رحلة 52 تدوينة في 2016م

أشعر أنَّه بوسعي اليوم، وفي هذ الأسبوع، أن أكتب في هذه التدوينة فكرة تقول أنَّ مدونتي البسيطة هذه قبل مشروع التدوين الأسبوعي كانت ثم صارت، عاشت كفكرة ما ثم أصبحت توجهاً واضحاً واستمراراً في مطاردة الكتابة والتدرب عليها بشكل جاد وممتع ومثير إذا كان زعمي بذلك صحيحاً، حقاً، فأنا أشعر أن هذا المشروع قَسَّم تجربتي في التدوين إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل التدوين الأسبوعي الملتزم وما بعده. ولأني وصلت بحمد من الله وحده إلى الأسبوع الأخير وأنا لا أزال متمسك بالتزامي، طرأ ببالي أن أمسك بأعطاف كمبيوتري، ثم أنشر أزرار الحروف أمامي وأحاول أن أكتب عن هذه التجربة، ولأني لم يتسن لي ترتيب أفكاري وعرضها بشكل منطقي، قررت أن أطلق العنان للعاطفة والأحاسيس التي تعلقت بالتجربة. أتذكر البداية مع المشروع مع رؤية جديدة وأهداف جديدة للعام الجديد الفارط، 2016م، ومع محاولاتي وتجاربي الرسمية وشبه الرسمية، والسنوات الثمان السمان عندي في هذه المدونة، شعرت بحاجة إلى إلتزام ما، موزون ومستمر في محاولة صيد الأفكار وتوثيقها وكتابتها، كنت أخاف التهور في إلتزام مثل كتابة تدوينة كل يوم! وهذا أمر أشعر بمشقته دون تجربته، فكان البديل تدوينة كل نهاية أسبوع. ولربما نشأ مثل هذا التوقيت، لولعي مؤخراً بفكرة أن السنة فيها 52 أسبوعاً، وكيف أن الأسبوع أقرب للتوقع والتصور، ومضموم لبعضه أكثر شذر الأيام، وتشظِّي الساعات ودقائقها وثوانيها، فالأسبوع أقرب لي من الشهر والربع والسنة بأكملها حتى. وكان مثيراً عندي أن أصل في كل أسبوع إلى يوم الأربعاء أثناء المشروع فأبدأ بمراجعة ذاتي في خضم الإزدحام الأسبوعي والمسؤوليات الكثيرة جداً، أفتش في مسوَّدات الملاحظات على هاتفي، أو في غرفة تحكم المدونة أو الورشة كما أسميها، ويبدأ يتفتق في ذهني أسلوب أحيك فيه حكايتي الأسبوعية. وفي أحيان أراني منذهلاً عن المشروع تماماً حتى يكاد ينتهي الوقت، وتوقيتي هو أن أكتب تدوينة على الأقل يوم الخميس أو الجمعة أو السبت، وإلا فلا تحتسب تدوينة أسبوعية. لذلك أحياناً أجد نفسي محصوراً في زاوية الكتابة وإلحاح الاضطرار لها، فأطرح نفسي أمام الشاشة وأبدأ أكتب عما أثار شجوني القريبة، وهذه حالة متكررة في المشروع. في حالات أخرى صرت وَلوعاً بالترجمة، ولست أزعم التخصص، لكنني أطلع على أشياء بلغات أخرى وتستنفز أقصى أقاصي حماسي، وأنبهر بها، فلا أملك إلا أن أسجل إعجابي بانهماك عظيم في الترجمة، ومع الترجمة وجدت أن هذا النشاط العجيب فظيع، يحرث دماغك حرثاً، الترجمة كما أفهمها هي نقل المعنى بأسلوبك الأدبي، الترجمة الحرفية أسهل ما يمكن ربما، لكنها جامدة مثل الروبوت، الترجمة مع المحافظة على روح المعنى تشبه أن تغرس شجرة في موطن ثانٍ وتجتهد في تهيئة المكان من حولها حتى لا تشعر بالغربة. أذكر أيضا أنني في أسابيع معينة كنت أنظر لهاتفي وكاميرته وأتشوق لأيام استعراض الكتب في السناب مثلاً أو في فليكر، فأقرر أن أسجل وأرفع المقطع كتدوينة، وقد يكون مقطعاً صوتياً، تدوينة صوتية مطرية أحاول أن أكون فيها على السجية تماماً، ويهمني أكثر ما يهمني أن يكون الحديث واضحاً ومفيداً. كانت المفتاح في كل ذلك هو أن أستسلم لخيالي، ذاك الجَموح فيما أزعم، ذاك المتكون مما أقرأ، لذلك لا أدري هل أكتب في التدوينة لأني أقرأ، أو أن أنا أكتب لأني أقرأ حتى يمتلئ الصنبور فأفتح الحنفية، لست أدري، لكنني أدري أن نشاطي الأسبوعي هذا هو إنتاجية في أجل معانيها الذاتية، وهي تفاعلٌ رهيب مع الذات، وتحدٍ لها. أيضا، لا يسعدني شيء مثل تلك التعليقات التي تشرق على المدونة أو المشاهدات التي أتابعها بعد تدوينات نهاية الأسبوع ولو كانت بدون تعليق، مع هذا، كنت حقاً أكتب من نفسي لنفسي، ملأ عليَّ هذا المشروع نهايات أسبوع عديدة لا أدري بدونه كيف سأفعل؟! كانت الكتابة تنتشلني من أي شعور بالثقل، فبمجرد ما أضغط على زر انشر، أشعر بخفِّة روح لا تضاهى، ولعل المجرب يفهمني. حرصت أيضاً على الاعتناء بكل تدوينات المشروع فصنفتها تحت تصنيف محدد، لي وللعابرين وللتاريخ. كان أنيسي وسميري طوال الوقت، ما أقرأه في رزنامة تكوين التي تحصلت عليها قبل بداية العام، حيث كانت مقولات القراءة عميقة ومسرِّية عن الذات في كثير أوقات، وبعضها فعلاً أيقظ جذوة حب الكتابة فيَّ وجعلني أراه دربي الثانوي الذي سيكبر يوماً ما إذا كبرت. الكتابة متنفسي وطوق إنقاذ عشته في الفضفضة بعد أسبوع عمل مضغوط، أو إلتزامات حياتية اجتماعية لا تنتهي حتى تبدأ من جديد، أو حتى حالة كسل مزعجة تطفح بصورة استهلاكية مؤسفة قد أتعرض لها لو ما كتبت. الآن، يلوح في الأفق مطلع عام جديد، وأفكر فيما يمكن أن أواعد نفسي فيه من مشاريع، طبعا، أستعبد فكرة تدوينة كل يوم، تحتاج لتفرغ أكبر مقابل أشياء أخرى أحبها، مثل القراءة. لذلك أفكر بكتابة تدوينة في يوم، وأخلف اليوم الذي يليه ثم أعود وأكتب، أصوم يوماً وأفطر يوماً، كتابة الدهر، وهكذا. حتى لو تخلفت أكثر، فسأعود. أتذكر في أحد الأسابيع الفارطة ما تمكنت من كتابة التدوينة في الوقت المحدد، فكان أسبوعاً قاحلاً مقفراً، وقصدت ألا يكون فيه أي نوع من التعويض، عاقبت نفسي بأن يكون هناك ثلمة في مشروعي، ثلمة تقول أنني كائن بشري يعتورني كل نقص، ولازلت غير قابل بفكرة الروبوت، لن أكون روبوتاً، حتى في الكتابة التي أحبها. كتبت طقسي الأسبوعي في السفر، وفي الصباح، وفي المساء، كتبته في المقهى، أكثر من مقهى على وجه التحديد. كتبته وأنا غاضب، وأحياناً وأنا محبط، كتبته وأنا أطير من الفرح، أنتشي بالطرب والجذل، كتبت في المكتب، ونبذت الوظيفة والاجتماعات ورائي ظهريا. كنت من فرط حماس الأسابيع أكتب أكثر من تدوينة في الأسبوع، حقاً أن الكتابة تجلب المزيد من الكتابة، عطش لا يرتوي. أولا وأخيراً، هذه المدونة، منذ بدأتها في 2008م وهي تعيد تشكيلي وتشكيل توجهاتي، وتصنع ذاتي في مكان أشبه بالمُحترف أو الورشة، لا أحد يعرفني تماماً، ولا يهمني أن ينتشر ما أقول ولا من يقرأ، لا يهمني كثيراً، لكن أحب جداً أن أستمر، ورشة أبقى فيها صغيراً حتى يتعذر على البقاء، ولربما أبقى هكذا للأبد، يكفيني هذا. هي أثر، هي شجرة، هي نسخة عن جزء من بعض ما يعتمل في ذاتي وداخلي. يعبر الآخرون به، أناس عرفوني، يذكرونني، أناس لا أعرفهم، ينسونني، لكنها شجرة، مثلي فيها ظلال مُتَوخَّى، وكلمات إيجابية ممكنة وفي المتناول، في شجن مبثوث، وعصارة ذهن قضى أوقاتاً بين الكتب، ويحاول أن يقلد أو يتشبه بأشياء رأها وأحبها، ولعله لم ينجح، أو نجح، لا يهم تماماً، بالذات في هذه اللحظة، العابرة بسرعة، المسألة ليست -مثلما أردد دوماً- ليست في النتيجة والمحصلة، المسألة عندي دوماً هي الرحلة وكيف كنا على متنها، والحياة برمّتها رحلة، وحا نحن نحلِّ تارة ونرتحل. نحلِّ ونرتحل، بين حلول وارتحال، حلول وارتحال، حلول وارتحال، حلول وارتحال، حتى يقضي الله سبحانه أمراً كان مفعولا، والسلام.

Advertisements

2 Comments Add yours

  1. Yazeed كتب:

    توقفت كثيراً عند هذه الأسطر ’’ وتصنع ذاتي في مكان أشبه بالمُحترف أو الورشة، لا أحد يعرفني تماماً، ولا يهمني أن ينتشر ما أقول ولا من يقرأ، لا يهمني كثيراً، لكن أحب جداً أن أستمر، ورشة أبقى فيها صغيراً حتى يتعذر على البقاء، ولربما أبقى هكذا للأبد، يكفيني هذا. هي أثر، هي شجرة، هي نسخة عن جزء من بعض ما يعتمل في ذاتي وداخلي. ‘‘

    وسبب توقفي أنها توصفني تماماًً ، لا أحد يعرف مدونتي إلا نصفي الآخر الذي أعيش به حياتي .. لا أحد من أصدقائي يعرف عن مدونتي ولا أكترث بأنتشار ما أكتبه ..
    أتوافق تماماً معك في هذا .. تحياتي لك صديقي علي.

    Liked by 1 person

    1. علي كتب:

      كم تبث فيَّ كلماتك سروراً وامتناناً؟ أشكرك مرات ومرات يزيد على تفاعلك وإعجابك وتواصلك الكريم، وهي فعلاً تجربة مثرية ممتعة، أعني التدوين، تكتب وتحاول رصد أفكارك وتطورها عبر الزمن، لك التحية والتقدير.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s