لمن العزّة؟

من قال : أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه ، وأنَّ عيسَى عبدُ اللهِ وابنُ أمتِه وكلِمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه ، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ ، وأنَّ النَّارَ حقٌّ ، أدخله اللهُ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانيةِ شاء . وفي روايةٍ : لأدخله اللهُ الجنَّةَ على ما كان من عملٍ ولم يذكُرْ " من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانيةِ شاء "

يقين المسلمين في كل مكان هو أنهم ما جاءوا إلى هذه الأرض إلا لغاية واضحة، جاءوا لعبادة الله سبحانه، الذي تفضل عليهم بخلقهم وذرأ وسخر لهم ما في الأرض ليستعينوا به على تحقيق تلك الغاية، وهو سبحانه الذي قدّر فيها أقواتها، والناس لا يزالون مختلفين، فليسوا سواءً، منهم من آمن بتلك الكلمة، كلمة التوحيد، ومنهم من تولّى، والله سبحانه الهادي. واستعمار الأرض هو معنى يدخل في معنى عبادته الله سبحانه، فهو مما أمر الله سبحانه بني آدم أن يقوموا به حتى يتهيأ لهم الحال لعبادته، والحياة رحلة، لها بداية ونهاية، هي حقل نزرعه بما نريده أن يثمر لنا في المدى القريب والبعيد، والناس كلهم مسخرون بعضهم لبعض، ونجد مع مرور الزمن مدى تشابك وتداخل ذلك التسخير، لا سيما مع تقدم التقنية والإتصال، والتحولات والإنتقالات من حال لحال، في المجتمعات والدول، فهي أطوار، وطبق عن طبق، كله لحكمة يجريها الله سبحانه على خلقه، والإنسان مع كل ذلك منح الإختيار، وله العقل الذي يرشده لما ينفعه في كل شأنه. ويحدث أن يطغى الإنسان، فتلتبس عليه الغايات، ويشذ عن تلك الغاية التي أشرناها، ويضيع مفتاحها عنده، مفتاح كلمة التوحيد، فتختلط المصالح. ولقد قرأت في الفترة الماضية على غير اتفاق ولا سبق قصد في كتب كانت تدور حول مفهوم مهم ذو ارتباط بوجودنا على الأرض وأجده جديراً بالتذكر والتمسك، ألا وهو وعي الإنسان بهويته ومسيرته في هذه الحياة وفي تاريخها، فالتاريخ دورات متشابهة، يفلح فيها من يفهمها وينتبه لها. ذلك أن العالم يتكالب على من لا هوية له، وصارت سمة عصرنا هي اضمحلال الهوية والذاتية، والذوبان في ذاتية وهوية لا تمثل معتقده وقد تبعده -ولا حول ولا قوة إلا بالله- عن غايته الحقيقة التي ذكرتها في أول سطر هذه التدوينة. فمن هنا شعرت بأني أحتاج لتبيين ما لمسته في ذاتي عن العودة لتلك الجذور بعد شعوري بالتنبه لبعض الأشياء التي تدور في عالمنا منذ الأزل، فالعالم تتجاذبه قوة الخير وقوة الشر، لست أقول ذلك ببساطة فالأمر أكثر تعقيداً كما أظن، لكن تلك القوتين تتداولان في تسخير بعضها لبعض لغاية وحكمة، والفكرة التي في جعبتي هو أن تعرف أن إلى أي جهة تنتمي؟ وكيف تحفظ هويتك في هذه المداولة الكبرى، وهذا الأمر جزء من الوعي بالذات والتعبير عنها. والحياة القوية جزء منها هوية قوية، والحياة القوية والحضارة لا تقوم إلا على عقيدة قوية، وعلى أخلاق فاضلة، ولعمري فإن في ديننا الذي هو أعمق أصل من أصول هويتنا كمسلمين فيه أغنى هاتين الركيزتين من معاني وممارسات. ومن هذا الباب كان مدار تدافع الناس حول السلطة والمال والسيطرة على الشعوب بحيث أن أرباب المصالح الدنيوية من أهل الشر والظلم والفساد يبحثون عن مداخل لتقويض هاتين الركيزتين وإفسادهما تحت أغطية كثيرة جداً، قد تبدو في بعض أشكال مشروعة وقابلة للاستيعاب لكنها مجرد أغطية، قرأت في كتاب التنصير للدكتور علي النملة أن أهداف هذا الأمر هو ليس تحويل الناس من دينهم لدين ثان، بل الهدف هو تحويلهم لمسوخ تابعين ومنفذين لأهداف تخدم مصالح جهات أخرى، والأمر كله ليس حقاً هدفاً في هداية الناس أو جلب النفع لهم، بل هو غطاء للسيطرة والتحكم وبسط النفوذ، ولما كان المتحكم بكل هذه التفاعلات أرباب السياسة والمال والتكالب على الدنيا، كان أسهل شيء عليهم أن يلعبوا على هذا الوتر، فاسمع لنابليون ماذا يقول عندما قرر بسط نفوذه على مصر، عبر تجهيل مسلميها، والهدف هو ليس دينياً، بل دنيوينا صرفاً، يحوم حول بسط سيطرة النصرانية على غيرها من الأمم عبر تجهيلهم، فيقول نابليون: “إن في نيتي إنشاء مؤسسة الإرساليات الأجنبية (أقول: وهنا تذكرت كل المشاريع التي جاءت للخليج بهدف التعليم والعلاج والاستكشاف وغيرها من الأفكار التنموية عبر مؤسسات دينية منذ القرن السادس عشر الميلادي)، فهؤلاء الرجال المتدينون سيكونون عوناً كبيراً لي في آسيا وأفريقيا  وأمريكا. سأرسلهم لجمع المعلومات عن الأقطار. إن ملابسهم تحميهم وتخفي أية نيات اقتصادية وسياسية“. فالهدف في جوهره هو تكالب دنيوي بأساليب مشروعة وغير مشروعة، ولا أنسى في هذا الصدد مقولة غازي القصيبي رحمه الله، ولو أنه جاء بها على سبيل السخرية في رواياته الساخرة، وهي أن قوة الأقوياء سببها ضعف الضعفاء، والضعف أول درجاته إنسلاخ المرء من هويته ونسيانها طمعاً في شيء وهمي غير حقيقي، وإرضاء لهوى لحظي دنيوي زائل، واتباع لأناس لا حظ لهم في الآخرة ولا خَلاق. ولو تتبعنا بشكل هاديء الكثير من المؤشرات لرأينا أن كثير من السياسات والمناورات التي تجري في العالم منذ الأزل هي لمصلحة ذلك الرجل الأبيض وتحقيق هيمنته على العالم بأي وسيلة. والدعوة في هذه التدوينة البسيطة ليست في فكرة المواجهة أو محاربة الأمر للدنيا أو للحفاظ على الهوية لأنها الهدف، بل الأمر أعمق لدينا كمسلمين، الموضوع متعلق بغايتنا الأولى وهي عبادة الله، ونحن نتعبد الله بالدعوة إليه بالموعظة الحسنة وبالتي هي أحسن، فنهدي المخدوعين ونحمي مجتمعاتنا من خطرهم، نبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، غير ناسيين نصيبنا من الدنيا. وفي الكتاب الثاني الذي قرأت فيه ما يعزز أيضا أفكاري تلك حول الهوية وحول تكالب القوي على الضعيف، وحول المصالح التي يحملها أرباب الشر لمصلحتهم هم وحدهم على حساب أهل الخير، كتاب روايات غربية عن رحلات في شبه الجزيرة العربية للدكتور عبدالعزيز عبدالغني إبراهيم، حيث كانت جاءت الإشارات تترى في سبيل الوعي والإحساس بكينونة الإنسان العربي المسلم الذي انتدبه الله سبحانه لعمارة هذه الأرض وتحقيق العدل والخير، فكانت وصيته في إهداءه هذا الكتاب لحفيده بالبراءة من ترقيع ثوب ثقافتنا القشيب بخيوط براقة شاذة من ثقافة الغرب، وهي ليست منها في شيء، وإن في تراثنا المجيد ما فيه الغنى عن ذلك، ولا أشك أن كل ما يستنتجه العالم المتقدم في أيامنا له أصل في تراثنا وثقافتنا، ذلك أن القرآن جاء مهيمنا ومعجزاً على كل مصدر إلى قيام يوم الدين. ويدعو المؤلف مع التمسك في إهداءه إلى المضي قُدماً في دروب الإبداع بلا محاكاة وبلا تبعية وبلا استيراد يزيدنا سقماً على سقم. ولو تتبعنا التاريخ، لوجدنا أن العالم بعد طرد المسلمين من الأندلس نشأت فيه حركات أولئك الرحالة الغربيين الذي جابوا ديار العرب لاستكشاف دروبه وتمهيد الاستيلاء على ثرواته والسيطرة عليه، وبعثوا ما بعضوا من أفكار قصدوا فيها إبعاد إنسان هذا العالم عن هويته وإعتزازه بها، وصنعوا حوله خرافات وإشكاليات غرسوها في الأذهان بشكل مدروس ومحكم، ويخلص الكتاب إلى أن أدب الرحلة الغربية قام على أسس صليبية استعمارية عنصرية عنيت بتوجيه الرأي العام الغربي لتحقيق أهداف وغايات بعيدة عن مصالح المنطقة وشعوبها، وكم أثارني كثيراً متابعتي لكتب عديدة تدور في هذا الفلك، ومنها كتاب علي الوردي حول الأشراف وقصة الإنجليز معهم، وقصص ديكسون الحاكم السياسي في الكويت، وفيلم جريتورد بيل، الذي كلها أورثت في نفسي رغبتي العارمة في التعبير عن تلك الغاية في صدر هذه التدوينة، وعن كلمة الخير تلك، كلمة التوحيد، وأن أعلن بأعلى صوت ندي مشرق اعتزازي بها سائلاً الله سبحانه الثبات والهداية إلى يوم ألقاه فيه، مستغفراً عن كل ذنب وخطيئة، ومن منا لا يخطئ. فالمسلم رغم شعوره بتفرق أمته وتشرذمهم في عصرنا هذا، مازال يدرك أن العزة ليست إلا لله ورسوله وللمؤمنين، وفي التمسك بالهوية القومية، مهما عد ذلك تعصباً أي مهووس وصاحب مآرب دنيئة كائناً من كان. وخير خاتمة معطرة لهذه التدوينة البسيطة هو التذكير بالآية ١٦ و١٧ من سورة الحديد ففيها ذلك التوجيه العظيم ألا نكون من أولئك الذي طال عليهم الأمد، فتكالبوا على الدنيا رغبة فيها عما سواها وهي أصلا زائلة. وأختم أن ما في هذه التدوينة فمن الله سبحانه، وما كان فيها من خطأ فمن الشيطان ومن نفسي، فأعوذ بالله منه وأستغفر الله ربي من كل ذنب.

 

Advertisements

4 Comments Add yours

  1. غازي عنتاب كتب:

    استعراضك للقديم والحديث من احداث ، وعن المكائد والضغائن والاجندات المدروسه بعنايه منذ الازل من قبل المستعمر ، كانت كذر الملح على الجرح ، الكتاب الذي ذكرته يبدو شيقاً جداً وجبت قراءته ، والانسان مفطور على الهدف من وجوده ، منذ فجر الازل ، ولكن كما اسلفت فهو يضيع في عالم التيه ويتخبط ويتعثر في خضم الاهواء ، والمطامع ، واما المسوخ بلاهويه ولاهدف فآه آه ما اكثرها في عصرنا ، تُشكر لهذا الطرح التنويري التذكيري لهدفنا الاسمى في هذه الحياه ، والتسامي عن ما دون ذلك .

    إعجاب

    1. علي كتب:

      كم يسعدني ويشد من أزري مثل هذا التعليق الذي يمسح بيده على التدوينة فيلملم شعثها ويلخصها على نحو بارع فيعذو التعليق مكملاً لفكرة التدوينة وإضافة ثمينة تعبر عن كرم وأصالة. وحقاً فإن فكرة التنبيه على دورنا في متابعة دورة الأحداث، وكذلك الوعي للهدف الذي نحن من أجله هنا، وأيضا التنبه لفكرة احتمالية الزلل ومعرفة أن هنالك مخرج دوماً، هي كلها أشياً مهمة وضرورية، أشدد عليها في التعليق كما قلت في التدوينة، والحقيقة أنني تأملت في الدور الذي أقوم به هنا، ورأيت أنني وأنت وكل إنسان يتفاعل إيجابياً مع ما حوله، هو على الأقل إذا لم يقدم الخير فقد امتنع عن غيره، وفي هذا الخير الكثير، العفو والشكر لك علر التفاعل الذهبي المعطر، دام سموك، تحياتي وتقديري أينما حللت وارتحلت.

      إعجاب

  2. Peace كتب:

    حين أنهيت تدوينتك العميقة هذه تذكرت مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة من دونه أذلنا الله”.. اللهم أعزنا بالإسلام، كتب الله أجرك وبارك فيك.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكرا للتعليق اللطيف والدعوة، وكتب أجرك وبارك فيك.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s