علي الذي يمشي

19392281700_44d3d8a131_c

قلت أكثر من مرة لأكثر من شخص، أنني أحرك قدماي فتتحرك الأفكار في عقلي، وتزدحم المشاعر والأشياء في روحي ووسط صدري، أشعر بانعتاق وتحرر في كل مرة أمشي فيها مشياً مطولاً، لساعة أو أقل/أكثر قليلاً. بدأت بهذه الممارسة منذ قرابة السنتين، تحديداً قبيل شهر رمضان لعام ١٤٣٦هـ، بدأت بالمشي لأني لم أعد أطق شعور الخمول واللياقة الضعيفة جداً، قضيت ردحاً من عمري في زيارة الأندية الرياضية لفترات متقطعة، بعضها كان مثمراً جداً، والبعض الآخر كان أبعد ما يكون عن ذلك. أتذكر أن أمر النادي كان مقلقاً، تحتاج للاستعداد مثلا وقد يكون بعيداً أو أنك وصلت للمنزل ولا ترغب في أن تذهب لمكان ثانٍ، مع المشي الأمر مختلف تماماً، فهو أهون شيء يكون. والشيء المذهل في أمر المشي هو أنك لا تحتاج لأي تجهيز، ارتد حذاء الرياضة، حتى مع الثوب، وانطلق في أي مكان، بالنسبة لي كنت لا أنظر حتى لمسألة المشي في ممشى مهيأ، أمشي في أي مكان اتفق، أمشط الأرصفة وأتجول بالطرق، كنت أختار الطريق الذي ما مشيت فيه على قدمي، وأقرر وضع بصماتي هناك إن صح التعبير. إذاً فبدأت بالمشي في تلك السنة، وكنت أمشي خمس أيام في الأسبوع، غالباً بعد صلاة العشاء، أو عصراً قبل الغروب. أمشي حتى يكتمل نصاب الخطوات، حيث أن المعلومة تقول أنك إذا كنت تريد الالتزام بحد مناسب من النشاط اليومي، امش ١٠ آلاف خطوة أو ١٠ كيلومتر، فأقيس الخطوات بهاتفي أو بساعتي. وهكذا كنت، واعتمد بالطبع على تقنية أخرى وهي المشي لنصف ساعة على الأقل كل يوم، حسب ما يرشد إليه هذا المقطع الملهم. المشي هو تحرير للضمير من عدم ممارسة للرياضة، المشي رياضة الرياضات، بطبيعة الحال، يقصدون المشي السريع نسبياً، لكن البدايات أياً كانت تعتبر مفيدة، هي أحسن من لا شيء طبعاً، وبالتالي فمع المشي تطور مستواي مع الوقت، وحرصت على عادات أكثر صحة أيضا. وهناك مقاييس أخرى لقياس جودة المشي، والقاعدة الأجمل كانت: امش نصف ساعة، توقف إذا تعبت، عُد غداً. إذاً فكنت أمشي خمس أيام في الأسبوع وأتوقف في نهاية الأسبوع لتغير الجدول والروتين اليومي، لكني مع الوقت صرت أمشي في كل فرصة ممكنة، صرت أنتبه لفكر نصاب الخطوات اليومي من النشاط، فكنت لا أستخدم السيارة إذا لم تكن هناك حاجة، ولا أتوجس من استخدام قدمي في أي مكان، صرت مشّاءً، علي الماشي، علي الذي يمشي. وجدت دوافع الاستمرارية من قبيل أنك ستصبح أكثر وعياً بفكرة الوزن، مع النشاط ستحرق طاقة، وبالتالي ستفقد الوزن، وفقدان الوزن لإنسان سمين هو أمر يجعلني مسروراً للغاية، فأصبحت أنتبه للسكر والأكل غير الصحي، وكذلك الالتفات لفكرة تناول وجبات كاملة، بروتين وخضار وألبان، وكانت فكرة الغداء في العمل تخدمني كثيراً، وصرت أنتبه لطرق لذيذة من قبيل، التوقف عن الأكل بغروب الشمس، أستخدم الدرج بدلاً عن المصعد، أحمل الأشياء الثقيلة، يصفو ذهني للقراءة والكتابة، وأيضا التصالح مع الجوع، لا أحد يموت من الجوع كما يقولون، والحمدلله كل شيء متوفر، التخمة هي التي توردنا المهالك في هذا العصر، مع المشي تحسن ليقاتي جداً، المشي سلوك مثمر على الأسلوب طويل المدى، يقلل الضغط والتوتر ويجعلك إنساناً أقدر على التحمل، وكل الرياضات الأخرى مثل الركض أو الدراجة والسباحة، إنها صعبة الممارسة أو أن لها آثاراً جانبية، الركض مثلاً يؤذي المفاصل، المشي رائع، وكأنه حل سحري، المشي ذاك الجميل، الذي يشبه السعي، ونعلم كم هي مفردة رهيبة مفردة السعي في ثقافتنا العربية الإسلامية الرفيعة، كلمة السعي وردت في القرآن باشتقاقاتها حوالي: ٣٠ مرة ، والسعي في اللغة عَدْوٌ دون الشَّدِّ، المشي أيضا مذكور في الكتاب العزيز، والسعي مشي قاصد بهمة والله أعلم. فكانت مجرد فكرة المشي دورة متكاملة من فقدان الوزن والأكل الصحي والشعور بالخفة والمشي اليومي، وكان من الأشياء المحفزة موضوع تناول المعرفة عبر الهاتف الجوال، والاستماع للمواد السمعية والحقيقة أن كثير من أفكار التدوين أو المشاريع تبدأ وأنت تمشي وحيداً. المشي وحيداً هو المفضل عندي، لأنك مع آخرين ستكون بطيئاً أو سريعاً، لا يمكن الاتفاق، وثم إن فترة الساعة اليومية كأنها خلوة مع ذاتك، وهي ضرورية. كان من المحفزات أيضا ممارستي لهواية التصوير، والحقيقة أن كثير من الصور التي التقطتها في يومياتي لعام ٢٠١٥م و ٢٠١٦م كانت أثناء المشي، توثيق وتصوير والتقاط للتفاصيل التي تفوتك وأنت في سيارة مسرعة. كان اكتشاف الأماكن أيضا رهيباً وملهماً. أن أقرر المشي في حي بعيد، ثم أصلي في مسجد هناك، وأدخل لمحلات قريبة، ثم أقرر تناول شاي أو قهوة في مقهى مثلاً. برنامج لطيف سعيد. كنت أواعد أصحابي بعد المشي أو قبله حتى ينتظم عقد اليوم. لا أنكر أنني قد أستصعب المشي في الغبار أو الحرارة، بالتحديد وقت الغبار أتفادى المشي، لكن الحرارة مقبولة مع الكثير من الماء، وهنا فائدة، المشي يحفزك على شرب الماء. حسناً، ماذا تحتاج من أدوات؟ حذاء رياضي ممتاز فقط! وهاتفك المتنقل وسماعات. هذا ما احتجته، وكنت أشعر بالتحفيز مع كل نزول للوزن واقتناء حذاء جديد، من المؤسف أن تقتني حذاءً ثم تتركه نهباً للاهمال، بالنسبة لي صرت أرتدي حذاء الرياضة في كل وقت، حتى أكون جاهزاً لأي فرصة مشي ممكنة. المشي إدمان حقيقي، لا سيما في جو ممتاز ومع مادة معرفية مفيدة تسمعها مثلاً أثناء المشي. شخصياً أحب مكان المشي الهاديء شبه الخالي، وجود الكثير من أماكن المشي المكتظة لا يزورها إلا غير الجادين، وجود الجادين يشجعك على الاستمرارية. في المشي عز العزلة، وفيه صفاء الذهن ومتعة إطلاق عنان البصر نحو الجمال في هذا الكون. كلمة مشي صارت جزءاً من قاموسي، حتى لو أخلفت نظامي معه، أجده تغلغل في تكويني النفسي وصرت إذا أصابني الضيق أو طلبت السرور مشيت، تغلغل حتى أنني كتبت عنه تدوينة. فالكلمة السرية هي مشي. نشاط مشي ممتع شيق يُسعدك. المشي رفيق لا يُمل مثل الكتاب بالنسبة لي، أعتقد أن التدوينة تنتهي هنا، سأفراق الكرسي الآن، وسأمشي.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s