عن الضروري و الضار

لنتبادل العطاء

الإلتفاتةُ اليوم في هذه التدوينة تتجه بدون تخطيط ذهني وفهم كامل للقضية التي أود لفت الانتباه لها، ذلك لأنني على سفر، لكنه موضوع ضروري، أمر نحتاجه نحن البشر في هذا الخضم المتلاطم من التفاعلات البشرية التي لا تنتهي، سواءً مع قريب أو بعيد. هل تعلمون كم هو ضروري العطاء؟ العطاء رزق من الله يسوقه لمن كُتب له أن يحوز بركة الحياة، لكن هل تعلمون أن هناك شيء شائك هنا وضار، هكذا الحياة المتناقضة، الشيء الضار الذي أشير إليه هنا هو العطاء الزائد عن الحد.

مثل هذا العنوان استنفر فضولي للبحث عنه، البحث عن مساعدة في هذا الشأن هو ما لا نستغني عنه، لسنا رجالاً خارقين، ولا نساءً لا تُقهر. أيها السيدات والسادة، إن العطاء ينبع من مكان في القلب الكريم، وهو مؤشر على سخاوة وأريحية عالية، العطاء، أن تبذل ما عندك وما ليس لديك أحياناً للآخر، للغير، وهذا الكلام حتى هذه النقطة هو كلام مثالي لا يصلح تطبيقه ولا يساوي شيئاً، ذلك لأن الحياة ليست هكذا مثالية الطابع، ليست تلك الجنة في الأعالي، هذه الحياة هي الدنيا، لذلك فالعطاء ذاك المتدفق من القلب، لن يكون عطاءً صحيحاً إلا إذا قابلة في نفس القلب الكريم، قدرة على الإستلام، التقبل، أقصد أن تعطي يعني يستلزم عليك أن تكون آخذاً أيضا، التوازن هنا هو الحل الأمثل، بلغتنا البشرية الناقصة.

ذلك لأنك قد تعطي لأسباب ضارة، تعطي مثلاً حتى تقول: أنا أعطي إذا أنا جيد، أحبوني. أن تعطي لتقول قدّروني، هذه مكانتي، لا تضيِّعني، ضعني هناك في الأعلى فيها. إذا كنت تعطي فقط ولا تجد في ذاتك القدرة على تقبل العطاء، فإن ذلك يعني ببساطة أنك تعطي من قلب فارغ، قلب فراغي. لذلك فإنك يجب أن تنتبه لذاتك، وتفهم كيف تشعر عندما يساعدك أحدهم أو يحبك أو يقدرك، ماذا تقول حيال ذلك، هل تتقبل، ترتاح تسعد، أو تشعر بشعور مغاير يشير إلى مصدر ناضب.

احذروا من العطاء الزائد، العطاء الزائد يعني انعدام اتزان، لأنه طاقة تتجه باتجاه واحد، العطاء الحقيقي يجعلك تشعر بالخفة والفرحة. طيب يا علي، كيف أعرف أنني أعطي عطاءً زائداً؟ طيب يا سيدي، طيب يا سيدتي، قرأت لكم وجلبت هذه المؤشرات، التي تشير إلى العطاء الضار:

  • شعور جيد ومهم أن تكون أنت المعطي دوماً.
  • شعور بالذنب عندما يمنحك أحد ما شيئاً.
  • وضع حاجة الغير قبل حاجتك.
  • اعتذار بشكل جارف عندما لا تتمكن من العطاء.
  • اجتناب طلب المساعدة.
  • الانتباه أن العطاء هذا مؤشر لانعدام الأمان.
  • العطاء لتحصل على الحب، الإعجاب، الاحترام.

وجود هذه المؤشرات أو بعضها يعني أنك مرهق، تعطي على نحو غير مستدام. ويغريك أن تعطي من باب حاجتك لشيء، وليس من باب الكرم والسخاوة المتوقعة. هذه هي المصيبة. هذا الشيء الضار، ينبع من ثقافة مجتمعية عريضة عند البشر، لكنها غير منضبطة، تتعلق بأن تعطي دون حد، أن تحترق كشمعة، تشب مثل الكبريت، كل هذا حمق، الحياة ما كانت مثالية ولا يوم، الحياة ليست مكعبات “ليجو” يجب أن يتناسبان مع بعضهما ليرتبطا بشكل صحيح، الحياة غيوم تتغير كل ثانية. إن آثار هذا الشعور الضار مدمرة للذات، يعرضك للاستغلال، انعدام التوازن في ذاتك، شعور مؤذٍ مضلل بأنك تستحق ولا أحد يلبي استحقاقك! انتبه لدافعك في العطاء، هل تعطي لتتوقع الأخذ؟ يجب أن تنسى هذه الفكرة، يجب أن تعطي وتأخذ ولا تعطي لتتوقع الأخذ. سيدعك هذا الشعور الضار والممارسة المزعجة منتهكاً على شاطيء الإحباط والغضب والتحطم. إذا أعطِ بكرم وتقبل عطاء الآخرين بكرم، الحياة عطاء وأخذ، العطاء بأمل أن تستقبل عطاءً من الآخر يوصلك لضفة تقول لا أحد يهتم بي، وصدقني لا أحد يحب أن يكون هناك، إنه مكان مقفر وقاحل وموحش.

ما الحل؟ الوعي أولا وأخيراً، انتبه لأفكارك وأفعالك، اذا رأيت عطاءك يتركك بشعور فراغي فادرس دوافعه، شعورك بالوحدة يعني أنك تحتاج للاهتمام بعواطفك، حوِّل خوفك من أنك عندما لا تعطي سيتركونك -وستتركهم تعساء- إلى حالة أكثر وعياً من تحديد قدرتك في تلك اللحظة على العطاء. لا تعطِ فقط، ابحث عن حوار وتواصل مع الناس بشأن ما تريده وكيف تشعر حيال ذلك، الفهم يولد الوعي بينك وبينهم، ومن ثم الوصول إلى التوازن. ولتقبض على الحل، انتبه لما تفعل، واعلم حقيقة رهيبة بشأن العطاء الضار، أنه ينبع من قلوب رهيبة خارقة طيبة وقدرة على العطاء مذهلة وطبيعية وأصيلة، هذا هو الخبر الجيد. لكن! المصيبة عدم معرفة الحدود وعدم معرفة التصرف بطريقة الطرف الثاني الذي يعطيك ولا تأخذ منه، وهناك حل مرحلي وهو القدرة مثلا على تفويض الآخرين بمسألة العطاء تلك حتى تتخفف من شعور الرغبة الضارة بالعطاء الزائد الضار.

أخيراً، هل تصدقون أن بعض التدوينات دواء؟ دواء للكاتب نفسه قبل أي قاريء آخر. أنا أصدق بذلك. خذ وأعط، أعط وخذ، هذه الكلمة الضرورية بعيداً عن أي شيء ضار ممكن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s