علي الراوي

rawe
وتدوينتي كذلك، تصدر كل سبت، وهي السنة الأولى، وهأنذا أروي، مثل الراوي، والأمر جاد وهزلي أيضاً

أستيقظ في يوم من أيام نهاية أسبوع وأجده ممتليء صباحه بسماء زرقاء صافية وبالشمس المشرقة التي لا تضاهيها حناناً وحرارة إلا حنان أم وحرارة مشتاق محب، وأجد الغرفة الباردة جداً -على الرغم من أننا في أعماق آب اللهاب- تذكرني بيوم كانوني اشتقت له جداً، وأجد أيضا في داخلي استشعاراً لثقل تلك الهموم التي أجرها خلفي كالقاطرة منذ زمن، أنساها وأتذكرها حسبما تقترحه الظروف والأحكام من حولي، والشيطان وهواي. هموم أنظر إليها نظرة إيجابية بمعنى أن الخلو من الهم هو خلو من حكمة وخلو من المعنى وخلو من العقل حتى، على رأي العم الضخم ذاك، المتنبي، فتهوّن نفسي الأمر أحيانا وتتهاوى أحياناً، وهكذا دواليك. أستيقظ هذه المرة وفي داخلي رغبة في أن أعود، للقراءة بنهم، قراءة تقيم صُلبي، وأن أكتب باندفاع وأن أغرف من بحر ومن نهر، ماء مالحاً وعذباً وكذلك مختلطاً، كي تلين الأشياء فيَّ ومن حولي، وأقرر أن أمسك بذاتي التي أحبها، بهدوء وآخذ بيدها بلطف، فأتمهل، أقضي حاجياتها بهدوء ودون مقاطعة مباغتة معتادة وإدمانية استهلاكية تضرها، فأتأخر عن النظر في هاتفي مثلاً، أختار ألا أشتغل بشيء سوى أن أتوضأ وأصلي ثم أعود للسرير وأستلقي في ذلك الهدوء الذي تغمره الشمس، وبجانبي كوب الماء الممتليء بماء له درجة حرارة الغرفة، وأرتشف منه بهدوء وأنا أفكر بشعوري الآن تلك اللحظة، وأتلو الأذكار على نحو ما انتحيته منذ زمن، وأستشعر البركة يملأ عبقها روحي، ثم أقوم الآن بهدوء للهاتف، وأصله إلى الانترنت بعد أن اعتدت أن أقطعه عنه كل ليلة كأني أريده أن يرتاح، فتهطل رسائل وتتحدث تطبيقات مثل ديم مطري منعش، أسمع صوتي الخادر البائت من أمس أولاً، وأقرأ تلك الرسالة الحانية، عن قصيدة بشار بن برد، وعليها تعليقات، فأتذكرها تماماً، وأتذكر كتاب النصوص الأبيض وعليه أبيات الشعر وأسفله جدول المعاني، وأتذكر الفصل بطاولاته البنية والحديدة، والسبورة البيضاء، وأنا متلفع بشماغي الأحمر القاني، وصوت الأستاذ مرزوقي يقطّع بأداءة القصيدة بشكل أحبه جداً، أتذكر إعجابي بشطر “ليل تهاوى كواكبه”، وشطر “وجيش جنح الليل”، والمطلع ذاك الذي يقول أننا كلنا معيوبون ناقصون كبشر فانٍ مليئ بالقصور “إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك”، وأسافر، أسافر إلى الماضي وأسمع صوت الأستاذ يقول كيف أن بشار مبدع في وصفه على الرغم أنه كفيف، ثم أجد في نفسي تفسيراً آخر يقول أنه ربما لم يكن كفيفاً إنما ذا بصر كالّ جداً، وكانت الرسالة من حبيبي، من أبي، وأحب ذلك جداً، وأسترسل في ذكرياتي وأكتب له أنني أتذكر حبي لحصص الأدب والتفسير، وأقول أنني كنت أستشعر أن حضوري لحصص التفسير والتوحيد أنني في درس علمي وليس في سور مدرسة أو حصة مدرسية وهذا فضل من ربي عظيم أرجوه أن يكتبه لي ويصلح لي نيتي فيه. وأسترسل أكثر فأذكر الفيزياء وحبي للمادة والتجارب، فالتجارب في دمي، أحب العبث بالأشياء على نحو إيجابي غير ضار، وعلى ذكر المحبوبات أمر بما يغايرها فأقول أنني كنت أشعر بالجمود والعجز مع الرياضيات وهذا يعني أنني لا أحب الدقة تلك والجفاف في الأرقام والصلافة التي تفرضها، مع أنني كبرت وصرت مهندساً لكن لا يزال في الروح شيء من ذلك لم تقبله إلى اليوم. فلا زلت لا أعد الباقي من البائع، ولا أدري على وجه التحديد كم يصل لحسابي في البنك بالهللات، وتطور الأمر لينتقل مقتي للبنوك، ولأناقة الموظفين هناك، وللمحاسبة والمالية كتخصصات، على أنني أعرف أهميتها لكني لا أريد أن أكون جزءاً منها أبداً، أنفر منها نفور الحمر المستنفرة، فرّت من قسورة. وفي أذني الآن صوت يتسائل بعذوبة عن كيفية الحصول على كلام له معان تصف دفء احساسي؟ أو حرارته أو برودته؟ وهأنذا أكتب ويكأني أصل لمعاني أو أقترب، وأتذكر كل التعابير الجميلة التي جمعتاه طوال الأسبوع المشحون بالمصالح الشخصية والتقاتل في سبيل المجد الزائف، أسبوح مشحون بمقابلة كل مستوى ممكن من الناس والأفكار، مملوء بكلمات فرنسية سريعة مثل طلقات رشاش لا تعنيني، وكلمات عربية تحوم وتدور بمكر، وكلام انجليزي جاف أستخدمه لأعبر عن ذاتي وأتخلص من كل القرود التي تتقافز من حولي، وأتذكر التعابير الجميلة من الكتاب الذي أقرأه هذه الأيام في مكتبي، فأشعر بالطراوة في روحي وأستمتع وأنا ممسك بقلم “البك” الجاف الأزرق العميق العريض والذي يكاد يزلق بي وأنا أكتب على الورق الخشن فأشعر بنشوة أكاد أغمض عيني منها، وأتذكر التعبير ذاك الذي جاء من حوار مضغوط مع صاحب لي، بيدي الآيسكريم الذائب لأنه كرميل مملّح مخلوط بتوت من محل تندرنا كثيراً من اسمه، صفعة الرخام، تخيلوا الصوت: “وتاح”، هربت أثناءه إلى هاتفي وسجلت أنه لايهمني ازدحام الطريق ما دمت معي، وتلك الأحاديث المعطرة حول كيف يتحول الناس، تختطف عقولهم، محتلون في عمق أرواحهم، يلهثون حول غاية ألا يكونوا مختلفين، في نفسي أنا شعرت بخوفهم ذاك لكنني أقاومه، قاومته أمس تحديداً، حيث انسحب على بقية الليلة، حيث وقفت وحدي في ذلك المشهد المهيب أنتظر كي أصافح وأدعو وأعزي، كنت وحدي، صحيح البقية مع بضعهم ومرتاحون، لكنني مرتاح حينها بعيداً عن ألا يفهمني أحد أو لا يتقبلني أحد، نفسي تكفيني، هناك بين الظل والضوء، لأني جربت، ووجدت أن الأفضل أن أكون في الشمس واضحاً كل الوضوح مع خالقي، ثم يأتي بقية البشر. البشر لا يريدون ذلك، يركضون متعبين في السوق، ولا يتعبون إلا في متحف؟ أو في حديقة أو في حوار، لأنهم يرون ذلك مضيعة وقت، لأنه حوار عن غوتييه وعن سجاة جلد دب متحف دولمه بهجة من أين جاء وكيف؟ أو سوق مسقوف مكسر، مر به البشر منذ آلاف السنين وأرى فيه قمّة المجد، يرون كل هذه الأحاديث حر وعرق و”قمته ” وخالية من الأكسجين، متحولون، مسوخ، فأتذكر أمل دنقل: “لا تصالح! فليس سوى أن تريد. أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد. وسواك.. المسوخ!”، والاحتلال ذاك احتلال فكري، غزو ماركات وعيادات تجميل وصوالين حلاقة وسيارات فارهة وأناقة مبالغ فيها تثير شفقتي أكثر بكثير من غيضي. وأنا أكتب الآن، أشعر أنني أقاوم شيطاناً ما، شيطاناً لا يريدني أن أرى نعمة الله عليَّ، أن يزهدني في كل خير من حولي، ذلك لأنه -أعوذ بالله منه- لا يسعى أن يأمرني بأن أترك صلاتي أو ألا أصوم أو طريق واضح المهوى هكذا، بل يلبسني لباس الحزن فيحرفني عن نور ربي سبحانه، فأنا أكتب لذلك كل أسبوع، ولو نسيت فما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. وأنا أكتب أيضاً، أستشعر ذلك الصوت في عقلي هنا في عقلي، أحس به، يقرأ الكلام فأكتبه، علي الراوي، “آلي ذا نارييتر”، وأتذكر على نحو ما رواية يوسف زيدان كيف يقول عن بطله هيبا وكيف يوسوس له شيء ما: أكتب، أكتب، وثق. هنا في هذه اللحظة التاريخية من التدوينة، أعود للعمل، وأتسائل وأنا أكتب عن عملي وحبي له، سواءً أحببته جداً أو أقل، أو ما أحببته، هو مكان أتعلم فيه وأعمل وأكون قريباً من الأخبار والحياة وتيارها الجارف، كل مافي الأمر أنني لا أريد أن يجرفني التيار بعيداً عن شيء أميل إليه أكثر، صحيح هو مصدر رزق، هو مكان أعمل فيه لنفسي وليس لأي أحد، لا يستطيع المرء بطبيعة الحال أن يعيش حياته مع الكتب والورق للأبد، يحتاج أن يعمل ويعلم ويعلّم غيره، ثم إن العمل عندي هو أنني جزء من قصة ما ستذكر يوما ما، إرث أحاول أن أركبّه فيه هو النية الصالحة ما أمكنني، حتى أحصد الخير. هنا في هذه اللحظة التاريخية من هذه التدوينة، وهي ليست تاريخية لسبب ما، بل هكذا كل لحظة هي لحظة تاريخية ألا ترون ذلك؟ أنا أراه هكذا على الأقل، أقول في هذه اللحظة التاريخية لا أود لهذه التدوينة إن تنتهي، سأكتب، سأكتب عن ذلك المفهوم الذي التقطته عيني في صفحة من الجزيرة قبل أسابيع ثم اختفى عن ناظري لا أدري إلى أين، أعياني البحث عن ذلك المعنى والمفهوم، لكني بحثت عنه في مصادر أخرى، كان عن العطاء الزائد، وهذا الموضوع مهم وضروري وحقيقي أن أكتب عنه، ربما ليس هنا، لكن في يوم تدوين لاحق، وملخص القول فيه أن العطاء الذي يجيء من فراغ، له طبيعة الزيادة عن الحد الذي ستنقلب عن المعطي، فالعطاء يأتي من عناية بالذات أولاً ثم بالآخرين، فكرة أن تكون شمعة تحترق لتنير للآخرين ليس سوى تعبير رومانسي ممحوق البركة، وفي أقصى حالاته صورة أدبية جميل فحسب، والمجنون الذي يحاول أن يكونه في الواقع، وللحديث بقية، أظن. أحب الأشياء لقلبي، أن أقتنص الأفكار، والتعابير كالعصافير، تقترب من عقلي فأوثقها بأي وسيلة وأعيد تدويرها هنا وهناك لعلها تطيب لعابر من هنا وهناك، وهذا مأمول، ليس أمنية ولا تمنيات، لا أحب الأماني والأمنيات والتمنيات، الأماني غرور، خداع، المأمول فيه طعم قرب التحقق، وأقرب منه الرجاء، وأن يتعلق الرجاء برب العالمين، فهو من أطيب ما يستطاب. الراوي في عقلي، يتماهى مع الصوت في أذني، ويدعو الله معه أن يجيء الله سبحانه بما نريد، وهو -الراوي- يريد أن ننهي هذه التدوينة بالقول بأنك يجب أن تكون مع أناس يهمك ما يقولون ويسعون لأمر تحبه وتريد أن تصل إلى مدى بعيد فيه ذلك لأنك سينتهي بك الأمر لتصبح في حال متوسطة من بين من تمضي معهم وقتك، وألا تنسى أنك مثل الناس لا تسأل عما تريد وتحتاج فأسأل عما تحتاج إليه، والأسئلة انعتاق، والأجوبة فخاخ، ويذكرك بنصيحة تقول أن تصعد السلالم دوما، وأن تحاول بين الفينة والأخرى أن تضع نفسك في مكان يشعرك بالتوتر حتى تكبر وتنمو مثل شجرة تكاد تتمزع عن لحاءها وهي تطاول عنان السماء، وأن أولوياتك تظهر تماماً في كيفية تقسيم وقتك، وأن الموارد كلها تجف إلا مورد تحكمك بذاتك تجاه الموارد الناضبة، وأضيف عليها أن تتحكم بمدخلاتك “الإنتبوت”، وأن تنتبه جداً لما تقوم به وحيداً، وهذا الأمر بالتحديد هو ما كنت عليه تماماً هذا الصباح وأنا أجهز روحي وعقلي لهذه التدوينة التي شَفَتني كثيراً وشَفَيتها، وعند الصباح يحمد القوم السُّرى، والحمد لله رب العالمين.

*مصدر الصورة في صدر الموضوع هنا

Advertisements

4 Comments Add yours

  1. Sarakhaled كتب:

    وصفك الدقيق والرائع لنهار الويكند .. گـ جمال صباحٍ يجمعنا .. فحرارة الشوق لا تضاهيها حرارة كحرارة يومٍ مشمس من أغسطس .. هذا الشهر يذكرني بنكتة قديمة (أغسطس) كلمة بالنجدي بمعنى أغرقكِ بالماء😀😀
    فعلا فالهم دليل الحياة البشرية.. والقراءة كما أشعر أنا هي حياة أخرى تخرجك من عالمك .. أوافقك ذلك ..
    رفقاً بذاتك النقية فهي تستحق ..ويوم بلا وضوء لا تفتح فيه عقدة النوم..عادة قطع النت اهنئك عليها👍🏻
    آاه يا حصص الأدب .. أثرت الشجون .. أستغرب لماذا نحن وقت الدراسة نكرهها ثم إذا فرغنا منها نشتاقهها.!! وكذلك باقي الأشياء الصعبة .. لماذا نشتاق للأيام الصعبة ولا نتحملها وقتها ؟!
    أرى أن في ذلك حكمة بليغة..
    شكراً لعودتك القوية المرتقبة دائما

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلا بالتعليق المسرور، زاد النور في المدونة، التفاعل الإيجابي في السطور وبين السطور هو ما يشيع في صدري البهجة، والطرافة المسترسلة في التعليق تسعدني، شكراً للمساندة والتواجد من الوجود ومن الوجد.

      إعجاب

  2. Canopus كتب:

    علي الراوي وانا الراوي انت وانا وهم ،كلنا رواه في تلك الحياه كلٌ يروي ما يراه من موضعه وزاويته غير ان هناك روايات والسن تستطيب الروح والاذن لسماعها هنا تكمن المهاره ، والراوي علي هو احد هؤلاء الكلام اعلاه يشدّ القارئ ، كحلم ، كشريط ذكريات مر على احدنا ولكن استعصى عليه تذكره وروايته ، فهنيئاً لك على مهارتك في الروايه ، وهنيئاً لنا استماعنا للرواي علي !

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلا كانوبس، أهلا سهيل، ولكل منا قصة تستحق أن تُروى، وهذا ربما سبب للتدوين أيضا، على الأقل بالنسبة لي، الكلام اللطيف المعطر في ثنايا التعليق هو مما يبث السرور والنور في روحي، كسلوى أو كحلوى أقاوم بها مرارة الحياة، هنيئا لي بهذا الكرم واللطف منك وشكراً جزيلاً من الأعماق.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s