مجالاً من شيق فكرة النجاح الشخصي فقط. لذا فالمرء يجدر به أن يستيقظ صباحاً لاستخدم الوظيفة في استكشاف نفسه، نفسه هي الأساس والبقية تبع أو أدوات لتحقيق ذاتها الأكبر. الانطلاق الصباحي المتكرر هو انطلاق تحت مظلة توفيق الله سبحانه وتسديده ومعافاته، ليس لرضا مدير أو مسؤول، تنفع به نفسك والذين من ورائك كما قلت آنفاً. والحذر عندي أيضا يتشكل من فكرة تحويل التقنية للبشر إلى كائنات ميكانيكية، واجتماع مع المفاهيم أعلاه مفهوم أن التقنية تبعدنا عن الحياة، صار المزارع لا يلمس الأرض، لا يعرف التربة، صارت التقنية هي الحاجز الشفاف بيننا وبين الحياة الحقيقة، وهذا أمر يطول تفسيره والحديث عنه وليس هذا مجاله هنا. والحل تجاه الأمرين أن يكون عندنا وعي لكل هذه التعقيدات التي يفرضها عصرنا المتناقض هذا، والذي تزيد فيه الرفاهية وأساليب الترف، وبالمقابل تتعاظم فيه حالات البؤس والمعاناة بشكل يسلب عقول أكثر الناس حلماً ورزانة. آخيراً إنها لفكرة غير سديدة أن تعتبر وظيفتك بمعنى من أنت!

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. Yazeed كتب:

    تدوينة تعبر ما بداخلي ( حرفياً ) ، أشكرك أخي علي.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      إذا كتبت أسعد بالتعبير، ويزيدني سروراً اهتمامك وتفاعلك يا أخي يزيد، الشكر لك على تقديرك وتفاعلك ومتابعتك

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s