انسكاب

أستيقظ من نومي، مثقلٌ كاهلي بالأمانة، أقضي حاجتي بتأنٍ وعيناي نصف مغمضتان، أتوضأ وأرمق الوجه في المرآة، لست في أفضل حال، ولا في أسوأه أيضا، ألتقط في طريقي الأفكار التي تناثرت مني في أول دقائق استيقاظي، وأرتدي ثيابي بتمهل، تمهل لا يلائمني ولا أرغب به، أعلم أني مستعجل لأنني قد أتأخر، ويبدأ شعوري بالانضغاط اليومي صعب التبرير أو ذو التبريرات السخيفة يحوّم فوق رأسي وأنا أكتب، ويهزأ بي -الانضغاط- بحركات سخيفة من عينيه ويقضي على أي محاولة جادة مني في تحليل الموقف أو فهمه أو استيعابه، ذلك لأنني حتى الآن وأنا أقود سيارتي تحت الشمس وفي وجهي ينفث التكييف بهديره بأعلى صوت ممكن، أرى الإنضغاط يتكاثر بجانبي، أراه في الكرسي بجواري، ويملأ الكرسي الخلفي على مقاعد السيارة بجسده الثقيل الرجراج. قبل أن أخرج قررت ألا أرتدي الساعة -سيمر الوقت على أي حال- تنازلت على حمل السُبحة التي يزينها تاج اسمي او هو يزين التاج – لن تلامس يدي ولن أجد القصص والأحاديث والوحدة الكافية التي تستحث يدي لسحبها من جيبي- فقررت تركها ترتاح اليوم، احتملت محفظتي بما فيها، أوراقي الثبوتية، بعض النقود، وبطاقات البنوك، كرتان شخصيان بوجهين مختلفين غير مكتملين، ماذا بعدُ؟ في الجيب الآخر المفاتيح. أقفلت الباب ورائي، تاركاً السكون يلف المكان، لساني لا يتوقف، أتلو الأذكار الصباحية وأطرد الأفكار الكثيرة المحمومة المحوّمة في داخلي، وأنا أخرج من العتمة للنور الباهر، لشمس الضحى، أمشي وقد غمرني موج من الضوء اللحظي وأحاول موائمته مع النور المتسرب إلى عيني وإلى داخل روحي والذي ما ألبث إلا أن أعتاده، أنطلق لعملي محاولاً إرتداء التفاؤل والاستبشار، فلا محل يكفي لمزيد من الأسى. ينهمر اليوم كالمطر، زخات زخات، ويتخلله رعد وبرق مصطنع ممل، وعندما نتذكر الماضي، لنعلم أنه ليس جزءً من الماضي، إنه جزء من الحاضر، عقلنا الواعي الضعيف البشري المسكين يبحر في بحار متلاطمة من عدم اليقين ومن الاحتمالات والمخاوف والصعوبات ومن اللاوعي الذي لا حد لتوقعاته ولا لطموحاته، ونمضي، نركب طبقا عن طبق، ثم لا أجد لكل ذلك وأكثر إلا أن أمسك بهاتفي وأفتح صفحة ملاحظات جديدة، وأكتب، ثم تتطور الكتابة لتكون تدوينة أسبوعية طقسية، معتادة وغير معتادة، لا أجد مخرجاً لذلك إلا أن أكتب، أو لا أجد أي مخرج، لا أجد البتة، ثم أنسكب!

Advertisements

6 Comments اضافة لك

  1. Sarakhaled كتب:

    رائعة ! عشنا معك اللحظات نترقب رؤيتك وأنت مليء بالإيجابية والعزم كما الصورة في الأسفل :) دمتَ بسعادة ممتدة 🌺

    شكرا لاستمطارك مرتين اليوم 😍

    إعجاب

    1. علي كتب:

      أهلاً :)
      العفو وشكراً للتفاعل والمتابعة وأسعدني رجاءك الوردي الممتد.

      إعجاب

  2. Reader كتب:

    الروتين والتكرار والسلوك اليومي الذي له تسلسل وترتيب كلها تتراكم ثقلا على القلب يوميا ك snow ball تكبر كلما تدحرجت.
    لكن ماذا عن الافكار العشوائيه الصباحيه اثناء تفريش الاسنان وارتداء ملابس العمل وتسريح الشعر امام المراه. ماذا عن الابتسامات البلهاء وتذكر اشياء قديمه او حديثة بدون محاوله استجداء لكي تزورك.
    ماذا عن الافكار التي تاخذك الى الماضي البعيد او المستقبل البعيد اثناء الطريق الي العمل سوا حلوه او مره مطمئنه ومحببه او مقلقه ومؤلمه..وعن تآمل الشارع والوجوه والسما والمدينه وتفاصيلها وذكرياتك في اركانها.. عن تذكر موعد او رؤية تصادف او مكامله عزيز ..او وصول رساله.. كل ذلك تضيف عناصر جديده مختلفه منعشه ومثيره للمشاعر او العقل للروتين اليومي.
    ماذا ايضا عن اول شخص تراه في العمل.. اول تحيه او سؤال .. اول طلب واحتياج لك من الآخرين.. وماذا عن اوقات البريك والجلوس لدقائق او ساعات احيانا بلا عمل .. سارحا بخيالك لاشياء كانت او الان حلوه او مهمه بحياتك باي شكل.. وانت تدور بلا وعي بكرسيك ذو العجلات بلا توقف مختارا ايضا بلا وعي في تلك اللحظات ان تهرب من الروتين..

    هذه التدوينه بكل تفاصيلها تحدث معي كل صباح عمل.. تساولات مستمره تدور حول “وماذا بعد هذا الروتين والى متى سوف يستمر. متى سوف اتوقف؟” ولكن سرعان ما يجذبني تيار حديث النفس المختلف والمشاعر المتراكمه من سنين والمسافره ايضا للمستقبل لعيش تجربه لثواني او دقائق خاليه من الروتين الممل.

    كل ماسبق بتدوينتك وبردي واسئلتي ليس الا حياة. فطابت حياتك بكل خير يا رب :)

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكر الله سعيك وتعليقك، وطبت وطاب ممشاك دنيا وآخرة، ردك الغني بالأفكار والمشاعر والأفكار يضيف لمشاعري وأفكاري البسيطة في التدوينة غنىً، والتأرجح بين الماضي والمستقبل هو هواية الكائن البشري، يتذكر وينسى، ويتمنى ويخطط، تذكرت قولاً سمعته قبل أيام يقول أن الماضي هو جزء من الحاضر إذا استجلبناه لحاضرنا ما بات ماضياً، صار من الحاضر، والمثير في نفس الوقت أنه في اللحظة ذاتها يتحول لماضي وذكرى بسرعة الضوء أو أسرع، تعليقي هذا بعد أن أكتب بعد لحظة إرسال الرد صار من الماضي، لكن الأثر أو الشعور الذي يتركه كل ذلك لا يخضع لقوانين مثل هذه، الشعور مثل النظائر المشعة، تستمر بالإشعاع حتى بعد انتهاء الحدث الذي جعلها مشعة، قد ينفد بمهل وببطء لكن بعد ملايين السنين، وقد لا تختفي إنما تتحول من شكل لآخر، ومالذي بربك في الدنيا لا يتغير ولا ينتهي؟ لا أحد حاشا ربي الله سبحانه تبارك وتعالى. والسؤال تغير إلى ماذا؟ لأخير شيء أو لعكس ذلك؟ هذا المحك، ثم تذكرت فكرة ثانية، لا يمكن لأي أحد أن يكون متحررا من ربقة مشاعر التدوينة طوال الوقت كل مرة ، تنتاب البشر هذه الأشياء كل يوم، كلهم، كبيرهم وصغيرهم، وبالنسبة لي فإن هذه التدوينة ومشاركتها وتفاعل الآخرين معها يحولها لأشكال إيجابية أكثر، الكلمة المفتاحية هنا هي إتخاذ قرار ما أو شأن ما تجاه الأمور بأي وسيلة ولو تأخر الأمر ثم التعامل معه. الحياة انتظار دائم لأمر جميل، والحياة هي تفاعل لذيذ مثل هذا، الحياة لحظات، ليست أشياء إنما لحظات، نوثقها بابتسامة شخص نوده ونرحمه، أو تذكر صوته أول ما يستيقظ من غفوة، الحياة هي أن تمضي اللحظات ونشعر بالرضا من كل هذه اللحظات، حتى ولو كانت ليست الحلم الذي نحلمه.
      جزاك الله خيراً على التعليق والتواصل ونشر السرور وبارك لك في لحظاتك كلها وأحسن عاقبتك فيها دنيا وآخره وحفظك وأعانك وسددك ورحمك وغفر لك وتقبل صيامك وقيامك ودعائك، وأصلح لك النية والذرية.

      إعجاب

  3. Peace كتب:

    “لا أجد مخرجاً لذلك إلا أن أكتب، أو لا أجد أي مخرج، لا أجد البتة، ثم أنسكب!”
    أحببت صدق هذه العبارة وكومة الضياع فيها، إنها تمثلني تمامًا.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً لتفاعلك، وجعل الله لنا جميعاً لكل هم فرجاً من كل ضيق مخرجاً وفي كل انسكاب انسياب.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s