في معنى البطولة

25561242204_4fc9bc187d_c

سمعت قولاً مفادة أنك أيها الإنسان في هذه الحياة مثل الراكب في قطار، لهذا القطار محطة انطلاق هي لحظة دخول الأكسجين إلى رئتيك وقطع حبلك السرِّي وخروجك من العتمة لذلك النور الباهر، ولنفس القطار محطة نهائية، محظة الإغماضة الأخيرة، وبينهما محطات كثيرة أو قليلة، والمثير هنا أنك في ذاك القطار، لك الحرية، حرية أن تختار في تنتقل هنا وهناك، تذهب لتأكل، ولتتحدث، تنام ثم تنظر من النافذة، أو أن تختار أن تقود القطار!وقد تختار إيذاء جارك في المقعد المجاور، أو تحسن إليه، لك أن تحب، أو أن تكره. كل ذلك في حيز القطار، ولا شيء خارجه! لا تملك لغير ذلك طاقة. فأنت في هذه الصورة مسير مخير. في هذا القطار سيسألونك، من أنت؟ وتستطيع أن تضع الجواب سهلاً جداً، “أنا من ذرية آدم”. كم تختصر الكثير هذه الجملة، لكن البشر في حيزهم المتاح، ولحكمة عند من خلقهم جل شأنه، جُعلوا متنوعين، مختلفين، وتبعاً لذلك صارت أجوبتهم، ومن الحكمة كانت حتى ينتفع ويعمر الجميع ممن يمتطون القطار، -والويل والثبور عاجلاً وآجلاً- لمن ينتهك هذه الحكمة.

في رحلتي، أنا، علي، أؤمن أن الكلام المكتوب هو الكلام الذي ينصت له العاقل، والجاهل، طال الزمن أو قصر، من اعتاد أن يقرأ فلن يسمع إلا الكلمة المكتوبة، ولو طال الزمان. أؤمن الطفولة العظيمة، هي تلك الطفولة التي يتحول فيها الآباء والأمهات إلى أطفال، مع أطفالهم، أن يمسكوا معهم بأطراف الخيال، والفطرة النقية، بعيداً عن الغثاء والظروف الخارجة، أن يهبطوا برؤسهم إلى مستوى الطفولة العملاق بخياله، وأن لا يشذبوا ذاك الخيال، بل يغذون جذوره المباركة، التي تنبثق من شجرة مباركة غراسها كلمة طيبها بذرها الخالق جل اسمه في نفوسهم النفيسة. والرفق ما كان في شيء إلا زانه. ثم أرجوك، لا تقل لي أنا متعب، مظلوم، على ظهري ماضٍ مثقل بالمظالم وقعت مثل الرصاص عليه وسالت كالحمم من حوله، أرجوك، عُد للطفولة، عد للعظمة تلك، تسامح، أوقفها عندك، لا تنقلها لغيرك، وليتوقف عندنا وبنا كلنا جبل المظالم المتواصلة، أوقفه عند حده، وستنتصر لك غيوم السماء، وزهور البراري، حتى غدران الواحات التي سقيتها بدموعك.

في رحلتي، أعرف أن البطولة سهلة ممتنعة، أن تكون بطلاً، يعني أن تمسك بلجام ذاك الحصان الجموح في روحك، على الأقل تجاه من حولك. تنحدر به بهدوء إلى طرق أسهل وأيسر وأرشد. أن تختار الأمل، وسط الدمار الهائل، أن تحتار أن تجلب نفساً/نفوساً جديدة لهذا العالم الذي يحتاج المزيد. أن تقذف بنفسك في مغامرة لا تدريها أول الأمر، ثم تتشكل رؤيتك تجاهها، تجاه أن تكون لبنة في جدار وسور عظيم، يحمي بساتين السرور والخير والنماء لكل من في عروقه دم يجري. البطولة، أن تنشغل بوجودك، أن تعاند كل المغريات، بغضبة أو تشفي، أو حماقة. أن تخذل يأسك الأحمق الذي يلد كل مرة بعد تكرار أخطائك وذنوبك، تعلم أنك ستعود، للخطأ أولاً ثم للعودة عنه، وتستسلم لذلك، حتى يصل القطار لمحطتة الأخيرة، ويصدر عنه النفير الأخير. البطولة أن تعرف ما أنت وما تريد، أن تدري وتريد، البطولة أن تقتدي ويُقتدى بك، أن تنقل مهارة تعلم العلم والعمل لمن بعدك، ثم تتركه يصيد أفكاره، أن تدعه ومسؤوليته كابن لآدم.

ومن البطولة، أن نؤمن أن الخير معدٍ بطبيعته، مثل الحُمى، فيه حرارة الخير، وهي أشفى الأدوية، تقتل بها كل أثر لجسم شرير غريب. البطولة، أن تعلم بألا تكون عبد كرسيك، ولا تملك إلا أن ترثي لحال من يطاردونه، أن تعلم بأن المنصب، والشهادة والورقة، وحديث الناس، لا يغني من الحق شيئاً، إلا القليل المؤقت الزائل، والأكيد أن انتسابك لآدم، وجوعك للعلم هما رصيدك الحقيقي لو كان لديك رصيد، ابن آدم الذي مُلئت خلقته رحمه وشعوراً وإنسانية، ووُهب النجدين، فهلاّ اقتحم العقبة؟ أرجوك، يابن آدم، حاول أن تكون مع الناس، تكون مثلهم، ولا بأس أن تعتزل حتى تطيب. ولا تنس أن أرقى اللغات في العالم، الإبتسامة والدمعة، لأنهما أصدق الأشياء، غالباً تقريباً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s