أماكن للقراءة في الرياض

عرفت في نفسي منذ زمن بعيد متعلقاً بالكتب والورق والكلمات والصفحات، وفي داخلي تلك الرغبة العارمة في التهام الكتب، الكثير من الكتب، ولايزال يراودني بين الفينة والأخرى أن أقرأ كل صفحة موجودة في مكتبة عامة أو تجارية، مثل كائن فضائي مر في ليلة على كل الصفحات من مكتبة فيها مئات الكتب بطريقة فنتازية وفي نهم غرائبي شبه مرعب، فصرت دوماً أوزع يومي والأماكن من حولي وأربطها بالكتب، فهناك كتاب للمكتب، وكتاب قرب السرير، وكتاب في السيارة، وعندما أسافر أقرر ماذا سأصحب معي في حقيبتي من كتب قبل أن أقرر كم قطعة ملابس سأحملها وكم جورب، وأقرر أي لون من ألوان الفنون والكتب آخذ قبل أن أقرر لون القميص والحذاء الذي سأختاره لهذه الرحلة, واليوم الذي لا أقرأ فيه هو يوم حزين. ولمّا كانت حياتي بسيطة المحتوى، ومحدودة العلاقات، انفتحت على الكتب وكل ما يتعلق بها من أوسع الأبواب فيما أظن، ربما أكون مبالغاً في ذلك، لكنني بمقاييسي أراني منهمكا في هذا الأمر، ويقلقني كثيراً ألا أنتهي من كتاب ما، ويقلقني أيضا أن أفشل في أن أقاوم رغبة شراء المزيد منها، أو محاولة تصور كل الأفكار التي تشدني في كتاب أراه على الشبكة أو مع أحد ما، وليس أكثر إثارة من أن أتجول في مكتبة قديمة مثلاً لساعة أو ساعتين، وكأنني في رحلة عبر الزمن خارج هذا العالم السريع المباشر، أكثر ما يثيرني أيضا في الكتب والصفحات هو لذة ونشوة الانتهاء من كتاب، حتى لو كان محتواه غير مستساغ، فإيماني بأن الكتب وقراءتها أثرها تراكميٌ وليس لحظياً، وأؤمن أنك كبشر تتأثر بالكلمة التي يحوّلها عقلك من رمز إلى معنى، وعملية التحويل هذه لها نشوة لا تقارعها نشوة في هذا الكون، على الأقل بالنسبة لي، لذا، فإنني أمرض إذا كنت بعيداً عن الكتاب، وأقلق وأصاب بالإحباط إذا هجرتها، ويتطور الأمر إلى أن أشعر بالغضب إذا فاتني ترتيب أو فرصة أن أقرأ وأنفصل عن العالم غارقاً في سطور الكتاب، ولا شيء يثيرني قبل أن أنام مثلاً، مثل أن أتخيل نفسي أتجول في مدينة من كتب، بناياتها مجلدات وشوارعها صفحات، وسكانها الكلمات وعلامات الترقيم، أتهدهد وأنام حينها مثل طفل صغير. والقراءة في غالب الأوضاع عندي لها طقوس انحفرت في روحي، وتتجدد باستمرار، أتذكر في سنين مضت أنني كنت أقرأ وأنا أتمرن في النادي، وكنت أيضا أقرأ في مكان ممتليء بالضجة، وأقرأ وبجانبي سائق يقود السيارة، لكن أغلب حالاتي في القراءة تكون مستلقياً على جنبي في السرير، محتضناً الكتاب ويهطل على النور من جانب الأبجورة على الكومدينة حتى أشعر بالرضا عما قرأت وأنجزت، القراءة تفتح أخاديد جديد ومسارات في تلافيف الدماغ، وهي وسيلة للصد عن البشر، وعن المجتمعات بتناقضاتها واضطراباته، ولو مؤقتاً، وتلق للمعرفة بطريقة أخف وطئاً وأكثر ذاتية واعتمادية على النفس، وأعظم ما فيها كذلك هو الرصيد اللغوي الفظيع الذي يتكون عبر الزمن. قرأت مقالاً شيّقاً عن أماكن القراءة في المدن، ورأيت لو أضيف مقالاً يشبهه في هذه التدوينة، ربما أحدد الأماكن بصورة عامة ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ففي الرياض، مدينتي الحلوة، أمتع ما يمكن أن أقوم به هو أن أمشي لمسافة طويلة، ثمان أو تسع كيلومترات، وأوقت نهاية المشي على مقهى هادئ أو شبه هادئ، وقبل أن ألج من الباب، أصحب معي كتاب السيارة الذي إذا نسيته لسبب ما أضيق ذرعاً بذلك. أحد المقاهي الجميلة التي أحب القراءة فيها، مقهى لوركا، تعجبني مقاعدة الواطئة الواسعة، ومساحته الفسيحة واللوحات المدهشة المعلقة حول المكان، أستمتع كثيراً بالكوكيز الذي يصنعونه. المكان التالي الذي أستمتع بالجلوس فيه هو مقهى العنوان، صحيح أن كراسيهم جلدية وتصبح حارة بعد الجلوس عليها لفترة لكن جودة الشاي وأباريقه المميزة هو أمر ممتع، ويعجبني اللون الأبيض المستخدم في جميع ديكوراته. أسجل أيضا أماكن ممتعة ومميزة للقراءة في الرياض مثل مكتبة الملك سلمان بالجامعة، هذه المكتبة تغريني بالتجول أكثر من القراءة ولا أمتع من أتجول في أرجاء رفرف أرشيف المجلات، ممتع جداً ما أجده هناك، والمكان على هدوءه فهو يعج بالشباب من الطلاب الذي يبعث مرأهم على السرور والسعادة، وأيضا مكتبة الملك عبدالعزيز، أتذكر هدوءها وترتيبها وبساطتها ونظافتها، كنت أقرأ كتب الإدارة أيام الدراسة هناك ولا أنسى الأجواء الانعزالية الجميلة التي تمنحها. طبعاً في جميع الأماكن يكون رفيق الكتاب كوب قهوة معتدل الحلاوة، وربماً حلوى مترفة بجانبها. أما في الصباح فيحلو لي أن أنتجع مقاهي بعيدة نوعاً ما وفي أحياء غير قريبة طلباً للتجديد مثل ستاربكس أو تيم هورتنز ودانكن دونتس، فأنتبذ ركنا قصياً لاسيما في أيام الشتاء وأتناول شطيرة جبن أو أي شيء آخر مع قهوة كثيفة الطعم. لا أنسى أحد الأفكار الت ذكرني بها صديق عزيز وهي حديقة البجيري بالدرعية، هنالك مقاهٍ وهنالك أيضا المكان نفسه عبارة عن حديقة واسعة مترامية الأطراف وفيها أماكن للخلوة ليست قليلة لاسيما مع اعتدال الأجواء والمنطقة هي أصلا وادٍ وفيه مزارع فالجو لطيف حتى في الصيف مقارنة بالمدينة، أذكر أيضا آخر الأماكن التي تروقني للقراءة هي الفنادق والأسواق، بالذات في وقت الانتظار، وهو أمر نسيته قليلاً لقلة ارتيادي هذه الأماكن مؤخرآً، لكن ذكرياتها في البال لا تزال، وربما للحديث بقية أو ليس له، لندعها نهاية مفتوحة.

آخر الأشياء:

في خضم المناداة الواسعة تجاه تشجيع #القراءة في كل علم وفن للجميع، من الضروري أيضا التذكير بألا نتخذ ذلك الكتاب مهجوراً

https://appsto.re/sa/s6Bax.i

Advertisements

8 Comments اضافة لك

  1. Reemz كتب:

    “بالرغم من أنها كسولة وكئيبة. ومغرورة لا تكترث لأحد. ودائمًا على عجلة من أمرها وفي حالة ركض مستمرة ومنشغلة بزحامها اليومي. إلا اني استانس لما المح احد يتكلم عن رياضي! شوارعها ومقاهيها وكلها على بعضها بمجملها وتفصيلاتها الصغيرة جدًا الما يكترث لها احد. 💖

    ما اخفيكم مقدار الفرحة اللي كنت اشعر فيها وأنا أقرأ رواية سعد الدوسري “الرياض – نوڤمبر 90″. ونفس شعوري هذا أعاده لي علي بتدوينته الأخيرة”

    هذا ما كتبته في صفحتي بپاث. لم اجد تعليقًا أو ردًا أنسب من أن انشر هذه التدوينة هناك وهناك. لعلها تفرح قلبًا آخر كما افرحت قلبي أنا.

    أطيب التحايا والإمتنان

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلابك، شكراً لتفاعلك اللطيف، والرياض هي المنزل الأول، والمرء مرده وحنينه إليه دوما، وإذا أردت أن أقرأ الرياض فلست أجد أجمل من قصيدة القصيبي: أنت الرياض. شكراً لك مرة ثانية وبارك الله فيك ومرحبا بمرورك، تحياتي

      Liked by 1 person

  2. Yazeed كتب:

    نصائح جميلة لأماكن القراءة ، وتفضيلاتك أبهرتني ، كنت و لازلت أحب القراءة أمام البحر ثم على السرير مستلقي ، كأفضل أماكن القراءة بالنسبة لي ، ربما الان لا أجد نفسي مع ضغط العمل لا أفكر في أين أقرأ ، أصبحت أقرأ لا شعورياً في أي مكان ، كان أخرها قبل قليل على شاشة الحاسوب في المكتب.

    شكرا لك ع التدوينه

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلا يزيد، إضافتك لذيذة تخيلت القراءة أمام البحر، لكن الرياض الجافة تجعل هذا ترفاً أحتاجه لو سافرت إلى البحر، وكلمتك حول القراءة بشكل لا شعوري هو أمر رهيب أيضا أعرفه تماماً، شكراً حقاً على التعليق.

      Liked by 1 person

  3. altaye6 كتب:

    أحسنت عزيزي على هذه الخاطرة، وكما قال أحد الكاتب رالف والدو
    لا اذكر الكتب التي قرأتها، حال الوجبات التي التهمتها على الرغم من كونها صنعتني

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلا بك يا أحمد، الكتب تتسرب إلى وعينا ولا عينا مثل سعرات حرارية تجعلنا أرشق وأخف.

      Liked by 1 person

  4. altaye6 كتب:

    ملاحظة بسيطة، الكتابة على شكل قالب كامل دون فقرات يسبب ضجر المتلقي ونفوره من النص
    كل التوفيق

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً جزيلاً على الملاحظة، فهمت قصدك وحقيقة أنا أنفر من ذلك، لا أدري لم لا أتجنبه، لكن مع ملاحظتك سأجرب، شكراً مرة أخرى.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s