حضانة فكرة

3233721795_09139e0c83_z

لأن الفكرة، أي فكرة، هي الأساس الذي تنطلق من الأشياء، كانت الفكرة مهمة، ولا تزال لها مثل هذه المكانة، الفكرة هي خلاصة التأمل والنظر في الأمر، هي مركّز ما نريد قوله أو فعله، أو قوله وفعله، ووزن الفكرة أثقل من الخطرة أو الخاطرة التي ترد بسرعة على الذات، فنلقي الصفح أحياناً عنها فتذهب وتُنسى، وأحياناً نمعن فيها ونسجلها ونستذكرها ونتأمل بها فتصبح فكرة، تتركز أكثر في قوامها وشكلها واتجاهها، والفكرة، بمزيد من الاعتناء تتحول إلى عزم وجزم، ويغدو فيها مركّب الهمّة، ذلك المركب الذي ينقلها من داخل النفس إلى خارجها، فتصير فعلاً وقولاً أو كليهما كما ذكرت، والفعل والقول المتكرر يصبح عادة، والعادة تعني نمط الحياة، ونمط الحياة يمسك بيدك إلى مصيرك، فمن هنا، ومرة ثانية، أجد أن الفكرة مهمة، وخطيرة وأمر حرج جداً. من هذا المنطلق، وجدت نفسي في سياق يستدعيني أن أكتب عن الأفكار والفكرة، كيف يرغب المرء في نتائج رهيبة، وينسى أن يهدهدها ويربيها منذ أن تكون فكرة. فالعناية بالفكرة أيضا أمر مهم وضروري، إذا أردنا نتائج مرجوة.

فأولاً، كيف تطور فكرة ما؟ أول الخطوات هو أن تفهم المشكل، المشكلة، الحاجة، الرغبة وراء خطور هذه الخاطرة والفكرة، ماهو الذي تريد حله، مالذي دفعك لتفكر في هذه الفكرة؟ هذا السؤال مهم وضروري، فهو السؤال الذي يقول إعرف الغاية، والطريق، حدد الوجهة، حتى تصل، سؤال أين المشكلة هو سؤال أين الحل. مثل وجهي عملة معدنية، الحل ستجده إذا عرفت المشكلة تعريقاً وافياً، واعلم أن البحث والإطلاع والسؤال والاستشارة والقراءة وتقليب المشكلة من كل وجه هو أهم ما تستخدمه في فهم مشكلة استدعت تطوير الفكرة، حتى لو عجزت عن أمر ما يجب أن تجد التدبير المناسب لتجاوزه. ثانياً، بعدما قمت بتحديد كل شيء فبإمكانك الآن أن تنسى الأمر بعض الوقت، دع الفكرة تنضج على مهل، انسها بعض الوقت حتى تصبح أقرب للتنفيذ، تفحصها بعض الوقت، تأكد أنك لا تحتاج إلى إضافة أو إلى تعديل وتطوير، وربما تحتاج لذلك لا بأس، الأمر يشبه الطبق الذي تطبخه وتحتاج لتنساه بعض الوقت حتى يكتمل.

ثالث الأمور هو أنك سترى نفسك وقت صحت بصوتك أن وجدتها، أعني أنك رأيت اللحظة التامة المناسبة لما يمكن أن تفعله بفكرتك، وجدتها وحان وقت تنفيذها، تبدأ العمل وتنغمس بكل ما فيه بكل ما فيها، تكونان الشيء نفسه، لا يكاد يميزكما أحد، وهنا تدرك أن الأمر برمته هو رحلة، رحلة عبر الزمن، ليس المقصود الغاية إنما التجارب أثناء الطريق، وكأنك تنتبه أن الحياة برمتها هي هكذا، ليست غاية معينة في ذاتها، بل رحلة فيها المتاع والمتاح، وأثناء ما أنت على ذلك تصل لغاية فكرتك، أن تصل إلى تعبير يعبر عنها فعلاً أو قولاً أو كليهما. وهنا تأتي المرحلة شبه الأخيرة.

المرحلة شبه الأخيرة تنتظم في شأن تفاعلك أيها الكائن الاجتماعي في من ومع من حولك، فتستشيرهم في باكورة تنفيذ فكرة تلك؟ نموذجك الأولي، ويختبرونه ويعرفونه، فتصبح العقول كلها عقلك الذي ينتقد ويثني ويبارك العمل والقول أو غير ذلك، القصد أن هذا الميدان هو أول ميدان لاختبارك فكرتك على أرض الواقع، بعد أن استنبتها من عقلك ونفسك إلى أرض الواقع، والمتلقون كثر، ومتنوعون، منهم صاحب الذوق منهم الذي لا يعرف، ومنهم الذي يعرف، القصد أن تفتح صدرك لكل رأي، حتى تنضج فكرتك أكثر. إذن بعد تلك الخطوة حان الوقت لإطلاق نموذجك النهائي بعد التغذية الراجحة نحو الحياة البرية، وتقرر أنه حان الوقت لأن تعيش فكرتك وتعتمد على ذاتها، وتنمو وتكبر، هنا لن يغدو بإمكانك فعل المزيد، فكرتك ستعيش أو تتلاشى، ويكفيك حقاً شرف المحاولة في أسوأ الأحوال، هذا تصوري عن كيفية إطلاق الأفكار وتنميتها من حاضنة العقل والروح إلى الحياة البريّة.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s