المسكة-٢٢

25482603304_1470a650ba_z
اضغط لمزيد تفاصيل حول الصورة والرواية من صفحتي في فليكر

قبل أن أقول أي شيء آخر متعلق بتفاصيل التدوينة أود الحديث أولاً عن بواعثها، التدوينة عن رواية استصعب عليّ جداً أن أفرغ من قراءتها! اقتنيتها من محل كتاب مستعمل في أبوظبي قبل ثلاث سنوات، تخيلوا! 2013! ولا زلت أتذكر كرم البائعة الهندية الدمثة في مكتبة ثرفت للكتاب المستعمل في أبوظبي وهي تبيع لي هذه الرواية الكلاسيكية المؤثرة بثمن بخس اعتبرته صفقة رابحة جداً، 10 دراهم فقط! المهم أنها نامت كثيراً على الرف، الرواية وليس البائعة، ها ها ها :) ، أقصد نامت الرواية في مكتبتي طويلاً جداً، وحيث أنني اخترت هذا العام ليكون عام القراءة، معتزلاً الكثير من الأشياء التي اعتدتها، مثل تويتر وغيره، حتى الكتابة قل نصيبها إلا من هذه الممارسة الأسبوعية في مشروع تدوينة كل نهاي أسبوع. المهم أنني قبل شهر حاولت الاقتراب منها والقراءة، واصطدمت كالعادة بالعائق المتشكل في اللغة، الرواية بنصها الأصلي موجهة للمتحدثين الأصليين باللغة الإنجليزية، ولعل هذا العائق يتكرر معي في كتب أجنبية كثيرة، رغم أنني أتجاوز هذا الأمر مع الكتب الأجنبية الرهيبة لكنني لم أقوى عليها، وتجربتي غير ناجحة مع الكتب الأجنبية إلا من استثناءات محدودة، مثل كتاب انجليزي في الرياض، والذي لعلي أستعرضه قريباً.

الرواية بدأت قراءتها قرب السرير قبل النوم، لكنها كانت تجربة محبطة، وتجربة غير مريحة، كان معي القلم وأحاول أن أتتبع  المصطلحات وأضع خطاً تحت كل كلمة جديدة على حصيلتي اللغوية محاولاً إيجاد حافز ما لمتابعة القراءة، لم أتمكن من السيطرة على فكرة إنهاء الرواية بمتعة ولو قليلة، باتت الرواية تنظر إلي من بعيد، فحاولت أن أنقلها لمكان آخر، اصطحبتها إلى المكتب، صارت كتاب المكتب لبضعة أيام، واستمرت نفس المرارة، لا يمكن أن أسترسل في قراءتها! هنا حاولت البحث هنا وهناك عن أدبيات حولها، في اليوتيوب، والشبكات، أو حتى ترجمات للمصطلح الذي هو عنوان الرواية، وأقرأ كل ما يحفزني لإعادة قراءتها، لكن هيهات، تتمنع تمنع البتول الخجول، أو الباردة الحرون، هنا وتلك اللحظة اتخذت القرار، ستعود للرف، لن أكمل قراءتها اليوم أو غداً، سأدع ذلك للمستقبل، الحل الوسط أنني سأكتب عن كل ما يشدني عنها، وسأستمتع بذلك حتى آخر رمق من هذه التدوينة، جدير بالذكر هنا  أنني أكتب عن انطباعاتي التي قد تكون وقد لا تكون صحيحة عن الرواية وتفاصيلها وما يتصل بها، لكنني أرجو أن أوثق تجربتي وأفكاري التي جمعتها، حتى ولو لم أقرأ جسد الرواية نفسه، ملحوظة أخيرة، علمت مؤخراً أن هناك ترجمة عربية للرواية لكنني ما تصفحتها ولا رأيتها من قبل، إلا على الشبكة، حيث رأيت غلافها، الشاهد لعلي أنا في موضع يشبه موضع المسكة-22 حيث لا أستطيع قراءة الرواية لكنني ألزمت نفسي بكتابة شيء عنها، أن أتصالح مع الأمر وأهرب منه بطريقة مؤدبة وحضارية، مثلما هرب بطلها من معضلاته.

الرواية ألفها كاتب أمريكي متخصص باللغة الانجليزية في الخمسينات في أعقاب الحرب العالمية الثانية اسمه جوزيف هيلر، كان يكتب ويؤلف قصصاً قصيرة، ومنذ ذلك الحين صارت الرواية أيقونة من أيقونات الأدب الأمريكي الحديث أو الأدب العالمي ككل، الرواية تدور حول جندي أمريكي يعمل في سلاح المدفعية (Bombardier) يقذف المدن بالقنابل أثناء الحرب العالمية، “يوسّارين” كان اسمه، والاسم في أصله اسم سرياني، اختاره المؤلف لينأى بشخصية الرواية الشخصية المثيرة عن الصورة النمطية لمحاربي الجيش الأمريكي المتسمة بالعنجهية والعناد والتجبر والقوة، يوسّارين كان غير ذلك، وللحديث عنه نصيب في هذه التدوينة.

قبل ذلك يجب أن يبدأ الحديث عن معنى المصطلح، كاتش-22، هذا الوضع الكسيف أو هذا الحال هو وصف للحال التي نكون أسرى ولا يمكننا الفكاك بسبب قوانين وقواعد متناقضة لا نستطيع فهم الحكمة من وراءها مباشرة لكننا ملزمون باتباعها. المؤلف يضرب مثلا لوضع مثل ذلك فيقول ضاحكاً: هي حالة أن تحتاج لتتحرك بأقصى سرعة ممكن لكن يجب عليك أن تقوم بذلك بشكل بطيء! والرواية والمصطلح كله يدور حول معضلة استخدام أصحاب السلطة لتلك القوانين المتناقضة للتحكم بالآخرين بقوة وصرامة مستغلين قوة موقفهم، سياق الرواية يجيء نقداً لسياسات أمريكا في الخمسينات من قبل جوزيف هيلر، وتأخذ الرواية أحداثها في جزيرة مينوسا وكذلك في روما إيطاليا، النقد كان لسياسات أمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

الرواية مكتوبة بطريقة يوجد فيها راوي يروي الأحداث من الخلفية مستعرضا الماضي والحاضر والمستقبل بناءً على الحاجة، أحداث حاضرة ويربطها بضوء مسلط على لقطات من الماضي، والرواية تستعرض حال الجنود في المعركة ومعاناتهم في سبيل النجاة من المهام الخطرة التي يكلفهم بها القائد المهووس، وعلى الرغم من كون يوسارين يقوم بإنجاز المهام بجدية لكنه دوماً ما يفشل في تجنبها ويعلق فيها بشكل مؤلم بسبب حالة المسكة-22 التي يقع ضحيتها، وبسبب البيروقراطية العسكرية الرهيبة التي تجبره على الرضوخ، هنا بدأت أتقمص هذا الدور الرهيب، كم واحد في حياته العملية يخوض مهاماً أو يلعب دوراً مشابهاً؟ الكثير فيما أظن. في أحد اقتباسات الرواية التي شاهدتها في مقطع من الفلم، كان يوسارين يتحدث مع طبيب الكتيبة، قائلاً أنني إذا طلبت ألا أطير بمهام لقصف المدن يجب أن أكون مجنوناً لرفض الأوامر، وهناك قاعدة لذلك أيضا، لايسمح لي بألا أطير إلا إذا طرت بما فيه الكفاية بقاذفة الصواريخ، ولكي أطير باستمرار يجب أن أكون مجنوناً، وإذا طلبت أن أكون على الأرض لن أكون مجنوناً بعد الآن وبالتالي يجب أن أستمر بالطيران حتى أصل إلى حل لا يمكن أن أصل إليه، لن يكون هناك حل لأنني سأكون مطالباً بالطيران والقصف دائماً! يجيب الطبيب: نعم هذا صحيح هذه هي المسكة-22، بطبيعة الحال فهمت أن يوسارين يواجه الكثير من الموت والمآسي والرعب قبل أن ينجح في الهرب من ذلك الجحيم.

جون يوسارين، بطل الرواية، هو قائد طيار عمره 28 سنة ويشعر بالهوس من فكرة أن الجميع يسعون لقتله! في أعماق يوسارين خوف من الموت ومن الحروب، ذلك لأنه شهد الكثير من اللحظات المؤلمة لأفراد تحت طاقمه يغشاهم ذلك الشيء الرهيب، وينمر في داخله كره الحرب بشكل أقوى حتى أنه بات يحاول الخروج من ذلك بأساليب بدائية عديدة، كأن يدعي الجنون التام، تنمو شخصيته كارها كل ما يمت لمعنى المجد والميداليات والتقدير والتكريم المتوقع لمن يخلص في خوض الحروب، فهو يريد أن يعيش حياته فحسب كما يريد، رافضا كل تلك الأشياء الزائفة في نظره! وعلى الرغم من ذلك تجده يبادل رفاقه كل التعاطف والدعم والمساندة فهو ليس امرءاً منحطاً لدرجة الأنانية المكروهة، حتى أنه يرفض عرضا من قائده لأداء مهمة والعودة للبلاد مظفراً، ويهرب من مشفاه إلى روما بدون لباسه العسكري مع تحذير أصحابه له من الخيانة والملاحقة، قابلها بضحكات منطلقة ومنهمرة.

لا يكتمل الحديث عن يوسارين إلا بالحديث عن قائدة، كاثكارت، هذا الرجل ذو شخصية وصولية قاسية، ويقاتل من أجل أن يصبح جنرالاً مهما كلفه الأمر، لا يبالي بالآخرين بشكل كافٍ، ويعتقد بكره الآخرين له، وكان يضغط على فريقه ومن ضمنهم يوسارين، لمجرد أن يظهر بشكل لائق أمام رؤساءه ضارباً بعرض الحائط حياة الآخرين، وكان مأساته مع فريقه أن رفع عدد الطلعات الجوية التي يجب أن يقوم بها المدفعجي قبل أن ينهي خدمته العسكرية، وهو أمر يضاعف المخاطر التي قد يتعرض لها فريقه دون داع! كم مدير وقائد في محيطك تعرف يشبه كاثكارت؟ كاثكارت ويوسارين يبادلان بعضهما الكره. وأحد التابعين ليوسارين اسمه مايلو والطبيب دينيكا أيضا شخصيتان مهمتان، الطبيب أناني وجبان ومراوغ لا يهتم بتقديم التقدير للآخرين ومتذمر، ولك أن تتخيل أي طبيب سيكون بهذه الصفات!  تابعه مايلو، الذي يتابع ملفاته ويساعده رجل يهتم بجمع الثروة واقتناص الفرص حتى بأساليب غير إنسانية وغير أخلاقي، جشع وطماع وليس له أي ولاء إلا لجهة تنفعه، فلا يهتم لوطن ولا رئيس ولا أحد!

طيب، ماهي الأفكار التي تروج لها الرواية، نقد البيروقراطية الغير مفيدة، وكذلك الاسخدام التعيس للألفاظ بشكل غير فعال لمجرد الجدل، تنظّر الرواية للنفاق والموت، والمخاوف، والعبث. أخيراً، هناك فيلم أنتج في السبيعينات عن الرواية، أدناه مقطع من الفيلم يشرح فكرة المسكة-22 أو الضربة-22 أو الوضعية-22 أو المعضلة-22 اللغز-22 الخدعة-22، ماذا بعد؟ أرجو أنك استمتعت يا علي بالكتابة، من حيث انك تكتب لنفسك بالمقام الأول، وأرجو أنكم أنتم أيها المتابعون أيضا استمتعتم بالكتابة عن كتاب حاولت الاستمتاع به لكني حتى اللحظة لم أتمكن وهو حال نادر بطبيعة الحال فكل الكتب أحبها وأستمتع بها، العزاء أن كتابة هذه التدوينة سيجعلني في حالة تصالح مع فكرة إعادة الكتاب إلى سباته على الرف حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، وسروري ذاك هو عزائي!

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s