تقرير سبتمبري غير اعتيادي

على الرغم من هذا الخريف البطيء الوصول، أشعر مع كل قيود الصيف التي تشدني أن ظلال سبتمبر الباردة تؤنسني، عرفت نفسي، أظن أني عرفتها، رجلاً، يحاول الرجولة، ورجلاً لا يمكن ليومه أن يستقيم إذا لم يشعر أن نظرته اليوم هي نظرة الرجل ذو السياق، السياق يسمونه “الكونتيكست”، كل شيء من حولي يجب أن يكون له سياق ما، ويجب دوماً أن أفهم ذلك السياق، أو لنقل أن السياق يسهل عليَّ كل شيء، مثلما يسألني أحدهم، علي، شنو معنى هالكلمة؟ أقول له، طيب، مالسياق الذي جاءت به؟ هكذا أحتاج أن أفهم الموقف مع سياقه، وأحتاج لأفهم الوجبة مع سياقها، وأحتاج إلى أن أفهم المشروب، والقهوة، والاستيقاظ المبكر، يجب أن يكون سياقها يرضيني، لا يمكنني أن أقبل بالانسلاخ من أجل إنسان آخر، ربما أضحي، لكنني سأصاب بالمرض، ولا أدري إلى أين سيوصلني ذلك، وكم ستبلغ مقاومتي لذلك! أنا الآن أكتب، الكتابة الأسبوعية هذه، تجعلني، أقوم بعملية تشبه إفراغ دلو من الماء، الماء يملأ الدلو، سيطفح بعد قليل لو لم أكتب ويغرق العالم بأشياء غير جيدة ربما. وربما أغرق! من عدم التعبير، وربما أصاب بأنفلونزا المزاج السقيم، لذلك أكتب أكتب، ليرتاح كاهلي، ويفرغ جوفي لمزيد محتوى تملأه الكتب، الكتب في سيارتي وفي مكتبي، وقرب سريري. ومن جانب قريب، قرأت أشياء تصيب المرء بالهوس، يقولون أن لا شيء مادي حولنا، الحياة موجات، الطاولة موجة، الكمبيوتر موجة، الكتاب موجة، كل شيء موجة مختلفة عن موجة الشيء الثاني، المصيبة الأدهي، أنا علي، أنا موجة، لكن النقطة أين؟ النقطة أن عقلك البشري يوهمك أنك شيء، هذا ربما أطلق عليه وهم الحقيقة وحقيقة التخيل! كفانا الله سبحانه شر الهواجس غير الزينة. ولربما كان البديل أن ننظر للأشياء على أنها كلمات هذه نظرة ألذ جداً، الشعر كلمات، التاريخ كلمات، كل شيء كلمة، الله سبحانه علم آدم الأسماء كلها، الأسماء كلمات، فهو شيء تليد ورفيع، وهو بالذات على عكس تلك النظرة السوداوية حول معاملة الناس كأرقام، مثل الموقع الداخلي القميء في الشركة الضخمة التي أعمل معهم فيها، يقول لي الموقع: مرحباً بك يا ستة تسعة ثمانية خمسة اثنين، تباً لك، وتباً لكل مبشر بهذا العالم الرقمي السخيف، لن أكون موجة ربما هذه حركتي الثورية الذاتية التي سأعبر عنها من اليوم فصاعداً، أو لن أعبر، لندع ذلك للمزاج. دعوني أبتعد عن هذه الكلمات الصعبة، وأعبر لكم عن جمال أن تبدأ يومك بمقطع من سلسلة تيدكس يأخذك وأنت تعبر أرتال السيارات في الشارع إلى أفكار سامية وطموحات ممكنة، هذا ما ذقته خلال الأسبوع الفارط، ورأيت أفكار حلوة، مثل أنه لا توجد قواعد عامة يمشي عليها البشر كلهم، لكل منهم شرعة ومنهاج، ومثل ألا تعتقد بذلك، واختر الصح حسب الشرع والخُلق ولا يهمنك شي، فلا تبرر ولا تناقش احداً بشيء إلا عن سبيل الاخبار والتبادل الكلام، والحياة أخذ وعطاء، عشّ ومشّ. ومثل فكرة أننا في الحياة لا بد وأننا مسؤلون عن أشياء لا حول لها ولا قوة، نجن سبب في عيشها، أولها أنفسنا، ثم أشياء تليها، مثل قطة، سمكة، موظف؟ ابن، ابنة، شريك، تكون مسؤولاً عنه، وكلما ضعفت حيلة ذاك الطرف فصار لا حول له ولا قوة، استشعرت أكثر أن الله جعلني سبباً لمصلحته وللسعي لها فمسؤوليتي هذي  يتمحور حولها استثماري بنفسي من خلاله ذاك الطرف الذي أنا مسؤل عنه، والله سبحانه، تجلت رحمته، أرحم بي وبه وأقدر على كل شيء، وهذا باب رهيب للرحمة يعني ألا أخاف ولا أقلق من أي شيء فرحمة الله للذين أنا مسؤول عنهم معي أستجلبها بها رحمته بي، وعلى أساسها أجد الدافع كي أعمل وأقوم بالسبب وأتوكل عليه وأعتبره بئراً أستجلب منه رحمة بحياتي أسالها الله سبحانه. قلت أن ظلال سبتمبر تلك تأخذني بهدوء من وهج الصيف، وتجعلني أعود لصديقي العزيز، صديقي الممشى، الذي أمشي به وحيداً، وحيداً جداً، وهذا أحسن أحوالي على الإطلاق، فترى أصدقائي الآخرين هم عقاربه، أعني عقارب الساعة التي أمشي معها، وليس عكس اتجاهها، اذهب إلى الممشى وستعرفني لأنني عكس البشر، وأحياناً يستفزني الطريق فأمشي أتجول وأنجز الأعمال، وأنا على قدمي بعيداً، فأشم رائحة الجلود في محلات الاحذية، ورائحة القماش في محلات الخياطة ولو لم أشمها رأيتها في لون الثياب الناصع في الفترينة، على ذكر الفترية، لا أنسى الفساتين النسائية النائية المغبرة التي تزين محلات الخياطين الذي يزحم بها ذلك الشارع القديم. ورأيت المشي عبر المحلات ممارسة مذهلة،  رياضة وإلقاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف، ومن لا أعرف أقرب لي، من أعرف سيضيع وقتي، ويجبرني أن أوقف سيل الكلمات في أذني من سماعتي، وأحياناً أتظاهر بالسماع ولا أدري ما قال، لكل شيء ثمن، وأنا اشتريت نفسي، فيا رب بشرني بالربح اليوم وغداً ويوم ألقاك، واقتصادي في الكون يعرف التكلفة البديلة يعرف أن لكل تضحية، عائد وتكلفة، والتوفيق من الوهّاب. يقترب الخميس، بسرعة إذا ملأت الأسبوع بالانتظام، الانتظام هو مخرجي الوحيد من الطريق السريع ال”هاي واي”، مخرجي إلى أقرب فكرة لذيذة ممكن أن أمسك بناصيتها وأقذفها على الشاشة وأنا في فندق علـى الساحل الشرقي، غير مرتاح تماماً لخصوصية الجهاز الذي أكتب من خلاله لكني اخترت ألا أكون مرتاحاً، لأني أعرف شعوري بعد الكتاب الأسبوعية، شعور متدفق بالخفّة، يشبه عدم ارتياح باعة الخضار والفواكة والذين لوحت وجوههم الشمس في كل مخرج من مخارج الرياض البعيدة الحبيبة، فأبات لا أدري هل هم بشر مثلنا او لا نراهم كذلك، من حيث أن ملامحم المتوحشة والتي تثير الريبة في صدري، لكني متأكد أن مطاردتهم -مثلي- لشعور الخفة إياه هو ما جعلهم هكذا، إذن، يبدو أنني سأتوقف الآن عن كتابة الكلمات، وأتشبث بالأرض لئلا أطير، فالخفة تداهمني، وأحتاج إلى أن أمسك بقدح قهوة خزفي في هذه المغربية ويكون ثقيلاً يمسك بي على الأرض وأنا مرتاح في الدور الثاني عشر، والله يكفينا ويكفيكم الشر، فمن كفي الخير، فما له إلا الخير، آمين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s