الزنبرك والبطارية

on

tumblr_mujy5szmT31qar3o0o1_500

اليوم في هذه التدوينة أطرق موضوعاً مطروقاً جداً، على الأقل في أحاديث الناس عامة، وليس في فقط في أحاديث العلماء والباحثين والمختصين، ولا أخفيكم أنني قريب أكثر من التدوين عن الموضوع من جهة الحديث الذي يدور بين الناس، فلست بالمختص الذي يمتلك ناصية القول الفصل أو شبه الفصل في هذا المجال، لكنني في الوقت نفسه حاولت أن أستقي تدوينتي من مصادر لعلها تغنيها وتجعل فيها الفائدة والمتعة، فسأكتب عن تجربتي، وعن قراءاتي وكذلك من ذاكرتي حول موضوعها. الموضوع هو عن الثنائية في هذا العالم، الجنوسة، الذكر والأثنى، المرأة والرجل، كيف يتفقان وكيف يختلفان؟ ليس فيما بينهما، إنما في الصفات والتوجهات، ولعلي أبدأ منطلقاً لزواية بعيدة وركن قديم رأيت فيه أنني قرأت مرة مقالاً أظنه في باب الأسرة بمجلة العربي الكويتية، عن تمايز النوعيين البشريين، كانت فكرة المقال التي تطاردها كاتبته -وقد نسيتها ونسيت عنوان المقالة أو متى قرأتها- فكرة قلق الرجل الذي لا ينقطع من انقراض نوعه وفقدانه القدرة على أن يمر الوقت ولم يكن له الإمكانية في أن يرأس قبيلة تمثّله، ويشط المقال في الشرح حتى يتطرق للنواحي الفيسيولوجية ونسبة التعرض للخطر وفقدان الإمكانية تلك لدى كل النوعين، فعند الأنثى كانت المسألة داخلية عميقة تبدأ مبكراً وتنضج على مهل، على خلاف الرجل الذي يأتي متأخرآً ويخاف من أن يضيع العمر وتضيع طموحاته، وأيضا فإن المرأة تلتزم الهدوء والترقب فلا شيء معرض للخطر عندها، بينما الرجل يطيش عقلة يمنة ويسرة هارباً من ذلك القلق الذي يتشكل في فطرته! كان المقال طويلاً جميلاً فيما أظن ولو لم يكن كذلك لما لازم عقلي طوال تلك السنين والأيام، من هنا تنبثق فكرة أخرى تقول أن منطق الرجل وعاطفته ليست مرتبطة بنفس النحو الذي عليه منطق وعاطفة الأثنى، الأنثى عاطفتها ذات عقلية خارقة، كيف؟ ذلك أنني قرأت أن المرأة عندما تتسلط عليها الأفكار الحزينة تبذل جهداً عقلياً أكثر مما تبذله عن محاولة حل مسائل رياضية معقدة، إذا فتكوين المرأة وفطرتها أقدر على التحمل لأنها تحتاج لذلك، إذا نظرنا لمسؤليتها وتجربتها، أما الرجل فعندما يحب مثلا، فهو يحب نابذاً المنطق وراء ظهره، ومصيبته الكبرى أنه عندما يتخذ المنطق ياخذ منه  شبه حقيقة لا يحيد عنها مائلاً لعاطفة أو ما شابه. وهناك فكرة أخرى تقول أن الرجال يتشابهون فيما يطلبون، يبحث الرجل عن الاستقلال، بقاربه، ويبحث عن دور الموفر للماديات في علاقة تشبعه وتمنحه حق الاستثمار في أن يرأس قبيلة تتبعه. هذا المطلوب الذي يجري وراءه معظم الرجال وهو نفسه هو القيد الذي تستثمره النساء على اختلافهن بألف وسيلة عن بعضهن لتدجين الرجل وتسكينه وتحضره والمحافظة عليه، ولما كانت وسائل النساء مختلفة استنتجنا كيف أن النساء مختلفات جداً لأن وسائل حفظ الرجال مختلفة مع أن طلبهم شبه موحد، لكن لتعقد موضوع الحفظ وزيادة الاحتمالات تطورت المرأة وأصبحت تحتال بملايين الملايين من الحيل لتمسك بذلك الكائن المنفلت في حوزتها، وفي هذا ما يجعل الحياة تستمر، فترى النساء خبراء في المواجهات غير المباشرة على عكس الرجل الذي لا يضيع وقتاً في المواربة والمداهنة، مباشر وواضح غالباً. المثير ذكره بعد هذه الشروحات حول الفروق هو كيف أن البشر مع اقتراب الشيخوخة من كليهما تبدأ بوادر الفروقات تختفي، معنى ومبنى، وكلا الطرفين يقتربان من سلوك بعضهما، فتصبح المرأة لها سلوك ذكوري يتسم بالمبادرة وإثبات الذات، والرجل يصبح مهادناً عاطفياً حريصاً على الأشياء الاجتماعية، فسبحان الله. ولمزيد من الإيغال في مباحث علمية أنطلق في حديثي عن الهرمونات، هرمون التسترون، هذا الهرمون الذي يرمزون به للرجولة والفحولة، الهرمون المسؤل عن الطاقة والانطلاق والقوة ويؤدي إطلاقة في حالات العمل وخلال اليوم لدى الرجل إلى موجات من الدافعية للإنجاز وتحقيق الذات، والثمن هو أن تذبذب هذا الهرمون يضر بأجهزة الرجل الداخلية ويقلل من عمره مقارنة بالمرأة بمقدار الربع، التسترون هو نفس المسؤول عن السلوك العدواني والقتالي عند الذكور فيضعف مناعة الرجل ويعرضه لمخاطر جمة، لذلك ترى كيف أن الانفلوزا الموسمية تطرح أكبر الرجال وأقواهم، فيالها من مأساة تلتهم الرجل من قدومه للدنيا، قلق ينتهبه وأشياء في داخله تحاربه، لكنها سنة الكون. عند الأنثى كان هرمون الاستروجين هو الخالد، هو إكسير الحياة، وهو الهرمون القادر بقدرة الله أن يمنح المرأة صموداً وتحملاً أضعاف الرجل، الرجل بفضل التسترون يشبه الزنبرك، مضغوط ومنطلق لكنه في ثواني ينتهي، المرأة تشبه في هذا المقام البطارية التي تعطي طاقتها على دفعات وحسب الحاجة، الاستروجين يضبط الإيقاع الخاص بالمرأة فلا تهدر مثل الرجل، وأثره يلقي ظلاله أمناً وسلاماً على الأم والأنثى حتى تصبح جدة فتستمر في دورها المثير، ومن هنا تجري الأحاديث والأفكار حول أن المرأة بعد أمومتها تغدو أقوى أشجع في مجابهة الحياة، والمرأة لولا تجربة الولادة والحمل والهرمونات الفظيعة لما بات لدماغها القدرة على التطور والتشكل بطريقة تجعلها أقوى وأقدر، هنا تأملت وبحثت عن أي شيء عند الرجل يقابل الحمل لدى المرأة فلم أجد شيئاً. كأنني أبتعد عن حقيقة أخرى واضحة وهي أن الحياة تستمر بكلا الطرفين، في هذه الحياة، يتكاملان ويتقاطعان وهذا والنقاط الأخرى أعلاه يجب بها أن تؤخذ في الاعتبار لاسيما في عصرنا المحموم هذا حيث تتاح الفرصة للطرفين أن يتصارعا أحيانا عكس ما تفرضه الفطرة تلك، ،هذا مما لا ترجى معه عاقبة جيدة، ويبقى أن نعرف أن الرجل ربما في اعتباره أنه يخسر إذا أخفق في تحقيق حلمه أو ما يصبو عليه من إنجاز وشعوره بالعجز تجاه ذلك، أما المرأة فالمواقف التي تنتابها في محيطها الاجتماعي هي التي تهمها أكثر من أي شيء، وافتقادها للتعاطف يجعلها في حال غير جيدة والعكس بالعكس. فدماغ المرأة لا يهدأ، على خلاف دماغ الرجل لأن علاقاتها متشابكة، وأختم هذه التدوينة -التجمعية السوالفية والطريفة تقريباً- بمعلومة مثيرة تقول أنه ما من رجل صرف ولا إمرأة صرفه، تركيب كل إنسان تجعله يحمل شيئاً من المرأة ومن الرجل، فمنهما جاء، فالدعوة إذن، لنبحث في أنفسنا أكثر.

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. زجل كتب:

    تلك الفروقات! كم شغلت البشر في الماضي والحاضر، موضوع حيوي جداً تُشكر على طرحه ، من وجه نظري البسيطه التي قد تكون محدوده ولكنها من منظوري انا كأحد البشر الذين حاولوا رسم التمايز والتشابهه بين الجنسين اكتشفت ان معشر الرجال يتتوأمون بكثيير من الخصال تجمعهم ردات فعل ، اساليب ، خصال اكثر مماتفرفهم، لا انفي طبعاً وجود فروقات وتمايز،، فخلال حياتي وملاحظاتي قد صنفت الرجال بمجموعتين او ثلاث فقط! اما الاناث فيكاد البيت الواحد الذي يجمع اخوات ان يكون عالماً مختلفه الوانه ومشاربه فالتمايز واضح وشديد ، لا يمكن حتى ان تتوقعها لم استطع حقيقه حتى ان اصنفهن في مجموعات ، تفلتت من بين يدي الخصال ردات الفعل والاساليب وفي النهايه العالم كله يضج بالفروقات والتشابه وكلها تنسج عالمنا كسجاده تمتد وتمتد لنهايه الزمان…

    إعجاب

    1. علي كتب:

      الشكر على تعليقك، والحديث الملفت الذي يوثق رحلة بحث أو تأمل في الاختلافات بين الجنسين هو أمر يضيف للموضوع الكثير، ولعلي أتفقك مع قولك في تشابه الرجال واختلاف النساء ومرد ذلك ربما له علاقة في أصل علاقتهم الفطرية، ربما لأن منطق الرجال عال كانت اختياراتهم تجاه القضايا موحدة تقريبا، أما النساء فعاطفتهم كليرة تسمح بروح أوسع وأشمل وأعقد مما ينتج عنه أنماط كثيرة، فكرة اختلاف الإخوة في الطباع ملفتة أيضا، تعليقك البليغ أسعدني وحمل لي جمال روحك الحساسة ونظرتك الحكيمة المنيرة المسعدة، بالتوفيق وشكراً مرات لا تنفذ على التعليق.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s