التوثيق فعل إنساني [يوميات]

img_0914

في ذلك المساء الذي بدأ أول أمره دافئاً مثل الربيع، كنت على موعد مع نفسي، موعد حضرت فيه أمسية ثقافية ممتعة، مرد الإمتاع كان حفاوة المكان وترتيبه وعراقته، وكذلك تنوع الحضور، وبشاشة الوجوه التي تلقفتني وأنا أمشي باتجاه المقر، وعند الباب أيضا، وكان مرد المتعة أيضا المحتوى شبه الارتجالي والمباشر في المادة التي قدمها عالمان تكلما بالانجليزية طوال الوقت مع أن لهما لسانان فصيحان. الحديث بالانجليزية كان لتلبية الحاجة التي من أجلها أقيمت الأمسية، ألا وهي العبور بالمهتمين من الاجانب بعلاقات ابن هذه الجزيرة العربية بأصوله وأثر ارتباطه هذا على حاضره. وصلت متأخرآً، فلا ريب في إمكانية حدوث ذلك، لأنني تمهلت قليلاً في الطريق، خمنت أن الموعد المضروب لن يكون هو موعد البداية، أضف لذلك الطريق المزدحم، على أنني نجحت بتفادي كل ذلك، بحرفية عالية في القيادة واختيار الطرق ما عهدتها في نفسي من قبل، ولا أدري ما سر هذا الهدوء التي يتملكني مؤخراً، كأني قفزت من سور ما كما يقولون. وصلت واقتحمت المكان وكان المتحدث الأول قد بدأ، والقاعة مزدحمة ببشر من كل لون، بعضهم متأنق، لمحتهم بطرف عيني اللتان تجاهلتا كل شيء وانطلقتا إلى الأمام، أقرب نقطة ممكنة من المحاضر، الفراغات كثيرة، واختار الناس أن يجلسوا بغير انتظام. تحاشيت السواد كما هي العادة، واخترت الجلوس بالقرب من مثيل لي، وتحاملت على شعوري الأولي بالتهاب الحلق، والشعور بالدفء، لاسيما أنني مرتدٍ ذاك المعطف الذي لم تجعل له أكمام. وقليلاً قليلاً انغمست في المحتوى وبدأت أسجل الأفكار. كانت الأفكار في ذهني رشيقة، حفزها ظرف المحاضر الأول، كان مختصاً باللغات النبطية والآثار. فعبر بنا خلال عرض تقديمي على الشاشة بملامح الجزيرة العربية في العصور القديمة جداً، وانتقال أهلها دوما باتجاه الشمال منذ العصور القديمة، وفكرة اخضرار الجزيرة مع ذوبان الجليد الذي عاش فوق الكرة الأرضية ردحاً من الزمن، ثم انتقل لاستعراض بعض النقوش التي أثارتني إلى منتهاهها، فأمسكت بهاتفي وبدأت أسجل، ماذا يعني الرسم؟ أياً كانت أدواته، بالذات في تلك الحصور حيث كان النقش المضني على الحجور القاسية هو فنهم الأشهر، تجد على الجدران والأحجار رسومات متقنة للغاية لأفراس وجياد جميلة المظهر وتحت أسماء مالكيها، فخر وتوثيق، الرسم في الحقيقة في كل عصر، قد يعني حقا أن الإنسان الذي رسم بهذا الاتقان، وبهذا الصبر وامتلك كل الوقت للتجويد لابد وأنه إنسان سعيد، مرتاح، يعيش حياة مبهجة، فاضت خيراتها حتى توفر له وقت يرسم فيه ويكرسه لهذا النوع من التوثيق، صحيح داهمتني فكرة المعاناة التي تشترطها بعض الأراء للإبداع، نعم، لكن التفسير الأول قريب ومقنع. فقط تأمل معي النقوش على الصخور حول جزيرة العرب، ستجد توثيق شئ عليها هو أمر مضن ومتعب لكن الراحة الواسعة التي عاشها الرسام أتاحت له مثل هذا الصبر والتأمل والنضج، ناهيك عن طبيعة المكان، فترى إنسان هذه الأرض في ذاك الزمن القديم يتأمل السموات ونجومها، مع اعتدال الجو، واستجلبت فكرة صحة حياة الصحراء، من حيث نقاء الجو، وتوفر الشمس، لاسيما في حال الواحات والغدران، والشمس والهواء هما أدوية طبيعية. عبر بنا عالم الآثار ذاك أيضا بمدينة العُلا، وكانت المصادفة أنني تابعت عنها تفاصيل قبل وقت قريب فلم أتعجب كثيراً، لكنني ابتهجت جداً بتلك الصورة التي تريك وادياً فاضت بنهر من النخيل المتلاصق على امتداداه، وتحيط به شم الجبال ذات العرانين، بلون أحمر كُميت، مدينة عريقة بحق. كان في العرض التقديمي للعالم أيضا بعض الشرح عن وجود مصمم وصانع لكل قطعة يعرضها، وكان يزين أحاديثه بترغيب الحضور في زيارة تلك الأماكن، وفي تطعيم الحديث بالطرافة أيضاً، قال أن المرأة هي أجود من يعمل على التنقيب عن الأثار والهياكل العظمية، لأنها أدق حرفة وأنعم يداً، وتلك الأشياء لا تحتمل إلا يداً رقيقة وفرشاة صغيرة. شدني أيضا وجود كثير من التماثيل الضخمة في مناجم البحث، لكن ربما لتعارض العرف مع فكرة عرضها، لا نراها إلا لمماً. كان حديث الآثاري رهيباً عندما يربط بين عادات الأولين وممارساتهم بأعمالنا وممارساتنا الآن ويدهشني كيف أن مقابلة ما نقوم بما يقومون متطابق، ويجعلني أقول حقاً أن البشر هم البشر. وآخر الأفكار التي راقتني جداً، جاءت عن حديثه عن اللغات والترجمة من باب تخصصه فيها. فأورد أمثلة أذهلتني بحق. اللغة الثمودية هي لغة الشعب، لغة العامة، يقولون فيها مالا يقال في صحف رسمية أو في مكاتبات ملوك، أو حتى في تجارة، لغة اليومية، لغة السباب ربما، لغة التهكم، أو بعث التحيات، أو لغة التضجر! ماذا نحس هنا؟ إنها تشبه تلك التعابير التي تحفل بها شبكات التواصل الاجتماعي! وعرض لنا نماذج وجدتها حقاً تحاكي بعض ما يعرض في تلك المواقع! كأنها تغريدات في تويتر، لرجل يحكي حادثة عراكه مع أحد فقال أنه ضربه حتى انتهكه حرفيا، أو لآخر يصف علاقة عابرة في فندق! نعم، ففي فندق الفاو قرأوا كل هذه التفاصيل التي سجلوا فيها ما يحدث اليوم في كل فنادق العالم، على حد تعبير العالم، عالم الآثار، كانت دهشتي مرتبطة بأن البشر هم البشر. إذن فتلك اللغة تشبه تماما بعض أحاديث الشبكات الاجتماعية اليوم، نقوش مليئة بالسِباب البذيء، وصف العلاقات الحميمة بفجاجة! وعلى الرغم من ذلك فإن لكل ذلك قيمة مهمة وضرورية في سبر غور تلك المجتمعات، والتي تجعلني أستنتج أن البشر هم هم في كل وقت ومكان فسبحان الله.

ثم جاء دور وقت مستقطع، تناولت فيه تلك القهوة في الهواء البارد الطلق الرهيب، وابتسامات الغرباء تجعلهم قريبين جداً! القهوة السوداء في الأمسيات هي أمر لا أعرفه أبداً، لكنني أخذت جرعة كافيين لأحارب تضعضع عظامي بفعل بداية انفلونزا مرتقبة، مع أني أحارب بغرغرة ليمون طازج، تغدو الأنفاس بعطر الليمون بعدها، وهو علاج ناجع جربوه. وفي الاختلاط بالناس متعة أستشعرها بين وقت ووقت. لاسيما في سياق مثل هذا. عدنا لطريقنا، ورافقتني مثل تلك الابتسامات مرة أخرى، ونفس الترحيب إياه. ثم عدت لمكاني، وأنا أكثر استعداد لسماع المزيد، كانت المحاضرة التالية ارتجالية، بدأها المحاضر الرهيب بالبحث كثيراً عن نكتة تناسب بداية حديثه، يقول أنه ذهب إلى قوقل يبحث، وانتهى الأمر بقفلة عادية لكن تعطش الناس للضحك كان أكبر من احتمالية تقبلهم لها ببرود، الناس يميلون للضحك في مثل هذه الأجواء الجادة الحادة المشدودة، وحسناً فعلنا. قال الانثربولوجي أنه لم أحضر لنقاط معينة، لكنني سأجيب أسئلتكم، كانت الأسئلة حلوة، عن اللغة العربية، وعن المرأة في الإسلام وقبله، وهذا سؤال أحببت جوابه، من حيث أن المرأة اجتماعياً ما اختلف الأمر بالنسبة لها كثيراً، كما قال. وسألت عن الاستشراق، الذي جاء الجواب بأنه مثل الدواء أو الرأي، استفد منه، ولا يمرضك. أيضا سألت عن الربط بين القصيدة الجاهلية والنبطية. وعبر بنا الانثربولوجي بفكرة تشابه السامري في وادي الدواسر، بموسيقى الجاز، الأصل واحد، موسيقى السود واحدة حول الأرض، وهنا جاءت فكرتي التي سجلتها، كيف انتشر العرق الأسود قسراً في كل الكرة الأرضية، وأزعجني أنه ما كان أمراً طوعياً تماماً. وسمعنا نماذج من ذلك. كان الظريف أيضا الحديث عن تقاليد القهوة العربية، من إعدادها إلى تقديمها، وكيف أنها طقوس، وروحانيات، أدهشني الحديث عن فكرة المؤاكلة، عندما تأكل معي فأنت شاركتني في صداقة، الطعام يصنع العلاقات، الأعداء لا يأكلون سوية، فإذا رفضت تناول طعامك معي فأنت عدو لي! يعني أنك تضمر أمراً لا يروقني، الطعام إلتزام بالمشاركة، ومشاركة في الالتزام. تشعب الحديث أكثر في الحديث عن توثيق أي تجربة إنسانية، وهو أمر ضروري للتعلم، أي تجربة إنسانية يجب أن توثق. مثل توظيف العرب لقدراتهم من أجل تجاوز صعوبة الحياة في هذه البيئة الصعبة. قصة غالية البقمية أيضا كانت رداً على دور المرأة، قصة الجندر في المجتمعات المحافظة أيضا مثيرة للاهتمام. فكرة مزايين الابل، وتحسر الرجل على الجمل هذا الصديق الوفي لإنسان الجزيرة العربية، يقول أن بيكاسو لا يفهم في الإبل وجمالياتها، مثلما لا يفهم البدوي لوحات بيكاسو. السياق ضروري، والأمر ثقافي حقاً، يجب أن نستوعبه، حتى نتعلق به ونفهمه، ونحن يجب أن نختار بعناية ما نحب ونتثقف بشأنه حتى لا تلتهمنا ثقافة لا ننتمي لها ولا تتسق مع مقومات عيشنا. عرّج بفكرة اختلاف السياقات والمعاني، واختار القول بأن ثقافتنا العربية تساعد في فهم أشياء موجودة في الثقافات الأخرى، وضر مثلاً لمعنى كلمة عذراء في العربية، وهو اسم جميل أحببته ذلك اليوم، قد يعني المعنى المباشر، الفتاة البكر، لكنه يعني الفتاة الشابة في ثقافتنا. مضى الحديث في أمسية ممتعة ولن أتردد في حضور مثيلاتها في المستقبل القريب. فرصة طيبة لتلاقح الأفكار وتلاقي الثقافات والتعارف الضروري، المهم أن الأمسية انتهت وانتهى بي المطاف بشعور أنني أود البقاء أكثر، مثل أن أود ألا أنهي هذه التدوينة، لكن لابد مما ليس منه بد. فأقف هنا وأنا أشعر بشبه رضا عما وثقته، أليس التدوين تجربة إنسانية؟ اللهم نعم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s