يوميات طبيب أسنان – قصة قصيرة

أستيقظ في الصباح، لكن متأخراً قليلاً عما اعتدته في مراحل عمري الأخرى، ذلك لأنني أتعامل مع الوقت والمواعيد بحرفية عالية وقدرة على جدولة وقتي بشكل فعال تجاه مسؤولياتي، هكذا تعلمت وعلمتني الأيام، فلا يفوتني موعد إلا نادراً، وحيث أن وقت بدء العمل اليوم لا زال بعيداً بعض الشيء نهضت من السرير بهدوء وأعددت القهوة ريثما أغتسل وأستعد للانطلاق، وتمهلت كثيراً بعد ذلك مع كوب القهوة والسندويجة الخفيفة التي رحت أقضمها على مهل في غرفتي، في عالمي، وأتلذذ بحشوة الفول السوداني مع المربى الأحمر.

تأخري أيضا عن الاستيقاظ مبكراً كان لأنه كان معهوداً إليَّ أمس بالمناوبة المسائية في ذلك المكان البعيد … صحيح! يجب أن أوضح لكم من أنا وماذا أعمل وماهي قصتي التي سأحكيها اليوم؟ حسناً، أن طبيب، طبيب أسنان، أعني أنني أعالج الأسنان، وللتو بدأت مشواري الوظيفي، دي جي بي كما يقولون، جي بي، جنرال براكتشنر، والأمر مثير جداً كل يوم، لذلك كان مهماً أن أسجل ولو يوماً واحداً وما يمر فيه من أحداث، فعالم أيامنا غريب قليلاً، ويستحق التوثيق.

المهم، انطلقت إلى مباني العيادات وبالتحديد قاصداً عيادتي في وسط مباني سكن الجنود، واعتدنا في كل يوم أن نستقبل سبعة مرضى قاموا بحجز مواعيدهم مسبقاً، وكانت تحوم في عقلي فكرة تقول أنني سأصل إلى عملي في التاسعة وأنتهي من كل المرضى، وأعود، وبسرعة، إلى فراشي، وأنام، قصدت ألا يتجاوز يومي في العمل أكثر من ساعتين، لكن الأمور لا تجري كما تشتهي السفن، ولا كما يشتهي الأطباء أيضا، ولو امتلكوا كل هيلمان وسلطة وحكمة في الأرض، هم أتباع أبقراط الحكيم، لكن هيهات، ليس للبشر أن يكون حكيماً كل ثانية من لحظات حياته.

اقتربت من عيادتي، والحرارة في الخارج تخيّم على المكان، وسياط أغسطس، آب اللهَّاب، تسوم البشر سوء العذاب، فنجوت إلى الظل وفي قرارة ذاتي أنني فقير يا رب لكل خير أنزلته إليَّ، كانت المفاجأة المضحكة المبكية أنني وجدت التكييف لا يعمل، وكان أحد المساعدين يضحك ضحكة امتزجت برثاء الذات على أن هذا المكيف لا يعمل منذ ثلاث سنوات! الأمر بسيط، البرودة مقبولة لاسيما أن بقية العيادات تكييفها يعمل، بدأت عملي بسرعة ونظرت في حال مريض، مريضين، وكنت أضحك وأنا أتحدى مساعدة بعد أخرى، المساعدة هي تلك الآسيوية السمينة التي تمسك بأنبوبة الشفط وتتأكد ألا يبلع المريض بقايا سنه المحفور، أتحداهم كل مرة أن الضرس المقرر أن يخلع سينخلع في يدي وكأنني أقطف وردة، والخلع في عالم طب الأسنان، على أنه أمر متجنب، لكنه ضرورة أحياناً، عملية متعبة ومرهقة لكلا الطرفين، المريض والطبيب، تخيّل لو أنك تقتلع جبلاً من مكانه، هكذا الضرس، جبل له عروق وجذور في الفك، وما تراه منه هو جزء بسيط مما خفي، المهم أنني أخلع لمرضاي وأستجيب لنجدة زملائي، وتلك قصص أخرى.

ما حدث في ذلك اليوم كان مثيراً، كيف ينحدر عقل الإنسان إلى حالة مزرية إذا فكر بأنانية، وكبرياء وهوى، كل أسبوع يقررون أن يُخصص طبيب منا بمعاينة المرضى ذوي الحالات الطارئة، وعلى خطورة مثل هذه المهمة لكنها مهمة سهلة لأنك في الغالب لن تحتاج لأن تعمل، بل يتلخص كثير مما تقوم به بتحويل المرضى أو تسكين ألمهم، على خلاف جلسات العلاج الاعتيادية، لذلك فمناوبات الطوارئ تعتبر وقتاً مستقطعاً في خضم المواعيد المجدولة، فيكون للطبيب يوم يقضي فيه استرخاء نوعاً ما، مقابل المواعيد المستمرة طوال الأسبوع، من هنا ولطبيعة البشر التي لا ترضى بأي شيء، كان القتال محتدماً على استغلال أي وقت راحة ممكنة يمكن أن يقضيها أي طبيب، فترى الواحد منهم يحافظ على يوم الطوارئ كما يحافظ على يوم الإجازة، وفي ذاك اليوم شب خلاف بين الزملاء الأطباء المحترمين على أن يوم الطواريء من حق فلان، ذلك لأنه قام بتبديله مع فلان الثاني، وجاء فلان الآخر بتكليف من مديرتهم على أن يقوم بتغطية مكان الطواريء حيث لا أحد موجود ليغطيه، فتصارع الثلاثة أمامي على نحو ما تتصارع الديكة، مستخدمين أحمق الألفاظ وأغباها، وخيّل إلي حينها أنني في محل جزارة، أو مسلخ، ولست مع بشر هم ملائكة رحمة لإخوانهم البشر، الإنحدار والاسفاف هذا يدفعني باتجاهين، أن أتغاشم، أن أتظاهر بالجهل، وأيضا، أقترب من الحائط، وأضحك، كثيراً.

ما شاهدته في هذا المكان يتجاوز تصوري، تخيّلوا عيادات تحولت إلى مجلس للقاء ولتزجية الوقت في مشاهدة التلفاز وتناول البيض والجلوس على الأرض، مرضى يزورون المكان بثياب النوم، وأطباء يهمهم أن يضعوا رجلاً على رجل في د.كيف القريب كنوع من البرستيج، وطبيبات طاشت عقولهم في إدارة فريق من الأطباء، الحقيقة أن المكان مملوء قصصاً يجب أن توثق وتدرس. كلما علت أصوات هذه الكائنات الحية، من مرضى وأطباء ابتعدت، أبتعد، حتى أقترب من كوب القهوة ذاك البعيد، ويقترب مني هو أكثر، فأستطيع أن ألمح لمعان الضوء على سطحه المترجرج، وأستطعم حلاوة السكر فيه قبل أن أذوقه، ويناديني بصوت خافت لا يسمحه سواى، فأهرب أهرب أهرب إليه، ويهيأ لي أن القوة السوداء صار لها ذراعان، أقترب من الكوب، فتصافحني القهوة باليد اليمين، ثم تربت على كتفي باليد الأخرى، تمسكني بحنان إلى أقرب كرسي في الهواء الطلق، تحت ظل شجرة مجنونة تفجّرت منها زهور حمراء، وأرتشف منها وأرتشف، فأشعر بالدفء، وأنتبه لهذه الدنيا المحمومة كيف يجري فيها الوقت، وأدرك أن اليوم هو الأول من ديسمبر، والبرد يخترق العظام، مثلما اخترقني الزمن وروتينه دون أن أدري، وتذكرت قبل قليل ما حدث قبل أشهر وقررت أن أحاول تسجيله، ولعلي لم أنجح في ما صبوت إليه، لكني حاولت، والآن لا داعي لمزيد من القول، فغداً يوم إجازتي وسأرحل.

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. Yazeed كتب:

    ذبت معك .. بقهوتك ..

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً لك أنعشني تعليقك

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s