ليلة وحدة وحيدة وقصيرة [قصة قصيرة]

اهتزت الساعة الإلكترونية في يده لتخبره أنها صارت على رأس الساعة العاشرة مساءً، رفع يده بسرعه ليتأكد ويطلق في الوقت نفسه زفرة ثقيلة دلتني على ضيقه من ضيق الوقت، يبدو أنه يحس بأن ليلة الجمعة أقصر من أن تبدأ ويكون فيها أقل طاقة مما يحتاج. فاليوم طويل جداً وسريع على نحو يستنزف قواه، بالذات لو كان مشاركاً في اجتماع صباحي أبكر من المعتاد كما يحدث أحياناً. قال لنفسه، لم أتمكن من قراءة نصف هذا الكتاب، خططت أن أنتهي من كتاب واحد في كل أسبوع، ولا أراني إلا أفشل مرة بعد مرة، وكتاباً بعد كتاب. فلا هذا المساء يمنحني المزاج الكافي للتوغل أكثر في القراءة فلقد أزف وقت العودة إلى المنزل، ولا يتيح لي أن أتناول كوب قهوة طازجة،ليت الوقت كان صباحاً وأنني استيقظت للتو بلا عمل ولا قيود ولا ارتباطات. أثقال تمتطيني وتتراكم على كاهلي، وازدحام في عقلي يجعل من كل حدث يحدث أمامي يتحول إلى حادث مروري في ذهني، مع هذه الوصفة من هذا المزاج، أصبح صدامياً، وعنيفاً، وأثور بسرعة، أعصابي تصبح أكثر انفلاتاً، وهذا مما يزيد ضغطي أكثر، وهكذا، أدور حول نفسي مثل دوامة تدمر ما حولها معنوياً، حوادث اصطدام في الدماغ فقط، حوادث الضجر، وتنتهي إلى لا شيء، تتلاشى في مهب الريح. ثم إن ما يزيدني أسىً على نفسي، هو ذلك الشعور الممض بالوحدة، أطلب العزلة البنّاءة، لكنني أتوه في متاهات لا أطلبها من الحنين، والوجد، تنتهي بشعور خفيف يتلبسني من الكآبة. لا يمكن لأي أحد أن يفكر فيما أفكر فيه، ولا يمكن لأي أحد أن يقول الشيء الذي أنوي قوله. وحيد في وحدة، مع أن نشدان العزلة تجعلني أكثر هدوءاً ومتصالحاً مع مشاريعي وأفكاري وقراءاتي وكتبي وكتاباتي. مضت عشر دقائق وهو يغمر نفسه بمثل هذه التهيؤات الخانقة. رفع رأسه من كتابه، تجول بعينيه في هذا المكان المرتب، وانتبه إلى النعاس الذي داهمه، وقرر النهوض بسرعة، وحيث أن لا التزامات عليه ولا فواتير سيدفعها (اعتاد أن يدفع الفاتورة بمجرد الطلب، حتى لو جلس في المكان)، فكان هروبه من المكان سريعاً، هرب من المكان، لكنه يهرب من أفكاره تلك! عانقته برودة ديسمبر الرطبة بمجرد أن وضع رجليه خارج المقهى المكتظ، وفكر في نهاية ممكنة لهذه الليلة، نهاية تكون في صالحه، صالح انتشاله من الشعور بالضيق الذي اكتنفه. يوم خميس مُنهِك، ونوم قليل، وأفكار ونوايا لا يجود بها الواقع الموجود. انزاح تفكيره وهو يقود سيارته بعيداً عن اليوم وأمس وأفكاره، تذكر أن غداً يوم جديد، وستشرق الشمس، ويبدأ مرة ثانية، وفي نهاية الأسبوع، هناك لا حد للفرص، يمكنه أن ينام حتى يشبع، يمكنه أن يخطط للاستيقاظ مبكراً جداً، لكن ذلك لا يتهيأ كل مرة، بمجرد أن تقترب الساعة من منتصف الليلة يغرق في هاتفه، ويضيع الوقت هباءً على اليوتيوب، أو تويتر، أو حوارات جافة. يطرد هذه الفكرة بسرعة ويقرر، سأستيقظ مبكراً وأقرأ وأكتب وأستمع لشيء أحبه، وسأعانق القهوة السمراء بمظروف سكر واحد، وأصبر حتى يدهمني الجوع، فأتناول فطوري وأصلي الجمعة في مسجد كان قد بني للتو. ومع بياض الصورة التي تتشكل أمامه، ينكفيء من جديد إلى فكرة القيود التي لن تتركه بسلام، يريد وحدة من النوع الذي يتوحد فيها مع ذاته وما تحب، يريد انعزالاً عن كل ما يعكر صفو مزاجه، ولن تتركه القيود ينعم بذلك، إلى الأبد. يهرب إلى خياله، يلجأ إلى خيالات عقله بعد أن يسمي بالله وينقلب على جنبه، فتتهيأ له الصحراء بسرابها وعيونها التي تحفها النخيل الوارفة، وغابات من شجر لم يتبين لونه، لكنه فاحم على أي حال، واحة وحيدة محرمة، لا يطأها إلا بعينيه، ويقلبها ببصيرته دون يديه، ويداري وحشته التي تتضاعف مثل فيروس مجنون. لكنه يهدأ، يتشتت همه وقلقه شذر مذر، وهل من سكون وراحة بعد مثل هذا، لا أظن. وتدور الأيام، تدور. يقف ويقول لنفسه: أنجزت ثم ماذا بعد؟ اقتحمت مجاهل نفسي، فماذا بعد؟ دورة مدورة، لا منفذ للخروج منها، ويخفف من وطئتها، ويجعلها أقرب للابتلاع وأخف على النفس، كل كلمة شفافة متبادلة، مع قريب أو بعيد، كل حكمة تلتقطها عينه وهو يمشي الليالي الطوال، وحيداً، كل قصيدة تلمع في تلك الصحاري كالغدير البعيد في عيون الصدي، العلاقات بجودتها وعنفوانها وتقبلها هي عنصر تقدمنا في هذه الحياة، العمل يمثل طوق نجاة في حالات مثل هذه، وضحكات مع زميل أو حتى البائع في المحل. اهتزت الساعة مرة ثانية، كانت تهتز لتقول له، لقد مشيت عشرة آلاف خطوة اليوم، وهذا رائع، وتنبهه إلى أنها ستتوقف إذا لم تشحنها الليلة، وأخبرته أيضا أن الساعة هي الحادية عشرة قبل منتصف الليل، ثم اهتزت الاهتزازة الأخيرة لتخبره عن اتصال على هاتفه فحواه سؤال روتيني: أين أنت؟، يجيب: هأنذا، وينتهي الاتصال وهو لا يدري أين هو، وإلى أين يذهب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s