قال لي شبيه زوربا

قال لي وهو يرقص في الهواء على نحوٍ ذكرني بزوربا اليوناني وغرائبيته الفظيعة، غرائبية إنسانية مألوفة ورهيبة، ذلك لأنها تأتي على السجية، قال لي وقال، قال لي كيف يمكن لنقطتين غائرتين في خد أسمر مستدير أن تكون خناجراً قاتلة في المُهج، وكيف أن الأسنان في مقدمة الفم تحت تلكم الشفاة تفوقان اللؤلؤ المنضود أو البَرد الذي عانق ذلك الثغر للتو من غيم متراكم في السماء، يقول لي ذاك المجنون الذي يشبه زوربا، كل هذه الأشياء تدعني منسياً مثل حبر من الماضي، وتعصرني لآخر قطرة مثل قلم قد جف حبره، أو قلم غير مبري استهلك لُبُّهُ باختياره لآخر حد، كأنني مع كل تلك الضربات المتوالية، نورس فقد قدرته المعتادة على الطيران، نورس على عكاز يقاسي يومياً صراعاً مع الفراغ. قال لي، عندي قصص وَجدٍ كثيرة، وأي رجلٌ ما عنده ذلك؟ لكن لا أحد يريد أن يسمعها، وتناولت طرف حديثه وقلت له، قل، قال، سأقول، وقل عني، قلت له سأقول عنك، والمعين هو الله سبحانه.

يقول لي شبيه زوربا: كنت على سفر، وكانت هي على سفر، فتاة مألوفة، وكانت قد ارتفعت وجنتاها، فإذا أبصرتها من الخلف رأيت أطراف الخدود فاضت من على جانبي الرأس، بياض أشرق من سواد الغطاء. لها في وجهها سمة الأبرياء، كالقمر تماماً في علاه، في ليلة الرابع عشر من كل شهر، وفي خدها حُمرة زاهية آسرة. ترائت لي من بعيد، تتساخف على صبي يشبهها في الطهر، كانت تشير نحوه -وهو في الأسفل- بطرف لسانها القصير الوردي، بسيطة بيضاء بلون الزهو الناعم، الزهو وليس الزهر، والزهو الزاهي، يعني الحمرة على البياض، كانت برَّاقة دون بهرجة. يقول لي شبيه زوربا المبحر في خياله القديم، إلتقت العينان من على بعد، عيناي العاريتان صافحتها عيناها المحجوبتان بنظارتها السوداء التي بدت كفراشة حطت على وجهها العذب، في لحظة كأنها أحست بالحرج، إلتفاتة ثانية ثم ابتسمت ابتسامة لا تُرى، ابتسامةٌ ليست لي، ومضى الوقت، مضى مثل كل مرة، الثواني تمضي عجلةً، والدقائق تحاول اللحاق بها، وتتأخر الساعات عنهما كثيراً، وكأن الساعات ترفض أن تجيء. ثم كان الموعد الثاني قرب الجناحين جلستَ وجلستُ. نحرس الأجنحة، كل منا يقول أن هذا الجناح جناحي، كرسيان على الأطراف، وكان الفراغ بيننا إلى أبد الآبدين، ٢٣ إي و ٢٣ إف، ولربما للإي والإف دلالة قدرية ما؟ يمكن لها أن تكون فيِّ؟ ويقول شبيه زوربا، وما أكثر ما يتخيل ويقول، قرب الشباكين جلسنا في اتجاهين متنافرين، قرفصت وهي تهز قدمها بارتباك لا أظن أن له ما يبرره، ثم جلست مرتاحة هناك وكفها مطوية تحت ذقنها وهي تغطي شفتها السفلى التي كانت دوما متأخرة عن العلوية، ومضت مبحرةً في تفكيرها، هل أقلقها اصطيادها بنظري وهي تتساخف؟ ربما، تتضاعف السياقات في ذهني على نحو مجنون دون أي نتيجة ممكنة، -الحديث لصاحبي، شبيه زوربا المجنون- إلا حلم سرابي القوام وتهيؤات خيال مسكين معذب متعب ومفعم بأشياء لا يمكن لها أن تنتهي إلا إذا بدأت، ولا تبدأ إلا أن تنتهي، دوامة من السكون الزوبعي المتمرد. قال زوربا فجأة وبعنف لا أعرفه منه، لن نلتقي سوى هذه المرة ولن نلتقي! ولن نلتقي! ولن نلتقي! ليتني كنت قضمة كيكة الفواكة التي كانت بالقرب من هناك، وليتني كنت الشمس على علبة العصير الرخيص على الطاولة القريبة، ليتني، ليتني، ليت تلك التي ما عمَّرت قصراً ولا بيت، وهنا، بالتحديد سمعت نشيجاً خافتاً محدوداً من تلك الجهة، غلّفته أصوات الرياح العالية التي ترفعنا في السماء، فلعله فراق أو ضيق أو ضياع كان السبب الذي ينتاب ذلك الكائن الرقيق؟ حدقتُ عبر النافذة لوقت بدا كالأبد، لن تراك! صرخ شبيه زوربا، لم تهبط على عقلها أيها المخبول، ويا أيتها الأنثى الموازية، ابقي هناك وسأبقى هنا. مضى يصفُّ الكلمات والمعاني والخيالات أمامي وأنا أرقبه بعطف، شبيه زوربا المسكين، كنا معا عند المنفذ، لقد وضعنا الأصبعين في نفس اللحظة وتسابقنا عند الخروج وتسابقنا إلى السير، وأتصنع عدم الإكتراث، أتماها، مشت أمامي فحاولت استراق السمع، لكن الحرص حبسني، وهناك وقفت، ثم قرفصت مثل كل مرة، ثم ابتعدت، مضى الوقت مثل ذرات الغبار المتطايرة، ودَّع الوقت اللحظات الأخيرة، ودع بناته، الوقت يودع بناته، الثواني والدقائق، وكان شبيه زوربا المسكين يطير ويرقص في الهواء رقصته الغريبة وهو  يحاول أن يمسك بها، بذرات الهواء، التي شاركها الجميع، تشاركناها في ذلك المكان، معا، وضحكت عليه وقلت أكمل رقصاتك أيها الوهمي العظيم، وأكمل دوختك المتخيلة بعطر شذي لا وجود له، ومن بعيد دون أدنى قدرة مني على الحركة، ذهبت، وذهبتُ لو اسطعت إليك، وأسأل نفسي عن هذا الهوس الذي سيطر علي! ثم إنها صغيرة؟ كأنها ولعلها لكني صغير كنتُ، مثلها. مضيت، وعَبَر الوقت كالعبير، حتى سمعت تلك الكلمات التي ذكرتني بشبيه زوربا الموهوم، الذي كان قد رقص رقصته الشهيرة للتو، ثم تلا على قصيدة خالد الفيصل ثم ذهب وتركني، أخيراً، هذه قصته التي قال لي أن أقولها هنا، والله المستعان.

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. hendm88 كتب:

    العيون لا تكذب ابداً

    إعجاب

    1. علي كتب:

      جزيل من الشكر على التعليق، أما شبيه زوربا فيقول: العيون لا تصدق دائماً

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s