رحلة عبر أيام أسبوع

يمر الأسبوع متمهِّلاً حتى يحين التوقف المرتقب في نهاية الأسبوع، في الأصل يبدأ الأحد فيبدو كأنه جبل عظيم صعب المرتقى، يردفه كأسرع ما يكون يوم الإثنين مثل تلَّة معشوشبة أعبرها بطاقة كافية وافرة للإيغال أكثر في الأسبوع وأحداثه المتوقعة وغيرها، وعندما أصل للثلاثاء، أراه منبسطاً كسهل قاحل بلا أي علامة بارزة، مساحة جرداء ليس فيها ما تلتقطه أذناي أو تراه عيناي، وبالكاد، ما إن أصل لمساء الثلاثاء، حتى يعلو صوت الأربعاء الصاخب من بعده، صخب محبب أجد له في روحي صدىً لا ينتهي، الأربعاء خميسٌ مُصغَّر، يحين الأربعاء فألتقط أنفاسي وأطلق الزفرة الأخيرة، وأنا أنحدر إلى تلك الجنة المُرْبعة، جنة نهاية الأسبوع، يوم الخميس، والذي تلفني فيه كل بهجة ممكنة، لا أزعم أنني وحش حفلات، من النوع الذي يطوف بأذهانكم الآن، لكنني أسند ظهري للخميس، وأتنفس بعمق، على الرغم من تعب يوم العمل الصباحي، والوقت متاح دوما، لكتاب رهيب، وكوب من القهوة -صغير- بالحليب. في الخميس بالذات، تنبعث الاقتراحات، ولأني أشعر بالأريحية الغامرة، لا أرد طلباً يتعلق، حتى لو كان الطلب زيارة سوق قريبة، أرافقهم، فأتجول حتى تكل قدماي، أتفحص البضائع، ولا أشتري، أتفحص ببرود كأن ليس هناك غد. أرتدي معطفي البني ذو القبعة، “الهُودي”، وثوب أبيض بياقة مقلوبة، وحذاء نايك بلون الخُضرة العميقة الغامقة. بعد صلاة عشاء في المصلى، أسمح بانزلاقة الزمام فينفتح محدثاً ذاك الصوت الذي يضيع وسط ضجيج البشر، ويعانقني الهواء الطازج، وينفرج عما اختبأ، ويتملكني الملل، مع أن السماعات في أذني، فأتفحص وجوه الأطفال المتاحة بحثا عن ملامح متوخَّاه، فلا أصل إلا إلى سراب أجاج، فأهرب بعيداً، عن أوقات الخذلان الذاتي الموسمية التي تعبر بي كل صيف، لاسيما والشتاء عبر الأبواب نحو المدينة، أركض بذهني فراراً إلى ساحل العقل المتهادن المتصالح مع كل النقائض، وأردد في سرِّي أن البعد بردٌ والدُنو دفء. تمضي الأمسية بسلام وارد الحدوث، بتدبير من الخالق سبحانه وحده. فأصل زحفاً لوسادتين، أسند رأسي المنهك عليهما، قبل أن أقلب صفحتين من الكتاب بالقرب مني رأسي، أو أقرأ تغريدتين. وبدون ترتيب مني يمسك بيدي مخاتلاً ذلك الشعور الشبحي المحبب، بعد أن يقلبني مرة على كل جانب، يمسك بي إلى فكرة ينسجها عقلي، عن ذكرى، إلى أمل ممكن، وأمنية لا تتحقق، أماني، وهل هناك أمنية تتحقق؟ لا، لكني أعرف أن الرجاء أجدر أن يستجاب له. مع كل ذلك، الأماني وتقليبها على نفسي البشرية وسيلة فظيعة تهدهد قلقي الذي يعبث به إجهادي الجسدي. أفكر في ذكرى جميلة، أو أضع في ذهني خطة صغيرة لصباح تغمره الشمس دافئة الشعاع في غفلة من كل بشر. فيتباطأ الكون من حولي، تماماً، فأرتخي حتى لا يعود لي إحساس بالواقع، أتكور كحيوان الربيان وقد حان وقت نومه. ثم ينهمر تيار اللاوعي الجارف، يستدرك ما فات، ويصنع مما حدث وما لم يحدث، مشاهد مذهلة أتذكرها في الصباح وأنساها بسرعه، بالذات إذا نسيت أن أحكيها، وقلما أذكر. وفي كل نهاية أسبوع مُسعدة، أغمض العينين، وأفتحهما، فأراني، جلست مثل اليوم، يوم سبت شامخ صموت، يقول توقف، فقد اقتربنا من جبل الأحد، فأجلس أمام لوحة المفاتيح، أحاول أن أفي بالتزامي البرئ في أن أكتب يوماً وأدع يوماً دون أن أكتب، أحاول أن أزعب في التدوينة مما تتيح لي إياه الأحاديث التي تجيش في صدري، وأزرعها بذور مسودات هنا في هذه المدونة/الورشة، أكتب أكتب، وعيني على عداد الكلمات، وأقتصد في حديثي تارة، وأسرف تارات، وقصدي الأساس أن أصل إلى  كلمات خمس في مئة، ويعاندني العداد، عندما يعلم أنني أحاول أن أفرغ من الكلمات، فبعدما كان بيدي خطام بعير التعبير، أراه جافلاً متعنتاً عصياً على الانقياد، فأجره، وأحاول ألا أدع له فسحة للثبات، وأغريه، بشعور بالخفة سيتملكني بمجرد الضغط على أنشر، فيستجيب.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. شجرة كتب:

    وصفك وتشبيهك كان جميل يا علي، أحببت هذه الرحلة. وآمل أن يستمر ضغطك على نشر التدوينة لأنه ما من شيء يخفف علينا وطأة الأيام كالتدوين.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكرا لعبورك الكريم، بارك الله لك وفيك، والكتابة عالم يتملكني ومستمتع به حقاً، وفيه من تعليقك ما يحفزني للمزيد.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s