الحوار عملية جراحية عاطفية

talking

أكتب الآن في معرض أن أقول كلاماً يصلح لأن يكون “شيئاً للحديث عنه”، أو كما يقول الأمريكان “سمثينغ تو تولك أباوت”، وبدقة وتوصيف أوضح موضوع شيّق يستحق أن أطرحه أو أعطيكم إياه -أنتم يا من تقرأون- ويكون مادة دسمة للحوار، لحظة، هنا لنتوقف، الحوار، هذا هو الموضوع اليوم، الحوار، نعم نعم، الحوار، الحوار يشبه عندي الخضوع لعملية جراحية، عملية جراحية عاطفية، المريضان اثنان، والطبيبان اثنان، وربما أكثر، لكن المثير أنهم يجرونها في بعضهما في نفس الوقت، نقف أمام بعضنا، بالقرب من بعضنا على وجه التحديد، وقد نستلقي، قد نمشي، وبيد كل منا أدوات جراحية، كلمات، ألا يقولون أن الكلمة تجرح؟ صح، وأدوية، لأن بعض الكلمات دواء أيضا.

الحوار هو غوص مشترك في كلينا، بحث عن علة ما، أو تجميل لقبح ما، أو إزالة لشوائب لا معنى لها. المثير في الحوار، أنه قد يسرق منك الوقت، ينتهبه فتفلس من كل ضيق وهم وثقل يتأرجح على كتفيك، تفلس نعم، من غم وهم، لأنك تعرف به أكثر، وتسأل به أكثر وأكثر، ينتهبك نعم لكنه يعيد لك ما انتهبه ويسدده على شكل أقساط مريحة لكليكما، يسدده تفاهماً وانفتاحاً على الآخر، واشتراكاً في طريق هو للجميع، ويعطيك أيضا مزية أخرى جربتها شخصياً وهي امتياز الاستيقاظ على مهل ودون مقاطعة، دون مقاطعة مثلا من فكرة تصرخ كأنها منبه الساعة السادسة يوم الأحد أو الاثنين، “أياً كان بداية أسبوع العمل لديكم”.

الحوار -هو بذات نفسه- بعد أن “يعمل عملته تلك”، يغطيك بغطاء فريد، غطاء النوم الطويل العميق الممتليء بكل حلم لزج ممكن، كل حلم متكثف من النوع الذي يسوغ أن تسوق كل تفاصيله وأحايين أخرى من النوع الذي لا يسوغ. أدري -معنوياً ومادياً- أن هذه الحياة لا يمكن أن تمنحك الحل المثالي الذي درسونا إياه في البرمجة الخطية، “ليينير بروغرامينغ”، الذي يقرر أنك عند هذه القيمة ستحصل على القيمة القصوى لدالة الهدف، لا يوجد شيء سخيف مثل ذلك في الحياة، الحياة أعقد من شويّة أرقام، يقولون لك تحاور، الحوار زين، ضروري ومهم، طيب أتفق معكم، لكن الأمر ليس بالسهولة، سيكبو الحصان مراراً، يكبو حتى تعيا ركبتاه، وليس لداء الركبتين طبيبُ، إلا مسامير الركب، فردات تمر خلاص المُلْحِمة، لا يهم أن تكون من الحسا أو القصيم أو الخرج أو حتى الزبير، المهم أن تغمسها ببعض الرهش، الرهش هو الطحينية السائلة، عصارة بذور السمسم، لا تذهب لقوقل كي تبحث، “ماهو الرهش؟”، أو يمكنك، انسخ السؤال، أرحتك من كتابته أصلا، كلمة مُلْحِمة تعني سمينة، ممتلئة باللحم وهذه التعابير تشعرني أن التمرة كائن حي، كأنها بطن عصفور حلو، وكأنها أشياء أخرى.

لنعد للموضوع، طيب، نعم، الحوار، هنا أسجل تذكيراً أن الحوار كما قلت “خوش فكرة” لكن توقع الأسوأ بعض الأحيان، لا يخالف، أقصد “مخالف” مثلما أحب أن أقول كثيراً أو قليلاً، فالحوار قد يمنحك امتيازات استثنائية لكن هذه المرة بالقيمة السالبة، فتراك تسبح في حزن معربد، من النوع البالغ الطغيان، أو هكذا يتهيأ لي، ولهواي، ولنفسي الأمارة بالسوء، التي لا يمكنني زن أبرئها دوماً، بل أعترف بتقصيرها، وأطلب رحمة الله تعالى لها، ثم تبرق من بعيد نجمة، ثم يلمع ضوء في الأفق، يقول أن كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون. في ذلك الحزن المعربد، الذي يغريك أول الأمر بعذوبته، من حيث أن تشعر بأنك نبيل وتستقبل المعاناة لأنك أهل لها، لكن هذا الشعور يتبخر بسرعة عندما يتحطم مزاجك الهش على أرض الواقع الرخامية المرمرية، وفمك يطفح بطعم مر لا تدري كيف تطرده.

وقبل أن يلتهمك ذلك الحزن المعربد، تشعر أنك شجرة مزروعة كبرت وكبرت، والآن حان الوقت لنمو، النمو حاد مجهد، النمو ليس نزهة في الحديقة، “نوت أ ووك إن ذا بارك”، والمصيبة أن الشجرة مزروعة في المكان، لا تتحرك ولا يمكنها ذلك، هذا قدرها، فتصرخ بدون أن تهرب، ثم تتذكر أنك إنسان، ولك قدمان، وتمشي، وتكتشف أن المشي، والمشي الطويل الطويل الفاخر المسترسل، هو دواء ذلك الحز المرير، ثم يعبر الحزن بعيداً عنك، ممسكاً بيد الغضب المجنون وعواصفه النارية التعيسة القميئة وهي تقهقه على حمق هذا الإنسان الظلوم الجهول والضعيف المجادل الهلوع، وعلى ذكر الغضب، تدرون أنه يجعل الإنسان مثل ثقب أسود، يمتص كل حيلة ممكنة تنبعث بها الأجسام النورانية، والعياذ بالواحد الأحد من شر ما خلق.

وقد يضيق الخناق، حتى أختار أن أنام، أن أعود للأصول، تلك البعيدة السحيقة، أن أنام في ظلمات ثلاث، وأتكور كأنني في رحم، وأغمض عيني وأغطي وجهي وأحصل على أكسجيني من فوهة صغيرة على فمي فقط، كما لو كانت حبلي السرَّي، ثم أمسك بيد الأحلام وأرتخي، فيأخذني اللاوعي إلى مجاهله المذهلة! فأرافقه إلى أي نهاية متوقعة ممكنة، وأنام وأستيقظ، وأستيقظ وأنام، وربما أجد نفسي تجددت، كبرت؟ تطورت، نموت، اخترت اختيارات أخرى، لعل نتائج أخرى أن تصادفني، وأظنني فهمت الرسالة، أن الحوار شيء صغير يكبر ونربيه، مثل ما تربي الناقة حوارها البريء، الحوار يأخذنا من حَوْر إلى حَوْر ومن كَوْر إلى كَوْر، ثم إن رحمة الله واسعة، وكما قال الإمام اليوم في آخر جملة من خطبة الجمعة، فاذكروا الله يذكركم، واشكُروه على نعمه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، فالله أكبر فالله أكبر ولله الحمد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s