في: ما بعد الرومانسية

يتبادر إلى ذهني وأنا أعود للكتابة في هذا الموضوع، أن الكلمات التي تعتمل في الذهن وتعبر من داخل الذات إلى لوحة المفاتيح عبر الأصابع وترتسم على هذه الصفحة هي كلمات رومانسي سابق في أقصى حالات توصيفه وكأنه كفر بكل ما هو رومانسي، ويمكنني أيضا أن أقول أنها كلمات من رومانسي يحاول أن يتوب إذا حاولنا الاقتراب من الوصف الأقرب للحقيقة، كنت أقول آخر مرة أنني ربما لا أعود إلى الكتابة في مثل هذا الموضوع، لكن الكتابة هي بوابة بُرء وشفاء أتواخَّاها، وقبل أن أكتب أبحث وأسمع وأشاهد وأقرأ، وأقلب الرواسب والنوازع في الذات وفي التفاعالات من ذاتي إلى من حولي، ومن حولي إلى ذاتي، وأنام على قلقٍ لا أعرفه، على ارتياب وتحقيق مع الذات والنفس لا أعهده كثيراً، من نوع يجعلك تنفر إلى ربك بلسانك وجنانك، تستغفر وتسأله الرشد، وترجو وترجو ألا يخيب رجاؤك، ومع ذلك تستيقظ من كل ذلك على حيرة مازجها النعاس وقلة النوم والتعب، فتنصرف إلى ما يلهيك ويشتت قلقك المرير المستمر، وتكبر المعاني في ذاتك، ثم يأخذك خيط رفيع من الخواطر والتفكير والتفاعل مع الأفكار إلى أماكن أكثر قابلية للاقتراب، أكثر قابلية للتعبير، وتتذكر رغبتك في العودة للكتابة، احتمالية عودتك المرتقبة، فتعود، لمسوَّداتك فتعيد الصياغة وتملأ البياض أمامك بالمعنى الذي تستشعره. ولعل الانطلاقة الآن وهنا، تبدأ من مفهوم “الغيرية”، الغيرية تعني أن تدرك ذاتك، تدرك أنك أنت، أنت، ثم يأتي دور إدراك أن غيرك، هو غيرك، ليس أنت، المذهل والمثير والتناقض الملفت في هذا الأمر، أنك لن تعرف الغيرية حقاً، إلا إذا اقتربت حقاً حقاً، وهذا مما يضحك ويبكي، كلما اقتربنا أكثر فأكثر، بدأت الفوارق تظهر، ونقاط عدم الالتقاء أوضح، صار الاختلاف سيد المرحلة، لأن التوافق سهل المراد، والاندماج عن بعد وفي كل البدايات متاح، لكن على القرب ندرك حقاً أن الغير هم غيرنا، حتى العقل، فيزيائياً، يعرف هذا بالحواس الخمسة. لكن الكائن البشري، بعقله وروحه وعواطفه ومنطقيته وكل نوازعه، لا يستعصي عليه أن يجد مخرجاً للرغبة في الاندماج مع عدم إمكانيتها الكاملة، فلا يمكن يمكن لجد أن يندمج بجسد في هذا الكون، فقام بأمرين، أولاً، اكتشف ما يشفي غليل رغبته العارمة المتجددة بالاندماج ما كائن بشري آخر يميل إليه، ثانيا، اخترع ما يغني تجربته تلك ويضيف لبعدها الفيزيائي شبه الاندماجي، بعداً روحياً طمأنينياً، تقريباً. اكتشف بفطرة الله التي فطر الناس عليها، كيف يمكنه أن يزرع الأرض ويترك أثره بعد شبه اندماج يميل إليه ميلاً شديداً ويرغبه على الدوام، وكأنه داع لمقوامة الفناء، داع صارخ لا يصمت أبداً، فكل البشر تريد أن تترك ذاك الأثر، الرجل يمنح والمرأة تحتوي. ثم تنبت الأرض ما يدل على تلك المواثيق الغليظة والروابط العالية الرفيعة. ويكاد يكون مدار حياته يعود إلى تلك الرغبة العجيبة في أن يتصل ويندمج ويترك أثراً، وكما لو كانت مهمته الأهم على وجه الأرض، ويأتي مكملاً لهذا الاكتشاف الفطري، اختراع آخر مكمل له، اختراع الحب، وقبل أن أكرر هذه الكلمة من حرفين والتي كانت وتكون وستكون موجودة دوماً، ملحة ملحاحة على كل ذي نفس، ويجب أن أسجل بأن الحب هو في حقيقته، يجيء في شقين، أن نُحَب وأن نُحِب، ويبدأ الإنسان في البحث عن الحب من أجل يُحَب، أن يُحَب هو شعور يعيده إلى أول أيامه، أول يوم عرف فيه البشر، عرفه نفسه وعرف من حوله، عرف وهو طفل لا حول ولا قوة له، عرف كيف يغدقونه بالاهتمام، دون مقابل! ويعتنون بأدنى وأقصى تفاصيله. فيتربى على أن يُحَب. وبعد هذه الفكر الجانبية عن الحب في ذاته، أعود لاختراعه، لأسجل أنه هو اختراع يكمل ذلك الاكتشاف الكامن في الفطرة، الحب هو ذلك الرداء الخفيف الشفيف الدافئ الذي يواري حقيقتنا. وقبل أن أغادر المُكتشَف والمُختَرع، أسجل فكرة لا أريد أن أنساها، وهو أن الرجل، يبحث عن المرأة، الكون كل فيما يقولون يبحث، ويتناقل الرجل، الجانب الرجولي من الكون وربما الكون كله، مقولة، أن تحذر من المرأة، أن تتجنب طريقها، أن تحذر فيها ومنها، وأكتب هذا الكلام لأنني أملك حق التعبير عنه ومحاولة فهمه، وفهمي هذا جسر لفهم كيف تستقبل المرأة نفسها هذا المعنى وتفكر فيه، وترد عليه، لكنني لم أصل بعد، وفي الحال يزورني ذلك القول الشهير وراء كل ما لا يرجوه أي واحة، فتِّش عن المرأة، فتش فهي أصل المشكلة، فأقلبه في الذهن وأسأل فيه، فيعود الصدى من الممتلئة حكمة، “فتش عن النوايا”، فنش عن نواياك، فتش عن نوايا ذاتك، وينتفي الخوف والحذر والرعب الذي تكللت به كل هذه الأشياء، فتش عن ذاتك، فتش عن نوازعك، فتش عن نواياك وغذِّ كل توجه يصب في فهم أفضل وأصدق وأصح لهذه الأشياء، والفرصة ستأتي، الفرص تأتي للعقول المستعدة، وعلى نياتكم ترزقون. والآن لا أريد تكرار نفسي والقول بأن الرومانسية استجابة متوقعة لعصور أعلت من شأن المادة، وقررت أن النجاة هي في أن نعود أطفالاً، ولا أن النجاة في نعيد المكانة لكل تلك الزهور البرية والمناظر الطبيعية الخلابة التي تملأ الكون مقابل الحط من مكانة كل تلك المصانع والحضارة، ولا أن النجاة تكون في العودة إلى كل ماهو فطري بحت وغرائبي وغير متحضر، أو أن النجاة في الهروب من كل ما مستصنع، افتراضي وغير طبيعي، لأن هذا واضح في قول سابق قلته وأشرت إليه. ما أريد أن أقوله هنا، والجديد الذي أحاول أن أهضمه وأتقبله وأتعلمه هو أن التمسك بفكرة واحدة ونبذ النضج هو خيار خاطئ، العالم كله يتغير، ويجب أن نتغير معه، الرومانسية جاءت في يوم لتستصرخ فينا كل ذلك الهروب من الفطرة والطفولية في الطباع والعفوية إلى عالم تحكمه الخطوات العملية والنفعية والبراغماتية والعقل والأرقام والمنطق والمال والمدنية، كان هذا دورها الأبدي الذي يجب أن نعيه، ويجب أبداً ألا ننساه، ولا يعني أيضا أن ننساه أنه فكرة غير حقيقة، كل ما هنالك أن الرومانسية هي حاجة تذكرنا بما نحن، وتجعلنا دوماً في حالة متوقعة نحتاجها من النضج. وذاك الاختراع العجيب الآنف الذكر، الحب، هو رداء يجب بنا أن نطوره ونحميه ونفهمه كل مرة، فلا نخلعه ولا نطرحه أرضاً سواءً كان السبب تحرراً مزعوماً يسمونه، أو تعنتاً عقلياً يتوهمون حكمته، مثل فكرة أن الحب لا يجوز، إنما مزيج من هذا وذاك، يشعرنا بالدفء، ويحمي لحمة المجتمع، ويكُون بين الاثنين، الطرفين، على نحو يشبه ما نُكنُّه ونكونه لذلك الطفل الصغير الذي نعذره فيما يفعل ويقول، ونقوِّمه بلطف لا يكَلَُ حتى يستقيم ونلبي احتياجه -بعد ومع تلبية احتياجنا- بالعطاء المتبادل. ما يُجندل فكرة الرومانسية والحب ويدفنها إلى غير رجعه، هو كل تلك التوقعات العالية الذي نضعها في الدرب، ثم يخيب التوقع مراراً، إن حلم الحب مستمر وفق النظرة الرومانسية لكنه في الواقع مستمر في تخييب ظنوننا، وهنا ومن هذا الادراك يكمن الحل في التصالح مع كل تلك الفوضى العارمة، التصالح مع فكرة أننا لن نصل إلى الشيء المثالي في أذهاننا، حتى ولو حرصنا، الحل يكمن في تقصير سقف توقعاتنا أكثر، في تلبُّسِنا بالطمأنينة، في أن الحياة لا تكتمل، ويتعين علينا أن نقبل ونتقبل، ونضحي بفكرة وهمية تتعلق بتحقيق طموح عالٍ جداً في أن ننجح في الحصول على كل شئ، من مكان واحد ومن المرة الأولى وفي كل مرة، أن نحقق الرغبة الجسدية الكاملة، أن نحيط بالوجدان والميل العاطفي المتجدد، بناء أسرة رائعة، تكوين مسار وظيفي باهر، والوصول إلى أمان اجتماعي مزعوم، سنفشل في هذا كله بالضرورة إذا فشلنا في التضحية والتقبل والقبول بحد أدنى من تشكيلة هذه الأشياء، ونعتبر حصولنا على نصف الطموح منها هو أفضل وأجمل بكثير جداً من ذلك الشعور الظلامي الثقيل المتعب القاتل بالوحدة والنبذ والتجاهل وانعدام التقارب ذاك، التقارب الذي يا للمفارقة يجعلنا نشعر بالانفصال، أو بمعنى أدق عدم إمكانية الاندماج، يشعرنا بالغيرية، هذا قدر البشر في هذه الحياة، ولذلك حكمة في إيماني العميق بحقيقة وجودنا على الأرض. وأتذكر في هذا الصدد أهمية العلاقات والتواصل الانساني العالي الجودة وأثرة على جودة الحياة والسعادة، في تلك الدراسة المثيرة، التي قالت أن السعادة تكمن في عمق جودة التواصل الإنساني، مستقبل علاقتنا وجودتها متعلق بمدى تقبلنا وتمعننا وتفكيرنا في ذلك السؤال الذي نحاول أن نجيبه، مدى تقبلنا لذلك التناقض الوجداني بين أن نطمح بكل شيء مثالي موهوم وبين أن نحاول الرضا بواقع أقل ويحقق بالكاد نصف ما نطمح إليه، وبعض الطموح وهم فيما أظن، وهم صحي يجعلنا على قيد الحياة، ويجعلنا على قيد الرغبة في أن نكون أفضل وأحسن كل يوم، فلا نستسلم لشعور بالوحدة والانعزالية، إنعزالية ووحدة يزينها لنا ويستدرجنا إليها ذلك الكائن القديم الجديد العدو اللدود، الذي أقسم ليحتنكن ذرية أبينا آدم، حفظنا الله بالإيمان، وإن أن نكون مع بعضنا خير من أن يأكلنا الذئب بعد استفراده بنا، مثل أي غنم قاصية، فريسة للحزن والألم والأذى والقلق والتشتت والضياع والبوار، بل عى العكس، أن أدوات بناء وإعمار ونمو وتنمية وقوة وفعل وإنتاجية، رغماً عن توقعات الرومانسية، وحتى ولو نبا السيف مرة ولو كبا الحصان مرة بعد مرة بعد مرة، فلكل سيف نبوات، ولكل حصان كبوات، وأستغفر الله سبحانه، لي ولكم وللمسلمين من كل ذنب، فخيرهم المستغفرون التوابون، حتى الذين يتوبون عن التوقعات الوهمية الرومانسية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s