بيان الأب المسترخي

zdr

هذا الأسبوع اخترت هذا الموضوع لأكتب عنه، حيث أن الأصل الأول لهذا الموضوع كان موضوعاً قرأته في مجموعة بريدية تلهمني بين وقت ووقت بأفكار ملفتة، المجموعة البريدية يديرها أوستن كليون، وقد بدأت أستقبل رسائلاً منه كحال جميع المشتركين منذ ستة أشهر ربما، والموضوع الذي تطرق له في أحد روابط إحدى رسائله كانت بعنوان (منفستو أوف أن آيديل بارنتس) أو بيان الأب المسترخي كما اخترت أن أترجمه، والبيان هذا في أصله جاء من مقالة طويلة وجميلة، كتبها شخص آخر، لم أعلم عن المقال إلا يوم قررت اليوم الكتابة هذا الأسبوع عن هذا الموضوع، وكان في نيتي الأساس أن أترجم البيان فقط كنشاط عقلي وعاطفي وتدويني أتلذذ بكل ثانية ممكنة منه، لكني وياللمصادفة الجميلة تأملت أحداث الأسبوع الفارط السريعة جداً ووجدت كمية التقاطع بين الأحداث وبين ما يقرحه البيان والمقال بشكل عام، كبداية فأنا كأب شاب، لا زلت أكتشف نفسي، وأمارس تجاربي على نحو لا ينقطع، وآخر التجارب، كانت اصطحاب الفتى لوليمة عرس مسائية هذا الأسبوع، وشعوري الداخلي كان متأرجحاً بين: أن أتعب في متابعته وملاحظة سلوكه مثلا هناك بين جموع الناس وخوف أن يمل أو أن يتعب من هذه المناسبة التي ما عرف مثلها، وبين تذكري كيف كان ممتعاً اندماجه في فعاليات العيد القريبة واصطحابي له هنا وهناك وهو يشير إلي بحماس أن نذهب و “نسلم على الرجاجيل”، أعترف أنه كان يشجعني أكثر وأنا البالغ على أن أقفز فوق جدار التكاسل والتصدد عن الآخرين، كنت سعيداً لأن أقوم بشيء يسعده، إذاً فقد اصطحبته معي لتلك الوليمة على الرغم من لوم اللائمين، وهم كثيرون ليلتها، لكني وعدته، ولن أخذله. المقال والحادثة يصبان في مفاهيم رهيبة، اكتشفتها وأنا أقرأ، وصار حماسي لكتابة موضوع التدوينة أكبر، وتولدت أفكار أكثر قد تجعل من تدوينتي البسيطة ذات قيمة أكبر.

فالأبوّة المسترخية، تعني طفلاً سعيداً، والكلمة الحكيمة التي تعلمك ماذا يجب أن تفعل تجاه الطفل تقول: دعه وشأنه! مرة ومرتين وثلاث. ذلك لأنك إذا سعيت لتعليمه كل شيء لن يتبقى لمخيلته ولذاته أن تختار وتتعلم، ولن يكون لديه نمو في ملكة أن يسعى وراء العناية بذاته. سيظن دوما أن أحداً يجب أن يعتني به. التوجيه الزائد يفقد المرء -والطفل ليس إستثناءً- السيطرة، وبسببها ننسى كلنا أثمن شيء يحتاجه الطفل، أن يعلب، ويكتشف وهو يلعب، فتنمو الوشائج في عقله الفتي وتنمو خلاياه العصبية، وأن يتخيل وينطلق في خياله إلى أبعد مدى، وبيع هذه الأشياء بثمن بخس من قبيل أن يكون مهذباً أو ألا يتعبني أو أن يحرجني هو أحمق شيء يمكن أن أقوم بفعله كأب. الأبوة المسترخية إذن تعني أن الحل هو أن تدعه وشأنه، وسيبهرك! وهذا ما رأيته عياناً. نحن البالغون مأخوذون بفكرة أننا يجب أن نقوم بشيء دوماً، أن نقوم أكثر، ولا يمكن أن نسمح لأنفسنا بأن نقوم بالأشياء أقل، لماذا؟ لنجرب ذلك، كل الناس تنادي بالاحتراق في سبيل المجد، فليذهب المجد للجحيم، وتبقى سعادتي البسيطة وقبلها رضا ربي عن دوري بالحياة وإن كان بسيطاً. إذن فالتدخل الكثير في قرارات الطفل تعيق نموه، كان الفتى، يتجول معي، وكان سلاحي ابتسامتي، وتشبثه بي، قلت له مسبقاً، سلم على كل شخص أسلم عليه، ابتسم ولوّح كما تقول البطاريق “سمايل أند ويف”، كنت سعيداً وكان الجميع سعداء، من قريب وبعيد، هؤلاء الأطفال هم بهجة الدنيا من حولنا، لمه نتخيل أنهم أحمال وأثقال؟ تعساً لهذا التصور! دع الطفل ينمو خارج ذاته، ولا بأس أن يأكل الفلفل بالخطأ أو يجرع جرعتين من الببسي، وأن يلطخ ثوبه الأبيض ببعض المرق، أو أن يكون عقاله وشماغه مائلا ومرتخياً، استرخ أيها الأب فكل شيء يبدو أنه على ما يرام. الأب المسترخي، مقتصد، يفرح بأبسط الأشياء، لا يفارق المنزل كثيراً، ويرى أن الإسراف أمر غير شاعري، وأن الاقتصاد نوع من الإبداع.  الأب المسترخي نابذٌ للجاه والمنصب والمكانة المجتمعية، وكل الأشياء الخربوطية التي اخترعها الإنسان، بالذات إذا وافقت هوى، هوى يزيدها انحطاطاً على انحطاط، ويكفي المرء منها ما ورد في حديث من حيزت له الدنيا بحذافيرها، ببساطة الأب المسترخي يستمتع مع طفله، ويفكر دوماً بأن الإنجاز الخارق هو أن يكبر طفله وهو معترف ويتذكر أنه عاش طفولة سعيدة، يروون تفاصيلها لأصدقاءهم. نحن نحتاج للتراجع أحياناً، أن نعطيهم المزيد من الحرية، أن ندعهم يعيشون الحياة البكر، وهي حالة “أنت تفوز-أنا أفوز” بينك وبين الطفل، تراقب لكن لا تتدخل، ولا تفرض الكثير من القوانين. والأرباح أشياء ثمينة: الاستقلالية، معرفة الذات، الإعتماد على النفس والمتعة. إن القلق الذي نمطرهم به في المواقف لابد وأن يتسرب إلى نفوسهم، فلنوقف الاهتمام الزائد، وسنكتشف الحقيقة، كيف أن الطفل يشغل نفسه بنفسه بكل براءة وفضول، ونحن البالغون تجاوزنا الأمر وباتت حاجتنا للاسترخاء أكثر، لذا حان الوقت لعقد هذه الصفقة التضامنية، وتأسيس شركة رابحة! ولا تعتقد أنك عندما تضحي أنك على حق، لا، يقول سائق تاكسي: أطفالي سعداء لأني أنا سعيد، استمتع بحياتك ،سيستمتعون، السعادة دورة، ما تأخذه تعطيه، ولا تعتقد أنك عندما تتعب سيرتاحون. وأختم بقول ثمين: في عمق الأبوة المسترخية يكمن مفهوم احترام الطفل كإنسان، كذات بشرية تنمو وتكبر صاحية وصحية، في عمق الأبوة المسترخية ثقة في إنسان آخر واستثمار في ذلك، وكلنا يعرف نتائج الثقة الصحيحة.

بيان الأبُوّة المسترخية

أرفض فكرة أن الأبوة تحتاج لعمل شاق

أتعهد بترك الطفل وشأنه، وهذا يعني أن يتركني وشأني أيضا

أرفض الإستهلاك المتفشي الذي يداهم الطفل منذ لحظة ولادته

أقرأ له القصائد والقصص الرائعة ذات المغزى بدون أخلاقيات متكلفة (تذكرت طفولتي مع المعلقات السبع)

أرفض صوت التزمّت الداخلي

أملأ البيت موسيقى وضحك وبهجة

لا أضيع المال في أيام العطلات

أستلقي في الفراش لأطول وقت ممكن

أحاول ألا أتدخل

أخرجهم للحوش وأغلق الباب لأنظف المنزل

أعمل أقل وقت ممكن، بالذات عندما يكون أطفالي صغاراً (لاحظ عكس الفكرة السائدة!)

الوقت أثمن من المال

فوضى سعيدة أفضل من ترتيب بائس

وسّع صدرك على سوالف المدرسة والتعليم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s