شبه آلة

أكتب هذه التدوينة بعد أن أخفقت في نهاية الأسبوع الماضي في الإلتزام الذي قررته منذ بداية هذا العام، إلتزام أن أكتب تدوينة كل نهاية أسبوع، تدوينة واحدة على الأقل. أكتبها أيضاً بينما تغمرني مئات الصفحات والكتب التي أجدني مسترسلا في قراءتها على نحو يسعدني وتغمرني الرغبة في أن أنتهي منها كلها، على الرغم من أنني أتطلع لتسارع أكبر في هذا المجال، لكنني مبسوط بشكل عام. إخفاقي في الإلتزام جاء معه تفسير اخترته لذاتي تهويناً عليها وتطيباً لخاطرها، هذا التفسير جاد به أحد الكتب التي كنت أقرأها -ياللمصادفة- في ذلك الأسبوع، والتفسير هو أنني لست آلة كي أعمل الأشياء بشكل محدد ومستحكم، أنا الإنسان الضعيف المشوّش المتضعضع المتردد الخجول الكسول الملول الضعيف، لست آلة! في قلة قوتي تلك أسرار قوتي وتمكني من كل ما يمكنه أن يفت في عضدي، في ضعفي قد تتجلى قدرتي على العودة بدأب ممكن. ذلك الكتاب كان عن الذكاء الصناعي، ويقصدون به نوعاً متقدماً من الآلات التي تقوم بالعمل المتكرر المتشابه بلا كلل، مثل بعض البشر للأسف، والكتاب كنت قد اقتنيته من عشر سنوات ونام على رفوف المكتبة طوال تلك الفترة حتى رأيته ذات صدفة وقررت أن أمنحه فرصة ثانية، وكانت الفرصة الأولى غير ناجحة من حيث قررت بعد تصفح أولي له في تلك السنوات أن أنبذه. الكتاب ممتلئ منتصفه بالحشو الأكاديمي الممض، لكن بدايته ونهاية ملفتة وممتعة وتلقي الضوء على قضايا ضرورية لكل إنسان يهمه أمر وعيه، وفيه معلومات مدهشة شدت انتباهي حتى قررت أن أكتب عنها تدوينة، والكتاب بإجماله كان مثار نقاش لطيف في فليكر بسطت فيه وجهة نظري، والملفت في الأمر أن الآلات والذكاء الصناعي يتطور بسرعة مذهلة غير واضح تماماً إلى أين سيصل مدى تقدمه. بودي أن أسجل بعفوية تامة انطباعي عن كل ماهو هو آلي، ولقد بسطت وجهة نظري في أماكن كثيرة، وهو أنني في ذاتي نفور من كل ماهو آلي ودقيق ومحتم، بالذات لو كان متكلفاً، البشر، نحن البشر نخطيء ونصيب، وقد نصنع ما يضرنا، أحد الأفكار التي تجعلني أنفر من الآلات هو أن البشر نجحوا في كل تقنية ممكن ومفروض أنها تسهل حياتنا أكثر، لكنها تتعقد، اخترعوا آلات المصانع وزادت وقت العمل، استخدموا وسائل الاتصال فصار وقتنا كله عمل، ما صار العمل ضرورة للحياة صارت الحياة ضرورة للعمل، قرأت مقالاً لذيذاً عن الحق في أن نكون كسولين، ومقالة أخرى في مدح الكسل، الإرهاق والجشع والطمع هي أشياء يجب أن نتجنبها، ومادامت الآلات تهيئ لنا مثل هذه الراحة لماذا نكدح؟ ربما ليس ذنب الآلات، ذنب الإنسان ألا يستخدمها بوعي؟ إذن ندائي هو أني أمقت الاستخدام اللاواعي للأشياء، وأحاول جهدي ألا ينطبق علي مثل هذا الاتجاه. ويروج كثيراً في أدبيات هذا الموضوع الحديث عن السادة والعبيد، أن يتحول السيد وهو الإنسان إلى عبد لتلك الآلة، وفي الآلات سبب لزيادة السلع الاستهلاكية وبالتالي الحاجة للإنفاق عليها، وبالتالي يجب أن يعمل أكثر ليكسب أكثر وينفق أكثر، دوامة مفرغة، الصناعة جعلتنا مشغولين جداً،نبتعد عن جوهرنا المتباطيء الضروري لعقولنا وأرواحنا وأبداننا. كان الناس يعملون لستة عشر ساعة، ثم تناقصت لاثنتي عشرة ساعة والآن صارت ثمانية، ربما حان الوقت لتصبح أربع ساعات فقط! خلافاً لذلك القول الأمريكي: ثمان ساعات عمل، ثمان ساعات للراحة، وثمان ساعات لأي شيء نريده! وانظر لأثر العمل بالورديات مثلاً، على الأسرة والفرد، نحتاج لتجديد الصلة بالبساطة وبثقافة الوقت البطيء. قد يبدو حديثي غير مرتب وعفوي وغير واضح، لكنني أكتب بدون تخطيط ولا ترتيب وكأني أفرغ أحاسيس المتراكمة والمبعثرة هنا في هذه التدوينة الأسبوعية البسيطة، محاولاً أن أخلص نفس من تأنيب ضميري لأنني أهملت أسبوعاً بلا تدوين، وربما لأنني أخشى أن أتحول إلى آلة بدوري، أو شبه آلة، وهو الأمر الذي يزيدني هماً على همومي.

Vaucanson-digesting-duck
بطة فوكانسن الهاضمة للطعام Jaques Vaucanson Duck

كوافيدو وآلة الشطرنج
كوافيدو وآلة الشطرنج Torres Quevedo

جاري وولتر وسلحفاته
جاري وولتر وسلحفاته Gary Walter turtle

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. Yazeed كتب:

    مبدع دائما بعد غياب يا علي ، لك شوق ممتد من ساحل الخليج الى مرجان البحر الأحمر.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً لك على تلطّفك وكلامك الطيب تقبل الله منا ومنك

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s