لحيتي و علچ غندور

ومن النعيم، حرية ذاك القرار، أن يمر الزمن، بسرعة، ويبدأ الشتاء، وأنظر إلى وجهي في المرآة، ولا أدري على التحديد مالذي يجعلني أقرر في ثوانٍ أن أترك لحيتي تطول. فبين وقت ووقت أهجر مكينة الحلاقة تلك التي تأكل من شعر لحيتي ولا تشبع ولا أمانع، أهجرها فتطول اللحية، أشعر بالدفء بها ربما، أتصور السواد يزيد من خيالي، وتكتمل بها أشياء أشعر بها في داخلي، تطول وأشعر باستدارتها على خديَّ، لا ألمسها، حتى فيما يتعلق بالتحديد، أدعه للزمن. التحديد قيد وأنا لا أحب القيود، أدعها تسترسل مثل بعض أفكاري، بعشوائية الجمال في عيني. ولا ألمسها من الأعلى بالذات وبالذات عند الحلاق الذي يتبرع كل مرة ويسألني، وأنا لا أحب ثرثرة الحلاقين، وأسئلتهم، لذلك لا أزوره إلا لمماً، وأغيِّره في كل مرة، ما الداعي لأصادق حلاَّقاً، يأخذ مني شعري وأصادقه، في هذا من الإجحاف ما لا أستسيغه. وفي ذاك السواد صار البياض ينبت على استحياء، لم يشتعل بعد مثلما اشتعل في الرأس على غير استحياء، وليس لي من الأمر إلا أن أبتسم وأسعد بهذا الرصيد من الوقائع الذي أحرق سواد لياليَّ. وتطول، تطول تلك الجميلة، فيطيب لي خضابها بكل طيب ممكن، وبكل عود محترق يثير فيني أقصى حالات الحبور. ثم يمر الوقت سريعاً كما بدأ، ويحين الوقت لنظري مرة ثانية في المرآة، وأجد أن اللحية البوهيمية لا تليق بمحاضرة سأحضرها غداً، أو فعالية سأمر بها، أو لطائرة سأستقلها، فتغازلني مكينة الحلاقة من بعيد، ،يغريني شعور الخفة ذاك، بعد أشهر من الثقل، فأطلق عنان الحرب في ذاك المكان، وأعود من نعيم إلى نعيم.

***

وأستيقظ منتعشاً على إيقاع حماسي تحرّكه ساعات صباح أول أيام نهاية الأسبوع الخفيفة المسرورة، أقضي طقوس الصبح، ثم أضحك على الفتى وهو نائم في مكاني، فينطلق بسرعة لا تشي بنعاسه المتوقع، يقفز، ويتعلق بي معانقاً جسدي وكأني شجرة، وأنا شجرة. يجري معي نحو غرفتي، يجري لأني جريت، فإلى هناك. هناك، أعقد معه اتفاقاً صغيراً بعد أن فاوضني على قطعة علك غندور بالمستكة والتي لا يمل من طلبها. قلت له، اغسل وجهك ويديك وزر الحمام زيارة خفيفة، وأعطيك، طيب؟ طيب. ثم يمانع ثم يوافق تحت إغراء وإصرار اللحظة وحزمي، تجري الأمور هكذا، أتظاهر بتجاهله فيركض ويعود، وبعد جدل مُنمنم، أعني جدلاً قصيراً صغيراً حُلواً مثله، يقوم بما هو واجب عليه وأفي -طبعاً- بما وعدت. كنا اتفقنا أن أعطيه علبة واحدة، لكنه يقف ويتكيء هذه المرة على كرمٍ يتوقعه مني تجاه طلباته الحلوة مثله، قال أنه يريد خمسة علب لأصدقاءه، فرحت بطلبه، قلت له وزعها عليهم، وأنا أوقن أن الأمر يتعدى مسألة الكرم والتوزيع ومضغ العلك اللذيذ، الأمر عندي في لحظة تجلي يعني أنني أزرع ذكرى في مخيلة كل أولئك الأطفال، أن أصنع تاريخاً معهم لا يدرونه، سيتذكرونه يوما فيقولون: “هل تذكرون زيد الذي كان يعطينا علك غندور اللذيذ كل يوم؟” نعم يتذكرون ويضحكون وينسون أي شيء عن ذاك الذي فرحته من فرحتهم، نعم وأنعم بها من فرحة ونعيم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s