في الكتابة وفي مدح البريد الالكتروني

on
سأبدأ هذه التدوينة بأن التدوين وسيلة وليس غاية، هذا كلام لفت انتباهي جداً، ويذكرني أيضا بكلام آخر مهم قلته لنفسي، وسجلته في مفكرة هاتفي تقول قبل أن تكتب فتش جيدا عن السبب ثم أكتب، لاتكتب لسبب غير كاف، وقبل كل هاتين الفكرتين وبعدهما أقول أن الكلمة الطيبة صدقة لذلك نكتب، ونحن في الحياة هذه نعمل، فاعملوا وكل ميسر لما خلق له، فماذا أنا ميسر له؟ ثم هذا الكلام كله يقودني لفكرة أخرى أعمق، ما معنى استخلافي في الأرض؟ وإلى ماذا كان التيسير لي في هذه الحياة؟ ولماذا؟ هل للكتابة؟ ربما؟ ثم ماهي الكتابة؟ بعضهم قال أن الكتابة هي انتصار لصوت الذات على الرغم من كل التحديات ومخاوف الفشل، الكتابة عندي تنبع من قرارة بئر عميقة، بئر طفولية اكتشفتها منذ زمن بعيد، فيها تتلاطم الأساطير وأحلام السفر بالخيال. وأيضا الكتابة تظهر أحياناً عندما تخيلتني أنا نفسي في القصة، القصة التي يمكنني أن أرويها لذاتي، لعقلي ولروحي ولجوعي ولعطشي لفكرة أريدها أن تكون واقعاً، ثم انتبهت على ذكر الواقع، انتبهت لفكرة التوقف عن الكتابة ذاك الذي بدأ بالنسبة لي من الثمانينات حتى ٢٠٠٨م، حيث رأت هذه الورشة، هذه المدونة، الواقع. مرة ثانية بإمكاني الحديث أكثر عن فكرة البحث عن الذات بالكتابة والقراءة، لا أود أن تكون هذه التدوينة تكراراً لحديث كتبت عنه الكثير، لكن يا جماعة، هذا موضوع لا أمله، وأنا الآن وأنا أكتبه أكتشفه مع نفسي، وأحاول اكتشاف أبعاد أخرى له. التدوين، فيه ثأر أو اقتصاص سلمي، بالكلمات فقط، وليس باللكمات، اقتصاص من أشياء عبرت بالذهن وأشغلته، فنلجأ لتوثيقها لتبقى في مكان آخر، غير عقولنا وربما في المكانين في بعض الأحيان، ولنا في القصاص حياة. ثم إنه هناك هاجس آخر يقول أن هناك خجل من كتابة شيء لا يستحق، فأقول، وهل هناك شيء لا يستحق، رحلة الحرف من الرمز للمعنى كلها تستحق الاندهاش والممارسة المستمرة، الكتابة تحاول أن تصيب هدفاً معيناً، هذا الهدف هو تحديدا، الاجابة عن سؤال: لماذا نكتب؟ ويجيء جواب، يقول أننا يجب علينا الكتابة لتكون أثراً في الدنيا والآخرة، أن تكون لها صفات محبوبة وخيرية ومباركة وأن تكون شيئاً مستداماً، مثل رسالة خير ونعمة ومطر وغيث للقلوب والعقول وللعالم، وفيها مني ذكرى للدنيا. طيب وسؤال مهم آخر، مالمغزى من النشر؟ ما المغزى من كتاب؟ طيب ماهي النصيحة؟ النصيحة الحقيقية هي أنه لا توجد نصيحة، ربما هناك تلميحات من قبيل أن تبتعد عن التفاضل وابحث عن أي شيء يجعلك تتكامل، التكامل زيادة، التفاضل اضمحلال. وعلى ذكر ذلك، ما رأيكم بالبريد الالكتروني؟ البريد الالكتروني بطيء، وأثره يبقى طويلاً، وفي البريد الالكتروني مجال للعقل أن يسترخي وللقلب أن ينطلق خارج الحدود، أن يسافر لأبعد صقع في أرض المعاني. في البريد، حفظ لنا من ذلك اللهاث المحموم من سلاسل الأحاديث اللحظية القاتلة للحظة، البريد الالكتروني، أو الايميل، بطيء يجعلني أسترخي، أن أقرأه مرة ومرتين دون الحاجة للاستجابة الآن، فيه مجال لأتنفس بعمق، وفيه مجال لأحاول البحث بين السطور، هناك فسحة من الوقت دوماً مع البريد الالكتروني، وفيه عبق أوليات الانترنت، وهذا سبب آخر يجعلني أحبه أكثر، هو من الأشياء القديمة التي لن تختفي، الماسنجر انتهى مثلا، وبقي البريد الالكتروني. الايميل، البريد الالكتروني، هو رحلة، ليس نتيجة، البريد الالكتروني تذكرة سفر تتجدد كلما قررنا أن نقرأ الايميل للمرة الألف بعد الأولى، نسافر بها إلى تلك الذكريات القديمة. مثل مقال قديم لا يبهت التاريخ محتواه، بل يتجدد ويكون هو الحل لمعضلات عصرنا الذي يعتصرنا مثل ليمونات حامضة، تزيد من امتعاضنا لكل ما حولنا. المجد للايميل، المجد للبريد الالكتروني، المجد للتدوين بكل أنواعه، المجد لكل المرتحلين، المرتحلين من الرمز للمعنى وهم يقاتلون كل وسيلة تمنعهم من الاستمتاع برحلة ذهبية مثل هذه.
Advertisements

2 Comments Add yours

  1. Reemz كتب:

    مضى وقت لم اقرأ فيه شيئًا يجعلني اقف مشدوهةً بهذا الشكل، رائعة هذه التدوينة يا علي. كُتبت لتُقرأ مره وإثنان وعشر…

    جميعها تساؤلات مترابطة بطريقةٍ مآ لكن لكل منها أجوبة قد يأخذ البحث عنها عمرًا بأكمله. أحببت التسلسل، الإنسيابية في الطرح. كان رائعًا.

    أما عن البريد الإلكتروني فإني احبه جدًا، هو طريقتي المثلى لتعلم الصبر، الصبر في انتظار الرد على رسالة مطولة أسهبت فيها كثيرًا، الصبر على الصياغة المثلى التي قد تأخذ وقتًا بسبب “حبسة الكاتب” مثلما يقولون.

    احب الفرصة التي تمنحها لنا كتابة الرسائل بل الكتابة بشكل عام، مؤمنة بأننا عندما نكتب: لدينا دائمًا الفرصة لنكون متألقين، لنختار أجمل الكلمات التي تصف ما نريد بدقة، لنعيد الترتيب كيفما نشاء مره واثنان وثلاث. بعكس التواصل الفوري أو المباشر، تجد نفسك على قيد السرعة، تقول أشياء بطريقة بلاستيكية أحيانًا، كانت من الممكن أن تخرج بشكل أفضل.

    إعجاب

    1. علي كتب:

      شكراً جماً على هذا التفاعل الكريم يا ريم على تدوينتي التي كتبتها بتلقائية معتمداً على أفكار سجلتها على فترات متباعدة، سعدت بكلامك اللطيف، وسرني كيف أن كانت الكتابة سلسلة، البريد الإلكتروني هو شغفي في عالم الانترنت، هو والتصوير، والتدوين بالتصوير، الكتابة هي كتابتنا على الواقع، كم مرة أكتشف أشياْ من نفسي عندما أهم بكتابة شيء يتعلق بي، أو بشيء عزيز علي، فكرة الطريقة البلاستيكية تصب في صميم شعوري تجاه الأشياء الاستهلاكية من حولنا.

      شكراً مرة أخرى وسعيد بتواصلك.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s