ممثلون في دورة تدريبية [قصة قصيرة]

يتصل بي صالح ويقول: هنالك دورة تدريبية قريبة، في الشرق تحديداً، يجب أن نلتحق بها، قرأت العنوان، والمكان، كان الموضوع أثيرياً، فاتّحدت معه في تحقيق الهدف بالمشاركة. بدأ الأمر الروتيني بالتسجيل والبحث عن طريقة لتكبد المصاريف، كان المضحك تصوري لشكل المسؤول وهو يرد عليَّ بعد تقديم الطلب على نمط إعلان المسافر، بتلك اللهجة المثيرة: “إشِّكلوا يا حبيبي؟” فأبتلع خيالي وأعيد تشكيل كبريائي، لأن مثل هذا الموقف لا يقع ولن يقع، مضت الأيام بسرعة، وعلى ما يرام تماماً، لولا بعض وعثاء النقاش بيني وبين صاحبي صالح نفسه، كان يلومني على تسرعي في حجز تذاكر السفر نحو الشرق، وكانت هذه أولى عريضة “التشرّه” كما نسمي اللوم في أحاديثنا التي قدمها هذا الصاحب، وهو أمر لا أعرفه، أعني أن أصاحب أحدهم حذو القذة بالقذة، غرائبيتي أكبر من ذلك، مثل الحصان، يعيش منفرداً في مجموعات، ولا أظنها -أعني غرائبيتي- تتهذب بسهولة، في هذا الوقت القصير، تحملت فوران مزاجه وازدردت ذلك ببعض الضحكات هنا وهناك، لا سيما أنه استطاع بسهولة أن يجد له مقعداً بجانبي في الطائرة، لكن المرافقة اللصيقة مزعجة يا أخي، ولو كنتَ صالحاً! ولا يستجيب، أنا الغريب “الويردو”.

حان الوقت الآن للفندق، مزاجي هنا عجائبي جداً، لا أحب إلا الفنادق القديمة، لا أقصد المتهالكة التعيسة الرخيصة، أحب الفنادق القديمة العريقة، لو قيل لي، فندق خمس نجوم حديث، وفندق خمس نجوم افتتح في الثمانينات، ستلتهب مشاعري تجاه الفندق الثمانيني، ربما لأنه في مثل سني؟ حقيقة أجد الأماكن هذه مثيرة، شاهدة على العصر، وفي طاقمها وخبراتها نضج عجيب، كان المضحك أنني هاتفت الفندق، قال لي أننا في وقت مستقطع، اتصل بعد عشرين دقيقة، ضحكت من فندق يؤجل الزبائن، وليس له حساب في الانترنت، العجائبية هذه تعجبني، ويضحك صاحبي عالياً وكثيرآً، وأُصر على موقفي، يلومني أننا في اتجاهين، قلت له سأتكفل بنقلك وأخذ من مكان انعقاد الدورة، ومر الأمر بسلام، وأحببت كل شيء، حان الوقت الآن لغرائبية أخرى، كان الاحتفاء في مكان الدورة بنا كفردين مثير! مخيف نوعاً ما، كأننا الأفراد الوحيدون في هذا المكان، وبقية الحضور كأنهم كومبارس، ممثلون إضافيون، أي والله، أثارني أن محتوى الدورة مكرر ومصاغ بطريقة أقرب للتلقين، ضحكت من تعاملهم معنا، فعلا كانت الحفاوة مريبة، وأشاهد الأوراق والصور هنا وهناك وهي لنفس الأشخاص، ولاسيما المكان مقفر نوعاً ما وموحش، لكني تصالحت مع ذلك، في الغداء قلت للرجل الذي آكلنا، أقصد أكل معنا، من الظريف أن يكون الناس الذين في الصور في كل الدورات هم نفسهم، وكان في بعض الصور منسق الدورات، واجهته بالفكرة، وكان محرجا لابد أن الوضع تمثيلية، ولقد أتقنا الدور جيداً.

كان يتم تصويرنا كل يوم وكل دقيق وكل ثانية، كان مريباً بالذات أنني لا أحبذ كثيراً هذه الاتجاهات والأساليب. لكنني لملمت مزاجي المتدهور من مراقبة والتصاق هذا الصاحب، على أسلوب البشر هذه الأيام، لا يكفيهم أن يقرأوا بأن رسالتهم تم استلامها وقراءتها إلا ويقرأونها معك مرة ثانية، سلامٌ على أيام البريد وصناديقه. يمر اليوم بسرعة، مع عوائق الأبواب الموصدة بوجه كل شاب، وبوجه حارس الأمن المكفهر والمراوغ الذي يصيبني بالمرض، ثم ملل المعلومات المكررة، وطعام الغداء المعد بذوق ردئ، ورهبتي من ملاعق الغرف أن تكون ملوثة بسمك أو ربيان، حساسيتي تجاه أي شيء بحري هي رعب لا يفارقني، لا سيما أننا في معقل السمك، كنت أستمتع بالحلوى، والتغميس، كافاً أكمامي، والمصور يصور، وكنت منذهلاً تماماً، أربكني، كأني تصنمت كتمثال وهو يصور، ليس على الطعام يا أيها الصفيق، لكنني أتنازل بسرعة، فطعم الكباب مع الحمص وهو ملفوف بالخبزة لذيذ، وأنا جائع، الملل جوعني.

جاء وقت رحلة العودة، والجميع يلوكون الوقت بمهل، كأنهم ديناصورات من العصر السحيق، وحدي أتطابخ على صاج ساخن، يقول صاحبي كلاماً أفسره على أتعس محمل، ويمر الوقت إلى النهاية، وأحاول أن أروض قلقي المجنون، ويتروض لكن مزاجي ينطلق كريح مجنونة ساخنة تلفح من حولي، مضى الأمر، وأقول كل شيء هو درس، لن أسافر مع أحد، لن أسكن مع أحد في نفس المكان، يقاطعني صوت الصاحب، صالح يريد أن يذهب إلى الحمام، ياخي مؤدب وهو يستأذن، لكنه قليل أدب عندما يتأخر جداً، مدتين، مرة إذا أخَّر ذهابه، ومرة ثانية عندما يزور الحمام، يتأخر كثيراً، لا أدري ماذا يفعل هناك، بالعافية عموماً.

ننطلق في الطريق، الطريق إلى ذلك المطار الشرقي سفر داخل سفري هذا! بعيد بعيد ناءٍ مثل أميرة محبوسة في برج، وأنا أتعلق بالطريق الذي تشويه شمس أغسطس، وكأني أتعلق بشعرها الأشقر، الطريق موحش وسفري، ويرعبني لو كنت وحدي، لكني على كل ما جرى منه وفيه فهو يمون، وأنا أجرب، الحياة مدرس قاس يجري الاختبار ثم يشرح الدرس، نختار الطريق السريع بدلا عن طريقي التعيس الآمن ذاك، ونصل بسرعة، كنت أشكو له خوفي من تأخرنا، وتعبي من قلة نومي، وأنطلق، ونصل مبكرين، ونشرب القهوة ونضحك، ونركب الطائرة بسرعة، لكنني لست بجانبه، سيمنحني ذلك راحة وتمعناً فيما يهمني، كان يناديني بين وقت ووقت، وأرد ثم أعود، كانت رحلة جميلة وانطلقت بعدها بسرعة إلى بيتي، قاصداً ألا أسعى بنفسي لحتفي، لا مع صاحب ولا إلى دورة تدريبية أشبه بالمسرحية وكل الحضور ممثلون، كأنني في عالم موازٍ، أو كأنني فراشة تحلم أنها رجل في دورة تدريبية، أو أنني رجل يحلم أنه فراشة تحلم أنها رجل يحضر دورة تدريبية، أو ربما كل هذه الحياة عبارة من مسرحية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s