أحمدُ البشرى

on

أحمدُ البُشرى، تلك التي جئتني بها يا أَحْمَد، يا بُني، إنك لم تزل سهلاً، هادئاً، مبتسماً، مبتسماً جداً مذ عرفتك، صحيح أنني نأيت عنك وقتاً ليس بالقصير، غرقت في هموم الحياة، وغرفت فيه من رزق الله المتاح لي، وقتاً التفَّت فيه عليَّ طموحاتي الممكنة وغير الممكنة، أحاطتني وراوغتني بجلدها الناعم الملمس، وكادت أن تفتك بي فتنفث في روحي -تلك التي أنتَ بعضها- زعافها المميت، لكنك أحييتني يا أحمد، أحييتني وأنت تسابق أشهر سنتك الأولى وتكبر بسرعة وكأنك موجود في حياتي منذ الأزل! تكبر بهدوء دون أن تزعج أحداً، كأنك لا تريد أن تحمّلني مالا طاقة لي به، تبكي بعض الليالي وكأنك لا تبكي، كنت تناجيني من سريرك الخشبي البني الصغير في طرف الغرفة، وننتبه لك فتهدأ بسرعة، كأنك تقول لا أريد الكثير، وهو حقاً ما كنت تقول. أحييتني يا أحمد عندما انتبهت لك ذات يوم، حينما أخذت منك الحمى ما أخذت، فذبل وجهك المدور الصغير، وخف وزنك، لكنك لا تزال تبتسم كثيراً، تلمع عيونك عندما ألتقي بهما، لا أنسى الليالي تلك، عندما كان الحرارة تذهب وتعود، وهو أمر ما عرفته أبداً، حتى في نفسي، الفضل لله وحده، والحمد له على كل حال، حتى أخوك، زيدُ الخير، ما أتذكر أن زارته تلك الحمى إلا مرة هرعنا به إلى الطبيب فضحك على قلة حيلتنا، لكننا فعلنا السبب، وأكرم بها من شجاعة. أحمد، “حَمْدي” :) ، كما أحب أن أدعوك بكل ظرافة ممكنة أستطيعها، أدعوك به حتى تكون المتفرد بين كل أحمد، أن أدلل اسمك كما لا يدللـه أحد أعرفه. كان اسمك أمراً عانيته كثيراً، ذلك لأنني حشدت كل سبب ممكن أن يكون مناسبة لاختياره، أن يكون زيد وأحمد هما الإسمان العلمان اللذان ذُكرا صراحة في القرآن الكريم، هو اسم الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي جاء عيسى عليه السلام مبشراً به، وهو نفس السبب في ألا يجيء يوم يثيرك فيه أخوك بشأن تفرد اسمه بذلك، وسبب أن أختار اسمك لأنه اسم عمي، عمي الذي رحل منذ زمن بعيد، وبقي ذكره الكريم ليكون اسمك متطابقاً تماماً معه، وسبب آخر يقول أن اسمك واسم أخيك هما بالضبط أسماء أخوالك الكرام. أحمد، كل هذه الأسباب لم تكن كافية لأكون مرتاحاً في وقت كافٍ لاختيار اسمك، كنت مرهقاً من فكرة أننا لم نحسم أمر اسمك إلا آخر لحظات، أتعبني ذلك، لكن الأجر مع الصبر، وأنت كنت بعضاً من الأجر، ابتسامتك وعيونك المدورة تلك، بعض الأجر، وفضل الله واسع. حَمْدييييييي، هكذا أناديك :) ، أمُادّها بصوتي بقوة، أنا أناديك هنا في هذه التدوينة -قبل أيام من إكمال عامك الأول في الخامس عشر من مايو- لأقول لك شكراً لك على تحمل ألم أسنانك شبه وحيدٍ، شكراً لأنك لم تعاتبني أبداً لأني كنت بعيداً عنك أصارع الحصص والعمل والالتزامات الثلاثينية المرهقة وكنت تبتسم وتقف على قدميك في محبسك متهللا مستبشراً على نحو ما عرفته أبداً في حياتي ذلك كلما رأيتني، شكراً لأنك بفطرتك تدرك أنك مني وأنا منك. حمدي، أيها الضحوك، أيها المنسي، المتصالح، القوي، الهاديء، الحميم، أتذكر يوم تقافزت بك متحاملاً على شعوري بالذنب، وأخذتك وأنت تناهز شهرك السابع إلى مدينة ألعاب قريبة؟ كأنك تعي أو تفهم، ولم أعبأ بالناس، ولا بلوم جدتك، كانت عيناي على ملابسك الحلوة، وشعرك الرهيب الأشقر الناعم، وعلى ذكر شعرك، أحبه وهو يتجمع في منتصف رأسك، ويخف من كل جانب، يقولون كأنك عمك سعود هنا في هذا الأمر وعلى هذه الهيئة، وفخر لك وفخر له على حد سواء، كانت عيناي على أضراسك البيضاء الثلجية، اثنان كبيران في الأعلى واثنان أصغر منهما في الأسفل، وانضم إليها قبل أسابيع آخر خامس عن يسار الاثنين السفليين، صِرتَ معها أقدر على الأكل وأقدر على الضحك، عندما تنطلق ضحكاتك وأنا ألاعبك كأنك تقضم أصابعي أضحك، ضحكك يأسرني، يسافر بي إلى عالم بعيد عن أي لحظة ممكنة من حولي، وعندما تضحك من عضاتي على خدك الموشى بالحمرة، وأنقل الخبر ذاك لكل روح صديقة فتشاركني الضحك من ذلك فتشيع الضحكات في كل مكان. عبثك بأصابعك الصغيرة بشفتي وأنا أحملك لا أقدر على تفسيره! أخمن أنك تحسبهما لعبة أو حلوى هههههه، دعني من نرجسيّتي الآن، ودعني أذكّرك بأشياء رأيتها منك وفيك، مثل خوفك من الصعود والهبوط المفاجيء، براعتك في التسلق، كتسلق كرسي الأكل والمشاية وكرسي الجلوس والطاولة، براعتك في الحبو السريع عندما تراني من بعيد، لا أملك إلا أن أبتسم بشدة لكل ذلك وأكثر، ولعك بكتبي، وبمجلات أخيك، والتي ستبقى على صفحاتها آثار أسنانك التي نبتت بتتالٍ أربكنا وأقلقنا عليك، على الرغم أن كل طبيب لا يراها سبب في ضعف حالك، تمسكك بي وأنا أحملك هابطاً فيك الدرجات درجاً درجاً، لن أفلتك! أن ترقص، أن تهتف بشدة عندما ترى الطريق والسيارة من أعماق خنجرتك الصغيرة، فتختط صياحاتك بالصدى، صفقات يديك الثابتة على لحن أي أغنية ممكنة، كلها أتذكرها وأسجلها. أحمد البُشرى يا حمدي، أحمده سبحانه عليها. أسجل لك هنا أيضا أنني لن أنسى تجولنا في الممشى في ذلك الضحى، وحيدين، كأنني أغزل ذكرى لك وحدك، وعندما لفحتك الشمس أخذتك بعيداً، إلى الصيدلية، ثم إلى البيت، حيث نمت وأنت تلتقم رضاعتك كأهدأ ما يكون في يوم إجازة رهيب لا أنساه، ولاسهرتنا سويّة في ذلك البرج العالي إلى ما بعد منتصف الليل، وحدنا، عندما توسدت حضني بأمان، ولا متعتي الرهيبة ببقايا الطعام في يدي ألقمك إياه وأنت تتلذذ بكل طعم متوقع وغير متوقع، ولا أن أشاركك الآيسكريم والوجبة ولو أدى ذلك إلى ثوب يحتاج إلى رحلة عاجلة إلى غسالة الملابس، ولا أن أستيقظ مبكراً جداً وأشاهدك تعبث بكل وداعة بأطراف سريرك فأذهب بك إلى المطبخ وأصنع معك ذلك الفطور الذي لم تذقه لأنك ستصنع لي مثله يوماً ما، كل ذلك لا يساوي ذرة واحدة من بهجتك واستمتاعي بك وإحساسي أنني معك، لأنك تتوقع ذلك وترجوه وتريده وتفرح به وأنا أسعد بأني لا أخيب لك ظناً. صحيح أنك ولا أنا حظينا لك بصور كثيرة، كان هناك الكثير من الزجر والإلهاء عن فعل مثل ذلك، ثم كان هناك ولع أخيك الذي يخترق حالياً صباه بأقصى قوة ممكنة، لكنك يجب أن تكون متأكداً أنك محفور هناك في آقصى أقاصي أعماق القلب ذاك، قلب أبيك الذي يحاول ويحاول ويحاول ويحاول ويحاول ويحاول، ست مرات، ويكفيه شجاعة أن يحاول المحاولة إلى الأبد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s